• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

تحالف «ردة الفعل» وأيديولوجيا «الحق في الإبادة»

9 مايو 2026
تحالف «ردة الفعل» وأيديولوجيا «الحق في الإبادة»

إيزيديون في قافلة نزوح جماعي خلال هجوم تنظيم داعش على منطقة شنكال في أغسطس 2014 | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email
محمد سامي الكيال

يعود للحركة النسوية فضلٌ كبير في تطوير مقاربة اجتماعية وفلسفية وقانونية متينة ضد مقولة “ردة الفعل”، ليس فقط بوصفها تبريراً لممارسات إجرامية، بل أيضاً باعتبارها خطاباً متكاملاً، يقوم على افتراضات ضمنية عن المجتمع والسلطة والهرميات والأدوار الاجتماعية. ففي سياق الجدل حول الاعتداء الجنسي على النساء، جادلت مفكرات وقانونيات نسويات، مثل كاثرين ماكينون وأندريا دروكين وسوزان براونميلر، بأن الحديث عن “استفزاز”، يدفع الرجال للتحرّش والاغتصاب، ليس إلا جانباً من “ثقافة الاغتصاب”، على مستوى أعمق حتى من المواد الثقافية والفنيّة التي تصوّر النساء بهيئة موضوعات جنسية، فاعتبار أن ملابس أو سلوك أو ايماءات النساء تثير رغبة لا يمكن مقاومتها، وتدفع الرجال إلى “ردات فعل” اعتدائية، يحوي سلسلة تصوّرات عن “الطبيعة”، أي اعتبار الاستثارة الجنسية الذكورية العنيفة أمراً طبيعياً وحتمياً لا يمكن ردّه؛ وعن “المجتمع”، الذي يتمتّع فيه الرجال بأحقية تفريغ رغباتهم “االطبيعية” على أجساد النساء؛ وعن “الأخلاق”، التي يجب على الجسد النسائي الحفاظ عليها ومراعاتها، وإلا سيتعرّض لعقوبة مبررة من “الطبيعة” و”المجتمع”. ثم يأتي “القانون” ليشرعن كل ذلك، ويسأل النساء عما كنّ يلبسن ويفعلن، قبل تعرّضهن للتحرّش والاغتصاب، بحثاً عن العذر المُخفف للمجرم. هذا الربط والتراتب بين “الطبيعي” و”الاجتماعي” و”الأخلاقي” أيديولوجيا متكاملة، كامنة في قلب القانون والمؤسسات الاجتماعية الأساسية، ما يجعل العنف الجنسي ضد النساء مُمأسساً، وليس مجرّد “أفعال فردية”. ولهذا فإن الاعتداء الجنسي لا يتعلّق بالجنس نفسه بقدر ما يتعلّق بالسلطة، وكل فعل تحرّش واغتصاب يحوي في ذاته جانباً سلطوياً وأيديولوجياً، وليس “ردة فعل” نابعة من الشهوة.

ما فعلته المفكرات والقانونيات النسويات هو إظهار بنية ما يسمى “ردة الفعل”، على مستوى حالات الاعتداء الجنسي، ففعل الاعتداء مبني على سلطة وخطاب سابق لـ”الاستفزاز” الذي تعرّض له المجرم، بسبب ملابس المرأة أو سلوكها، و”ردة الفعل” محددة سلفاً في بنية المجتمع الذكوري، وسابقة بنيوياً، حتى لو لم تكن سابقة زمنياً، للمثير الذي أدى إليها. المغتصب يغتصب لأنه يرى ذلك حقه وسلطته، وربما يعاقب ضحيته أخلاقياً، بشكل مباشر أو غير مباشر، على عدم التزامها بصورة مثالية في ذهنه، والقانون يقرّه في ذلك بشكل غير مباشر. الموضوع أعقد من رغبة لا يمكن كبحها، فرغباتنا تعمل ضمن عالم من السلطات والرموز والمعاني وعلاقات القوة، وهي كلها موجّهة عادةً لمصلحة الحفاظ على أدوار جندرية، وهرميات اجتماعية معيّنة.

هذه النتائج يمكن تعميمها خارج إطار القانون والدراسات النسوية، لأنها صالحة لتحليل أيديولوجيا خطاب “ردة الفعل” عموماً، القائم على آليتين أساسيتين، تجاورهما يُعدّ نوعاً من الاحتيال الخطابي: التبرير والتطبيع من جهة، أي محاولة التخفيف من فداحة الجريمة، وربطها بـ”طبيعة” وحتميات بيولوجية واجتماعية وأخلاقية، ما يجعل المجرم أقرب لضحية مظلومة؛ وتكريس سلطته من جهة أخرى، فممارسته لـ”ردة الفعل” الإجرامية حق طبيعي وأصيل له، ومن يتنازلون عن ممارسة هذا الحق (وليس عن الحق نفسه) يستحقون الثناء والتكريم، تماماً كما في جملة “أنا رجل جيّد لأنني لا اغتصب”. ما تكشفه التحليلات النسوية فعلاً بنية خطابية أوسع من مبررات الاعتداء الجنسي، يُقدّم فيها العنف والإجرام بوصفه نتيجة حتمية لظروف خارجية، بما يحوّل الفعالية الإنسانية إلى مجرّد “رد فعل”، ويخفي علاقات السلطة التي تجعل العنف ممكناً أصلاً.

وعلى الرغم من الأهمية النظرية لهذا التحليل، وإمكانياته الكبيرة للتعميم في كل الاتجاهات، وعلى رأسها السياسة، إلا أنه أُفرغ من مضمونه فيما بعد، بفعل الأيديولوجيا والمنظمات الناشطية، التي استعادت منطق “ردة الفعل”، لتجعله مبرراً لممارسات وجرائم تصدر عن الفئات التي تعتبرها “مهمّشة” أو “ضعيفة” أو “تعاني من جراح تاريخية”. إذ يكفي تصنيف أفراد معينين ضمن واحدة من هذه المجموعات لتبرير كل جرائمهم بخطاب “ردة الفعل”. وهذا ما حدث مثلاً في حالة مرتكبي العمليات الإرهابية في أوروبا، والتي وصلت إلى ذروتها في منتصف العقد الماضي، تزامناً مع صعود تنظيم داعش. فمع كل عملية، كانت عشرات الأصوات المحسوبة على ما يسمى “يساراً ليبرالياً” في الدول الغربية، تتحدث عن “الماضي الاستعماري” و”السياسات الإمبريالية”، لتصل في الختام أن العمل الإرهابي مبرر إلى حد ما بكونه “ردة فعل”، بل إن المجرزة التي حصلت بحق رسامين وكتّاب في جريدة “تشارلي إيبدو” الفرنسية عام 2015، اعتُبرت “ردة فعل” على استفزاز الجريدة للمشاعر الدينية، ووصل الأمر إلى مقاطعة حوالي مئتي كاتب، أغلبهم من الناطقين بالإنجليزية المحسوبين على ذلك التيار الأيديولوجي، لحفل “منظمة القلم الدولية” المخصص لتكريم ضحايا المجزرة، بدعوى أن “استفزازهم” ليس أفضل مثال لحرية التعبير، فهم قد مارسوا “إسلاموفوبيا” تعبّر عن عنصرية فوقية تجاه فئات مهمّشة، عانت طويلاً من الاستعمارية الفرنسية. أثار هذا حفيظة الكاتب البريطاني سلمان رشدي، الذي عانى طويلاً من “ردات فعل” من ذلك النوع، فشتم المقاطعين بقسوة في البداية، عبر تغريدة له على موقع “تويتر”، ثم وضّح أن الحديث عن “ردة فعل” من ضعفاء ليس أكثر من احتيال، فنحن لا نتكلّم فعلاً عن “مهمشين”، بل عن حركات إسلام سياسي، لها قاعدة هائلة من التمويل والدعم الأيديولوجي، المباشر وغير المباشر، تتداخل فيه دول بميزانيات ضخمة، وليس فقط “الدولة الإسلامية”، بل دول مثل تركيا وقطر والسعودية وإيران، وتنظيمات عابرة للحدود. ولطالما قمعت هذه الشبكة من الدول والتنظيمات والمؤسسات ملايين  البشر، من “الضعفاء” حقاً، غير المسلّحين، وغير الإرهابيين.

ينبّه رد رشدي إلى ما هو أكثر من خطورة شبكات الإسلام السياسي، وتصويرها الساذج من قبل الناشطين على أنها مجموعات من الضحايا المهمّشين، بل إلى مفهوم بدائي عن السلطة، يقسّم البشر والعالم إلى كتلتين متجانستين، فئة تمتلك السلطة كلها، وفئة محرومة منها تماماً، فتعوّض عن حرمانها بـ”ردات الفعل”. هكذا، يصبح رسامو كاركتير مسالمون مساوين تماماً لرجال شرطة عنصريين، أو لقادة استعماريين فرنسيين تاريخيين، في الكتلة الموحّدة لـ”الرجل الأبيض” أو “الاستعمار والإمبريالية”؛ فيما يصبح الدواعش والإخوان والإيزيديون والكرد والعرب والجزائريون وملالي إيران وضحاياهم من النساء والمعارضين، كلهم متجانسين، في الكتلة الواحدة لـ”غير الغربيين”، أو “الجنوب العالمي”، والأكثر إثارة للسخرية، إن الإرهابيين، وكثير منهم لم يأتوا من طبقات اجتماعية متدنيّة على المستوى الفرنسي والأوروبي، صاروا ممثلين لكل هذا “الجنوب غير الغربي”، فقط لأن ناشطين غربيين افترضوا ذلك.

عملياً، تُنكر “ردة الفعل” على من يفترض أنهم في قمة هرم السلطة (الرجال البيض) فيما تُستخدم بكل حمولتها الأيديولوجية لتبرير فعل من يفترض أنهم أدناه (غير الغربيين)، والتطبيع معه، بل إكسابه هالة بطولية ورومانسية أحياناً، كما في حالة هجوم السابع من أكتوبر عام 2023، وهذا قد يشير ربما إلى محاولة “قلب هرم السلطة”، أي تبرير جريمة من يُفترض أنه ضعيف ومضطهد، في سبيل تحطيم سلطة من يُفترض أنه القوي، ولكنه لا يشير إلى أي وعي منهجي يمكن أخذه على محمل الجد، أو الخروج من أيديولوجيا “ردة الفعل”، بمصفوفتها من المفاهيم الضعيفة، وعلى رأسها رصف الطبيعي والأخلاقي والاجتماعي بشكل ملفّق وحتمي، في محاولة لإثبات أنه لا رادّ لما حدث، وأنه كان الأمر المتوقّع الوحيد، ما يثبّت علاقات سلطة لها كثير جداً من الضحايا، مثل سلطة الميليشيات، والجماعات الإسلامية، والدول والجمهوريات الإسلامية، والقمع الذكوري (بشرط أن لا يكون “أبيض”). باختصار هؤلاء مؤيّدون يمينيون لنمط معيّن من السلطة وعلاقاتها، بما في ذلك القتل والقمع والاستغلال، فيما يساريتهم وتحرريتهم المُدّعاة، تنصبّ فقط على من يعتبرونه “العدو”، دون القدرة على تحديد الذات والعدو بشكل مقنع.

وبعيداً نسبياً عن النتائج السياسية المباشرة، ماذا يحدث لثقافة صارت تعتمد في تحليلاتها وتفسيراتها على مقولة “ردة الفعل” بشكل مركزي؟ وأي شكل من بناء الذات والأداءات الاجتماعية ستنتج؟

تفسير وتبرير

يجادل كثيرون من متبني مقولة “ردة الفعل” بأنهم لا يبررون الجرائم، وإنما يحاولون تفسيرها وفهمها بشكل محايد، ودون إطلاق أحكام قيمة، إلا أن هذا لا يبدو مقنعاً على الإطلاق، فتفسير فعل سياسي أو عسكري، ناتج بالتأكيد عن عوامل وقوى اجتماعية شديدة التعقيد، وتناقضات أو نزاعات في الجهة الفاعلة نفسها، وأيديولوجيا مركّبة ذات خطاب ونظام رمزي محدد، ووضع إقليمي ودولي متداخل، وتاريخ متراكم ومتغيّر بأشكال دراماتيكية، بمقولة بسيطة مثل ردة فعل من جهة ضعيفة ومضطهدة وضحية على طول الخط، تجاه جهة قوية وظالمة دائماً، لا يحوي أيّاً من عناصر التفسير الجدي، بل قسمة ثنائية من أبسط ما يكون، تعيق التفسير والفهم الفعلي، ولا يمكن أن تقوم فعلياً إلا على عمليات انتقاء شديدة الوضوح للوقائع، وطمس الفروقات، وتجاوز التناقضات، وتجاهل البنى أو التجهيل بها، للوصول إلى نتيجة محددة سلفاً، قبل البدء بالتحليل، وهي أنها “ردة فعل المظلوم”.

أيضاً يتجاوز هذا “التفسير” الذات الفاعلة لمن يقومون بـ”ردة الفعل”، وبدون هذا التجاوز لن يستقيم أي قول من هذا النوع، إذ لا توجد هنا قوى تدرك نفسها ومشروعها وأفكارها، وتتخذ خياراتها، بناءً على تصورها للعالم والتاريخ، وتحديدها للصراع وغاياته، وطبيعة العدو، بل مجرد كائنات، يبدو أن وعيها وقولها الذاتي غير مهم، أو لا يمكن أخذه على محمل الجد، تقوم بردود فعلها على الظلم بشكل شبه ميكانيكي، ويُفسّر فعلها بسياقات مبسّطة، فيصير السياق بديلاً عن الفاعل.

كما يقوم التفسير بـ”ردة الفعل” على الإنكار الكامل والتام لكل احتمالات الفعل الممكنة، وهذا يبدو غريباً جداً، إذ يصعب أن توجد منظومة أو بنية، مهما كانت ضيقة ومغلقة، لا تترك أكثر من احتمال للفعل ورد الفعل، وبالتالي لا تفسّر المقولة لماذا ردة الفعل هذه بالذات، دوناً عن غيرها من الاحتمالات، وكأنها تتعامل مع بنية ميكانيكية تامة، أو كأن الظلم سيؤدي إلى ردة فعل واحدة حتماً، بغض النظر عمّن يقوم بها، وهذا يعني أن الظلم الإسرائيلي مثلاً سيؤدي إلى عملية مثل السابع من أكتوبر حتماً، بغض النظر عن الجهة التي “ستردّ الفعل”؛ ومظالم نظام الأسد ستؤدي بالضرورة إلى “رد فعل” يشبه مجازر العلويين والدروز، بغض النظر عن بنية الميليشيات الإرهابية الحاكمة في سوريا؛ أما الاستعمارية الفرنسية فستدفع بدون شك إلى قتل جمهور مسرح الباتكلان الباريسي.

يؤدي هذا “الفهم” أيضاً إلى نتيجة غريبة، وهي وجود فاعل واحد في الوجود والتاريخ والمجتمع، هو الجهة الظالمة، أما المظلومون “فعلهم مخلوق”، حسب تعبير علم الكلام الإسلامي، يكتسبونه اكتساباً من الفاعل الوحيد، وهو حتى من يحدد أيديولوجياتهم الدموية، وتنظيماتهم الفاشية وشبه الفاشية، لأن كل هذا، مجدداً، وبصفته مقولة لا يوجد غيرها تقريباً في التفسير، “ردة فعل”.

كما أن هذا المبدأ قابل للتوسيع إلى ما لا نهاية، إلى درجة أنه يفقد أي معنى أو قدرة على التفسير، فإذا افترضنا أن مجازر العلويين “ردة فعل” من ضحايا الأسد، الذين يرون أن نظامه علوي، فماذا عن مجازر الدروز؟ وإذا كان التطرف الإسلامي نتيجة السياسات الاستعمارية واحتلال العراق، فماذا عن الإبادة الإيزيدية؟ ولما كل هذا الغلّ الدموي تجاه مجموعة بشرية ضعيفة وفقيرة؟ وإذا كانت الهجمات في فرنسا نتيجة الماضي الاستعماري الفرنسي فماذا عن العمليات الإرهابية في ألمانيا وبلجيكا؟ هل هذه دول احتلت المغرب الكبير أيضاً؟ بمنطق “التفسير” هذا كل شيء “ردة فعل”، فلا حاجة للتفسير أصلاً.

لا علاقة لمقولة “ردة الفعل” بالتفسير، بل هي تبرير يقوم على احتيال أيديولوجي واضح، وانحياز سياسي مضمر للجهة التي قامت بـ”ردة الفعل”، ومحاولة لإظهار فعلها بأنه الطبيعي والاجتماعي والأخلاقي، بربط ميكانيكي كامل بين تلك المستويات.

وبغض النظر عن تهافت المقولة منهجياً، فإنها تجعل الثقافة التي تنتشر فيها معطّلة بالكامل، فهي تملك جواباً واحداً لكل الأسئلة، وخياراً واحداً في كل حالة، فتلغي السياسة بحد ذاتها، التي يصعب أن تقوم إلا على تعدد الخيارات المتنازعة أو المتصارعة؛ كما تلغي معنى العمل الثقافي نفسه، إذ لا يبقى أمام منتج الثقافة إلا “شرح الجبريّة”، أي التأكيد على حتمية ما حدث، وصواب أو ضرورة الخيارات التي اتخذتها هذه الميليشيا أو تلك الدولة (لأنه لا خيار سواها) ما يورث نوعاً من البلادة الفكرية، وانعدام جدوى اللغة نفسه، فكل الألفاظ والمفاهيم والعبارات تنويعات على ثيمة واحدة، لدرجة أنها تفقد معناها؛ أما الاحتيال الأيديولوجي فيؤدي إلى تلاعب مقصود بالوقائع ومعانيها، لا يمكن وصفه إلا بالتجهيل.

ذات “ردة الفعل”

لا تقتصر النتائج السلبية لخطاب “ردة الفعل” على فقدان الثقافة العامة لفعاليتها، بل تساهم بإنتاج نمط من الذاتية يبرر نفسه دائماً أيضاً بشعور ناتج عن “ردة الفعل”، ويجعل الذات فوق المحاسبة، فما ينطبق على تنظيمات وشعوب ودول سينطبق أيضاً على الناشط الذي يبرر لتلك الكيانات.

قد يكون هذا أحد أهم أسباب غياب المراجعات النقدية بشكل كبير في الأوساط العربية المعاصرة، فعلى خلاف الأجيال الأقدم، التي اشتهرت بـ”النقد الذاتي”، سواء في تنظيماتها وأحزابها، أو لدى تنقلاتها الأيديولوجية والسياسية، أو بعد “الهزائم”، فإن الجيل الذي شارك فيما يُعرف بـ”الربيع العربي” لم ينتج أدبيات تذكر في مراجعة تجربته، ونقدها، وتحديد أخطائها، فما فعله الناشطون كان غالباً “ردة فعل” على ظلم الأنظمة الاستبدادية، يقوده شعور عميق بالألم، وأحلام لا تموت، و”تجربة ذاتية” تعتبر معياراً لكل الآراء والسلوكيات، أما الفشل فسببه “الآخر هناك” دائماً، أي الدولة، أو “الإسلاميون الذين ركبوا على الثورة”، أو الاستعمار والإمبريالية. تبرئة الذات الدائمة هذه تقود دوماً إلى مواقف غير سياسية، ترى نفسها فوق الصراعات الاجتماعية، ولا تحدد نفسها بالموقع الاجتماعي والأيديولوجيا والمنهج، فتعجز عن رؤية ارتباطاتها وموقعها الفعلي، والذي قد يكون ضمن شبكات من الولاء والتبعية والمصلحة، لا يمكن وصفها إلا بالفساد، ويقتصر القول غالباً على مجموعة من العموميات والإنشائيات التي تخفي، أو لا تدرك مؤدّاها وانحيازاتها الفعليّة. وقد يكون هذا تعريفاً مباشراً للناشطية، أي “التخصص” في “رد الفعل” الناشطي على مظالم ما؛ وعدم تعريف الذات بالموقع الاجتماعي؛ والنزعة الأخلاقية والحقوقية المفرطة على حساب التفكير السياسي والنظري؛ وادعاء تمثيل الهوية لمجرد انتماء الفرد إليها. من يمتلك هذه الذات لا يمكن أن يخطئ أصلاً لكي ينتقد نفسه، فهو يُقدّم نفسه “خارج اللعبة”، ينطق فقط بالحقوق والأخلاق، وتوجيه النقد له تَعرّض لهوية بأكملها، وكل هذا “رد فعل” على شيء ما.

ربما لم يعد هنالك جدوى كبيرة من نقد هذا النمط من “ردود الأفعال”، والأجدى التركيز على مفهوم “الفعل” نفسه، فهو ما ينقص الثقافة المعاصرة الناطقة بالعربية، فإذا نظرنا لأنفسنا بوصفنا فاعلين، وحللنا بنية الفعل، وعلاقاته وأنساقه المعقدة، فسنصل غالباً إلى توصيف آخر لعالمنا وذواتنا، يساعدنا على صياغة الفعل التالي بوعي، لا البقاء عند مستوى “ردود الأفعال”، ثم التباكي من نتائجها، وتبرير الذات في الوقت نفسه.

Tags: أزمة الدولة القوميةالإبادة الإيزيديةالإسلام السياسيالمجازر ضد العلويين




آخر المنشورات

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية