د.مسلم عبد طالاس
ملخص
يتناول هذا التحليل طبيعة النمو في الاقتصاد التركي خلال العقد الأخير، مبيناً أنه لا يقوم على توازن اقتصادي تقليدي، بل على إدارة مستمرة للاختلالات. فمنذ عام 2016، اتجهت السياسات الاقتصادية نحو تحفيز الطلب المحلي للحفاظ على النمو، ما ساهم في دعم النشاط الاقتصادي، لكنه في الوقت نفسه عمق الاعتماد على الواردات.
وقد أدى ذلك إلى اتساع العجز التجاري، الذي بلغ نحو 92 مليار دولار في عام 2025، وتم تمويله عبر الدين الخارجي وتدفقات رأس المال. وفي المقابل، استخدمت الاحتياطيات والسياسة النقدية لاحتواء الضغوط الناتجة عن هذا النموذج.
يخلص التحليل إلى أن الاقتصاد التركي يمثل حالة من النمو القابل للاستمرار في المدى القصير، لكنه يواجه حدوداً واضحة في المدى المتوسط، نتيجة استمرار العجز وارتفاع الدين. وبالتالي، فإن التحدي لا يكمن في تحقيق النمو، بل في إعادة هيكلته نحو نموذج أكثر استدامة.
مقدمة
في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات الناشئة نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً وتشدد السياسات النقدية وتصاعد التقلبات الجيوسياسية تجد هذه الاقتصادات نفسها أمام تحديات متزايدة في الحفاظ على استقرار النمو (IMF, 2023). غير أن الحالة التركية تبرز بوصفها حالة مختلفة ليس لأنها الوحيدة التي تحقق نمواً بل لأن هذا النمو يتحقق ضمن سياق من الاختلالات البنيوية الواضحة. فهي لا تنتمي بوضوح إلى الاقتصادات التي تعاني من أزمات حادة لكنها في الوقت نفسه لا تقدم نموذجاً للاستقرار الاقتصادي التقليدي بل تعكس نمطاً خاصاً من النمو يقوم على التعايش بين التوسع الاقتصادي والضغوط الكلية (Rodrik, 2008).
فمن ناحية يواصل الاقتصاد التركي تحقيق نمو مستمر ونشاط اقتصادي ملحوظ مع قدرة نسبية على امتصاص الصدمات خاصة عبر التوسع في الطلب المحلي والتدخلات النقدية (TurkStat, 2026). ومن ناحية أخرى تتراكم فيه اختلالات بنيوية واضحة تشمل التضخم المرتفع والعجز التجاري المستمر والاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي (Trading Economics, 2026; CEIC Data, 2025). وهذا التعايش بين النمو والاختلال ليس مجرد مفارقة رقمية بل يعكس نمطاً اقتصادياً محدداً.
تشير البيانات إلى أن الاقتصاد التركي سجل نمواً بنحو 3.6% في عام 2025 مع أكثر من عشرين ربعاً متتالياً من التوسع الاقتصادي وهو ما يعكس استمرار النشاط الاقتصادي رغم الضغوط الكلية (TurkStat, 2026). لكن هذا الأداء يترافق في الوقت نفسه مع عجز تجاري بلغ نحو 92 مليار دولار وارتفاع الدين الخارجي إلى أكثر من 527 مليار دولار إضافة إلى استمرار الضغوط التضخمية وتقلبات سعر الصرف (Trading Economics, 2026; CEIC Data, 2025; IMF, 2024). وهذه ليست مجرد مفارقة رقمية بل تعبير عن نموذج اقتصادي قائم بذاته.
هنا تبرز الإشكالية الأساسية: كيف يمكن لاقتصاد أن ينمو بهذه الوتيرة بينما تتزايد مصادر الهشاشة فيه؟
تنطلق هذه المقالة من فكرة أساسية مفادها أن هذا التناقض ليس عرضياً بل يعكس نموذجاً اقتصادياً قائماً بذاته يمكن وصفه بأنه نمو مدفوع بالطلب ضمن هشاشة مدارة (Thirlwall, 1979). وبناء على ذلك لا تكتفي هذه المقالة بوصف المؤشرات الاقتصادية بل تسعى إلى تفسير كيفية عمل هذا النموذج من خلال تتبع العلاقة بين الطلب المحلي والعجز الخارجي والتمويل والسياسة النقدية بوصفها حلقات مترابطة في منظومة واحدة (Hall, 1993; Khan, 2010).
كيف نفهم الحالة التركية؟
المشكلة في قراءة الاقتصاد التركي لا تكمن في نقص البيانات أو غياب المؤشرات، بل في الإطار الذي نستخدمه لفهم هذه البيانات. فالمقاربات التقليدية في الاقتصاد الكلي تفترض وجود علاقة مستقرة نسبياً بين أدوات السياسة الاقتصادية ونتائجها؛ أي أن رفع أسعار الفائدة يفترض أن يحد من التضخم، وأن استقرار العملة يعزز التوازن الخارجي، وأن الانضباط النقدي يقود في النهاية إلى استقرار اقتصادي.
غير أن التجربة التركية خلال السنوات الأخيرة تظهر أن هذه العلاقات لا تعمل دائماً بهذه البساطة. فالنمو استمر رغم سياسات نقدية غير تقليدية في بعض المراحل، والتضخم ارتفع رغم محاولات احتوائه، وسعر الصرف ظل عرضة للتقلب رغم التدخلات. وهذا لا يعني أن القواعد الاقتصادية لم تعد صالحة، بل يعني أن تفسيرها يتطلب النظر إلى السياق الأوسع الذي تعمل ضمنه (Hall, 1993; Rodrik, 2008).
من هنا، يصبح من الضروري الانتقال من تحليل السياسات المنفردة إلى فهم “نظام النمو” ككل. أي أن نسأل: كيف تتكامل السياسة النقدية، والطلب المحلي، والتمويل الخارجي، ضمن نموذج واحد؟ وكيف يتم الحفاظ على هذا النمو رغم الاختلالات؟
تقدم أدبيات “نظام النمو السياسي” إطاراً مناسباً لهذا النوع من التحليل، إذ تنظر إلى الاقتصاد بوصفه نتيجة لتسوية سياسية ومؤسسية تحدد كيفية توزيع الموارد، ومن يستفيد من النمو، وكيف يتم التعامل مع الأزمات (Khan, 2010). وضمن هذا المنظور، لا تفهم السياسات الاقتصادية كقرارات تقنية فقط، بل كأدوات لإدارة توازنات أوسع.
في الحالة التركية، يساعد هذا الإطار على تفسير ما يبدو ظاهرياً كتناقض. فالنمو لا يتحقق رغم الاختلالات، بل يتم الحفاظ عليه من خلال آليات تسمح بإدارتها. وهذا ما يفسر كيف يمكن لاقتصاد أن يجمع بين توسع اقتصادي مستمر، وضغوط تضخمية، واعتماد متزايد على التمويل الخارجي.
وبناء على ذلك، فإن السؤال الصحيح لا يكون: هل السياسات الاقتصادية في تركيا ناجحة أم فاشلة؟ بل: كيف يعمل هذا النموذج؟ وما هي الآليات التي تسمح له بالاستمرار رغم التوترات التي يحملها في داخله؟
الطلب كقوة دافعة ومصدر للاختلال
لم يكن الاعتماد على الطلب المحلي ظاهرة جديدة في الاقتصاد التركي، إذ شكل هذا الطلب أحد مكونات النمو خلال فترات سابقة، خاصة في ظل وفرة تدفقات رأس المال الخارجية وتوسع الائتمان خلال العقد الأول من الألفية. ففي تلك المرحلة، كان النمو مدعوماً بمزيج من العوامل، شمل التمويل الخارجي والاستثمار والتوسع في الاستهلاك، ضمن بيئة دولية اتسمت بانخفاض تكاليف الاقتراض وارتفاع السيولة (IMF, 2018).
غير أن هذا النمط بدأ يتغير تدريجياً مع تراجع هذه الظروف. فمنذ منتصف العقد الماضي، ومع تشديد الأوضاع المالية العالمية وارتفاع مستويات عدم اليقين، بدأت مصادر النمو التقليدية تفقد زخمها. وفي هذا السياق، برز الطلب المحلي بوصفه أداة أكثر أهمية في دعم النشاط الاقتصادي.
أما التحول الأكثر وضوحاً فقد جاء بعد عام 2016، حيث اتجهت السياسات الاقتصادية بشكل متزايد نحو تحفيز الطلب الداخلي باعتباره الوسيلة الأساسية للحفاظ على النمو. ولم يكن هذا التحول خياراً نظرياً بقدر ما كان استجابة مباشرة لتغير البيئة الاقتصادية، حيث تراجعت تدفقات رأس المال منخفضة الكلفة، وازدادت الضغوط على سعر الصرف، وارتفعت مستويات المخاطر الاقتصادية والسياسية (Rodrik, 2008).
في هذا السياق، أصبح تحفيز الطلب يعتمد على أدوات محددة، في مقدمتها التوسع في الائتمان وزيادة الإنفاق العام ودعم قطاعات كثيفة النشاط مثل الإنشاءات والبنية التحتية. ويتقاطع هذا مع ما تشير إليه أدبيات الاقتصاد السياسي التركي حول تحول تدريجي في هيكل الاقتصاد لصالح قطاعات الإنشاءات على حساب التصنيع، وهو ما يعزز النمو في المدى القصير دون أن يطور القاعدة الإنتاجية بالقدر الكافي (Parlar Dal, 2020).
لكن هذه القوة الظاهرة تخفي داخلها مصدر اختلال بنيوي. فالنمو المدفوع بالطلب يفترض ضمنياً أن الاقتصاد قادر على تلبية هذا الطلب من خلال إنتاج محلي متوسع. غير أن هذه الفرضية لا تتحقق بالكامل في الحالة التركية، نظراً لاعتماد الاقتصاد الكبير على استيراد الطاقة والمواد الخام والسلع الوسيطة.
وهنا تظهر العلاقة الحاسمة التي تفسر جزءاً كبيراً من ديناميكيات الاقتصاد التركي: كلما ارتفع الطلب المحلي، ارتفعت الحاجة إلى الواردات. بعبارة أخرى، لا يتحول الطلب المرتفع بالكامل إلى توسع في الإنتاج المحلي، بل يتسرب جزء كبير منه إلى الخارج في شكل واردات. وهذا ما يجعل النمو نفسه مرتبطاً بشكل مباشر باتساع العجز التجاري، وهو ما يتسق مع ما تشير إليه الأدبيات الاقتصادية بقيد ميزان المدفوعات (Thirlwall, 1979).
وبالتالي، يصبح الطلب في الحالة التركية سيفاً ذا حدّين، فهو يحافظ على النمو من جهة، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج الاختلالات التي تحدّ من استدامته.
العجز التجاري كنتيجة بنيوية للنمو
في ضوء الدور المتزايد للطلب المحلي في دفع النمو، يصبح العجز التجاري في الاقتصاد التركي نتيجة متوقعة وليس انحرافاً عن المسار. فالعلاقة بين الاثنين ليست عرضية، بل تعكس اختلالاً بنيوياً بين توسع الطلب وقدرة الاقتصاد على تلبية هذا الطلب من خلال الإنتاج المحلي (Thirlwall, 1979).
من الناحية الزمنية، لم يكن العجز التجاري في تركيا ظاهرة جديدة، إذ رافق فترات النمو السابقة، خاصة خلال العقد الأول من الألفية، حيث بقي ضمن مستويات يمكن احتواؤها نسبياً في ظل تدفقات رأس المال القوية (IMF, 2018). غير أن هذا العجز اتخذ طابعاً أكثر عمقاً خلال العقد الأخير، مع تغير بنية النمو.
تشير البيانات إلى أن العجز التجاري بلغ نحو 92 مليار دولار في عام 2025، مع استمرار الضغوط خلال عام 2026 (Trading Economics, 2026). غير أن دلالة هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في ما تعكسه من طبيعة النمو نفسه.
فالطلب المرتفع في الاقتصاد التركي لا يقتصر على الاستهلاك، بل يشمل أيضاً الاستثمار، خاصة في قطاعات مثل الإنشاءات والبنية التحتية، والتي تعتمد بشكل كبير على مدخلات مستوردة. وهو ما يتقاطع مع ما تشير إليه الدراسات الحديثة حول الاقتصاد التركي من استمرار الاعتماد على الواردات الوسيطة وضعف التحول الصناعي، رغم معدلات النمو المرتفعة (Parlar Dal, 2020).
وهنا تتشكل العلاقة بشكل واضح: النمو يولد طلباً والطلب يزيد الواردات والواردات توسع العجز.
ولا يقتصر الأمر على حجم الواردات، بل يمتد إلى بنيتها. فجزء كبير منها يتمثل في سلع وسيطة ورأسمالية ضرورية للإنتاج، وهو ما يجعل تقليصها دون التأثير على النمو أمراً بالغ الصعوبة.
كما أن العوامل الخارجية تزيد من تعقيد هذا الوضع. فاعتماد تركيا الكبير على استيراد الطاقة يجعل ميزانها التجاري حساساً لتقلبات الأسعار العالمية (World Bank, 2025). وفي الوقت نفسه، يضيف استيراد الذهب بعداً مختلفاً لهذا العجز، إذ يعكس سلوكاً اقتصادياً مرتبطاً بالتحوط من التضخم وتقلب العملة (IMF, 2024).
في هذا السياق، يصبح العجز التجاري تعبيراً مباشراً عن نمط النمو القائم، وليس مجرد خلل يمكن معالجته بسياسات قصيرة الأجل فهو نتيجة بنيوية لمسار اقتصادي يعتمد على الطلب في ظل قاعدة إنتاجية غير مكتملة.
الدين الخارجي كآلية تمويل واستمرار للنمو
إذا كان العجز التجاري نتيجة مباشرة للنمو المدفوع بالطلب، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يتم تمويل هذا العجز. وهنا يظهر الدين الخارجي ليس كعامل ثانوي، بل كعنصر أساسي في استمرار هذا النمو.
في الحالة التركية، لا يمثل الدين الخارجي مجرد نتيجة لتراكم الاختلالات، بل يشكل في جانب كبير منه شرطاً عملياً لاستمرار النشاط الاقتصادي. فحين يستورد الاقتصاد أكثر مما يصدِّر، لا بدّ من تمويل هذا الفرق، ويأتي هذا التمويل بشكل رئيسي من الخارج، سواء عبر القروض أو تدفقات رأس المال (IMF, 2023).
تشير البيانات إلى أن الدين الخارجي التركي تجاوز 527 مليار دولار في عام 2025، وهو مستوى يعكس حجم الاعتماد على التمويل الخارجي (CEIC Data, 2025). غير أن أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجمه فقط، بل في بنيته. فالجزء الأكبر من هذا الدين يقع على عاتق القطاع الخاص، بما في ذلك البنوك والشركات، وهو ما يجعل المخاطر موزعة عبر الاقتصاد وليس محصورة في المالية العامة.
كما يتميز جزء مهم من هذا الدين بكونه قصير الأجل، حيث تشير التقديرات إلى أن الالتزامات المستحقة خلال عام واحد تتجاوز 200 مليار دولار، وهو ما يعني أن الاقتصاد يعتمد بشكل مستمر على إعادة التمويل وليس فقط على الاقتراض الأولي. وهذا يضعه في حالة ارتباط دائم بحركة الأسواق المالية الدولية (World Bank, 2025).
وهنا تتكامل الحلقة التي بدأنا بتتبعها: النمو يولد طلباً والطلب يوسع العجز والعجز يحتاج إلى تمويل والتمويل يتم عبر الدين.
وبذلك، لا يصبح الدين نتيجة لاحقة للنمو، بل جزءاً من بنيته. أي أن الاقتصاد لا ينمو رغم الدين، بل من خلاله، أو على الأقل بدعمه المستمر. لكن هذا النمط يحمل في داخله درجة عالية من الهشاشة. فاعتماد الاقتصاد على إعادة التمويل يعني أن استقراره لم يعد يعتمد فقط على أدائه الداخلي، بل على عوامل خارجية، مثل مستوى السيولة العالمية وأسعار الفائدة الدولية وثقة المستثمرين (Rodrik, 2008).
وفي حال تشديد الأوضاع المالية العالمية أو تراجع شهية المستثمرين للمخاطر، قد يصبح تمويل هذا الدين أكثر كلفة أو أكثر صعوبة. وعندها، يتحول الدين من أداة لدعم النمو إلى مصدر ضغط على الاقتصاد.
كما أن كون جزء كبير من الدين مقوماً بالعملات الأجنبية يزيد من حساسية الاقتصاد لتقلبات سعر الصرف. فمع انخفاض قيمة الليرة، ترتفع كلفة خدمة الدين، ما يضع ضغوطاً إضافية على الشركات والبنوك، وقد ينعكس هذا على النشاط الاقتصادي ككل (IMF, 2024).
في هذا السياق، يصبح الاقتصاد التركي قائماً على توازن دقيق: طالما استمرت القدرة على إعادة التمويل يمكن للنمو أن يستمر، لكن أي خلل في هذه القدرة قد يكشف الهشاشة الكامنة في هذا النموذج.
وهذا ما يعزز الفكرة التي يتتبعها المقال: الدين الخارجي ليس مجرد نتيجة للعجز، بل الآلية التي تسمح لهذا النمط من النمو بالاستمرار.
الاحتياطيات والاستقرار المدعوم
في ظل اتساع العجز التجاري وارتفاع الاعتماد على التمويل الخارجي، قد يبدو من المتوقع أن يواجه الاقتصاد التركي ضغوطاً حادة على استقراره النقدي. غير أن ما يلفت الانتباه هو أن هذه الضغوط لا تتحول دائماً إلى أزمات مفتوحة، وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً حول الآلية التي يتم من خلالها الحفاظ على هذا التوازن.
هنا يبرز دور الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي كعنصر محوري في إدارة الاستقرار. فقد شهدت هذه الاحتياطيات ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث اقتربت من مستويات تتراوح بين 170 و200 مليار دولار في بعض الفترات (CBRT, 2025). وتمنح هذه الأرقام انطباعاً بوجود هامش أمان مريح وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
غير أن هذا الانطباع يحتاج إلى قدر من الحذر في تفسيره. فالاحتياطيات في الحالة التركية لا تمثل فقط أصولاً صافية يمكن استخدامها بحرية، بل يتكون جزء منها من التزامات قصيرة الأجل، بما في ذلك اتفاقيات المقايضة مع بنوك مركزية أخرى، وهو ما يعني أن جزءاً من هذه الاحتياطيات مرتبط بالتزامات مقابلة (IMF, 2024).
كما أن هذه الاحتياطيات لا تستخدم فقط كوسادة أمان، بل يتم توظيفها بشكل نشط في إدارة سوق الصرف. فالبنك المركزي يتدخل بشكل متكرر للحدّ من تقلبات الليرة، بهدف الحفاظ على مستوى من الاستقرار النقدي ومنع تحركات حادة قد تؤثر على الثقة في الاقتصاد (CBRT, 2025).
وهذا يقود إلى فهم مختلف لطبيعة الاستقرار في الاقتصاد التركي: فهو ليس استقراراً ناتجاً عن توازن طبيعي بين العرض والطلب، بل استقرار مدعوم يعتمد على تدخل مستمر وإدارة نشطة للضغوط. بعبارة أخرى، لا يعكس استقرار سعر الصرف أو هدوء الأسواق قوة بنيوية كاملة، بل يعكس قدرة الدولة على احتواء الاختلالات وتأجيل آثارها. وهذا ما يفسر كيف يمكن للاقتصاد أن يستمر في النمو رغم وجود ضغوط واضحة في العجز والدين.
لكن هذا النمط من الاستقرار يحمل في داخله حدوداً واضحة. فاستمرار التدخل يتطلب موارد، ويعتمد على بقاء الثقة في قدرة البنك المركزي على الحفاظ على هذا التوازن. وفي حال تزايدت الضغوط الخارجية أو تراجعت التدفقات المالية، قد يصبح الحفاظ على هذا الاستقرار أكثر كلفة أو أقل فعالية (World Bank, 2025).
كما أن الاعتماد المستمر على استخدام الاحتياطيات قد يؤدي إلى استنزافها تدريجياً، أو إلى زيادة الاعتماد على أدوات قصيرة الأجل لتعويض النقص، وهو ما يعمق طبيعة الهشاشة بدل أن يقللها.
في هذا السياق، تتكامل الصورة التي بدأنا ببنائها: النمو يولد عجزاً والعجز يحتاج إلى تمويل والتمويل يخلق ضغوطاً وهذه الضغوط يتم احتواؤها عبر الاحتياطيات.
وبالتالي، فإن الاحتياطيات لا تلغي الاختلالات، بل تساهم في إدارتها واحتواء آثارها، وهذا ما يجعل الاستقرار في الحالة التركية ليس نتيجة لحل المشكلات، بل نتيجة لإدارتها بشكل مستمر.
السياسة النقدية والدورات السياسية
بعد تتبع العلاقة بين الطلب والعجز والدين والاحتياطيات، يصبح من الصعب فهم سلوك السياسة النقدية في تركيا بوصفه مجرد استجابة تقنية لمؤشرات اقتصادية تقليدية. فالتغيرات في أسعار الفائدة، والانتقال بين التيسير والتشدد، لا يمكن تفسيرها بالكامل ضمن منطق اقتصادي بحت، بل تتطلب النظر إلى السياق السياسي الذي تعمل ضمنه هذه السياسات.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت السياسة النقدية في تركيا تحولات واضحة. ففي الفترة التي سبقت انتخابات عام 2023، تم تبني سياسة نقدية توسعية تمثلت في خفض أسعار الفائدة رغم ارتفاع معدلات التضخم. ومن منظور اقتصادي تقليدي، بدا هذا التوجه متعارضاً مع القواعد التي تربط بين ارتفاع التضخم والحاجة إلى رفع الفائدة.
لكن وضع هذه السياسات في سياقها الأوسع يغير من تفسيرها. فقد ساهم خفض الفائدة في تحفيز الطلب المحلي ودعم النشاط الاقتصادي، وهو ما انعكس في استمرار النمو. أي أن السياسة النقدية لم تستخدم فقط كأداة للسيطرة على التضخم، بل كوسيلة للحفاظ على النمو في لحظة حساسة اقتصادياً وسياسياً (IMF, 2024).
غير أن هذا التوجه لم يكن بلا تكلفة. فقد ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات مرتفعة، حيث تجاوزت نحو 75 في المئة في عام 2024، بعد أن كانت فوق 60 في المئة في عام 2023، وهو ما يعكس حجم الضغوط الناتجة عن هذا النمط من السياسات (IMF, 2024). كما ازدادت الضغوط على سعر الصرف، ما أدى إلى تراجع قيمة الليرة في فترات متعددة.
بعد الانتخابات، شهدت السياسة النقدية تحولاً واضحاً نحو التشدد، حيث تم رفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة تجاوزت 40 في المئة، في محاولة لاحتواء التضخم واستعادة قدر من الاستقرار النقدي.
هذا الانتقال من التيسير إلى التشدد لا يعكس مجرد تصحيح اقتصادي، بل يعكس نمطاً أوسع في إدارة الاقتصاد، حيث يتم تحفيز الطلب في فترات معينة، ثم تقييده لاحقاً لمعالجة الآثار الناتجة عنه. وهو ما يتقاطع مع ما تشير إليه الأدبيات بمفهوم الدورات الاقتصادية السياسية، حيث تتأثر السياسات الاقتصادية بالتوقيت السياسي، خاصة في فترات الانتخابات (Nordhaus, 1975; Alesina et al., 1997).
في الحالة التركية، يظهر هذا التداخل بوضوح. فالحفاظ على النمو قبل الانتخابات يكتسب أهمية خاصة، نظراً لدوره في دعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. أما بعد الانتخابات، فتبرز الحاجة إلى معالجة الاختلالات التي تراكمت خلال فترة التوسع، خاصة في التضخم وسعر الصرف.
وبذلك، لا تعمل السياسة النقدية في فراغ، بل ضمن توازن دقيق بين أهداف اقتصادية مثل استقرار الأسعار، وأهداف سياسية مثل الحفاظ على النمو والاستقرار الاجتماعي. وفي هذا السياق، يصبح التذبذب في السياسة النقدية جزءاً من آلية إدارة هذا التوازن، وليس بالضرورة دليلاً على غياب الانضباط.
لكن هذا النمط يحمل في داخله مفارقة واضحة. فبينما يساعد التوسع النقدي على دعم النمو في المدى القصير، فإنه يساهم في خلق ضغوط تضخمية واختلالات تحتاج لاحقاً إلى سياسات أكثر تشدداً. أي أن السياسة النقدية تصبح جزءاً من دورة مستمرة من التحفيز ثم التصحيح.
وهنا تتكامل الصورة التي بنيت عبر المقال: النمو يتم تحفيزه عبر الطلب والطلب يولد اختلالات
والاختلالات يتم احتواؤها عبر السياسة النقدية ثم يعاد تحفيز النمو من جديد. وبالتالي، فإن السياسة النقدية في الحالة التركية لا يمكن فهمها فقط من خلال أهدافها المعلنة، بل من خلال دورها في إدارة هذه الدورة. فهي ليست مجرد أداة لضبط الاقتصاد، بل أداة للحفاظ على استمرارية نموذج النمو نفسه.
من يستفيد من هذا النمو
حتى هذه المرحلة، ركز التحليل على كيفية عمل النمو في الاقتصاد التركي من حيث علاقته بالطلب والعجز والدين والاحتياطيات. غير أن هذه الصورة تبقى غير مكتملة ما لم يتم طرح سؤال أساسي يتعلق بتوزيع هذا النمو، من يستفيد منه ومن يتحمل كلفته؟
فالنمو الاقتصادي لا يتوزع بشكل متساوٍ، بل يعكس نمطاً معيناً من توزيع الموارد والفرص بين القطاعات والفئات الاجتماعية. وفي الحالة التركية، يظهر بوضوح أن النمو المدفوع بالطلب يخلق توزيعاً غير متكافئ للمكاسب.
تستفيد أولاً القطاعات المرتبطة مباشرة بتحفيز الطلب، وفي مقدمتها قطاع الإنشاءات. فهذا القطاع يمثل أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، ويستفيد من التوسع في الائتمان والإنفاق العام والمشاريع الكبرى. كما تستفيد البنوك من هذا النمط من النمو، حيث يؤدي التوسع الائتماني إلى زيادة دورها وأرباحها في الاقتصاد.
كما تظهر استفادة واضحة للشركات المرتبطة بالمشاريع الحكومية والعقود الكبرى، والتي تتمتع بقدرة أعلى على الوصول إلى التمويل والفرص الاقتصادية، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في هذا النموذج (Bugra and Savaskan, 2014).
إلى جانب ذلك، تستفيد شرائح من الطبقة الوسطى من التوسع في الائتمان، خاصة في مجالات الاستهلاك والعقار، وهو ما يساهم في خلق شعور باستمرار النشاط الاقتصادي حتى في ظل وجود اختلالات كلية.
لكن في المقابل، لا يتوزع هذا النمو دون كلفة. فالتضخم المرتفع، الذي تجاوز 75 في المئة في عام 2024، يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، خاصة لدى الفئات ذات الدخل الثابت أو المحدود، ما يجعل جزءاً كبيراً من المجتمع يتحمل كلفة هذا النمو بشكل غير مباشر (IMF, 2024).
كما تظهر اختلالات على المستوى الجغرافي. فالنشاط الاقتصادي يتركز بشكل كبير في المدن الكبرى والمناطق الأكثر اندماجاً في الاقتصاد، بينما تبقى مناطق أخرى أقل استفادة من هذا النمو، بما في ذلك مناطق ذات أغلبية كردية، حيث تتسم الاستثمارات والبنية التحتية بمستويات أضعف نسبياً (World Bank, 2019).
وهذا التفاوت لا يعكس فقط فروقات اقتصادية، بل يعكس طبيعة النموذج نفسه، الذي يميل إلى توجيه الموارد نحو قطاعات ومناطق تحقق عوائد سريعة، بدلاً من الاستثمار طويل الأجل في تنمية متوازنة.
في هذا السياق، يصبح النمو جزءاً من توازن سياسي واجتماعي. فهو لا يهدف فقط إلى زيادة الناتج، بل إلى الحفاظ على نمط معين من توزيع المكاسب، يضمن استمرارية النمو ويحدّ من الاضطرابات.
وهنا تظهر مفارقة إضافية: النمو لا يعكس فقط قوة الاقتصاد، بل يعكس أيضا كيفية توزيع مكاسبه وخسائره. بالتالي، لا يمكن فهم النمو في تركيا بمعزل عن هذا البعد التوزيعي، حيث يتداخل الاقتصادي مع الاجتماعي والسياسي في تشكيل هذا النموذج.
مفارقة الأداء وحدود الاستمرار
في ضوء ما سبق، لا يمكن فهم الاقتصاد التركي من خلال مؤشرات النمو وحدها، كما لا يمكن الحكم عليه فقط من خلال حجم الاختلالات. فالحالة التركية تكشف عن نموذج أكثر تعقيداً، يقوم على التعايش بين النمو والهشاشة.
لقد أظهر التحليل أن النمو في تركيا لا يتحقق رغم الاختلالات، بل من خلال إدارتها. فالطلب المحلي يستخدم لدفع النشاط الاقتصادي، والعجز التجاري يتم تمويله عبر تدفقات خارجية، والدين يعاد تدويره بشكل مستمر، في حين تستخدم الاحتياطيات والسياسة النقدية لاحتواء الضغوط الناتجة عن هذه العملية.
وهذا ما يمكن وصفه بمفارقة الأداء: اقتصاد يحقق نمواً مستمراً، لكنه يفعل ذلك عبر آليات تزيد من هشاشته على المدى المتوسط.
فكل عنصر يدعم النمو يحمل في داخله ضغوطاً تظهر لاحقاً في شكل تضخم أو عجز أو تراجع في قيمة العملة. ومع ذلك، يتم احتواء هذه الضغوط عبر أدوات أخرى، ما يسمح للنمو بالاستمرار دون معالجة جذوره.
ويتقاطع هذا مع نقاشات أوسع في أدبيات الاقتصاد السياسي التركي، التي تشير إلى أن استمرار النمو تزامن مع بقاء اختلالات بنيوية في الميزان الخارجي وهيكل الإنتاج، ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذا النموذج (Parlar Dal, 2020).
في المدى القصير، يبدو هذا النموذج قادراً على الاستمرار، خاصة في ظل استمرار تدفقات رأس المال وقدرة الدولة على إدارة الاستقرار. لكن في المدى المتوسط، تظهر حدوده بشكل أوضح، مع ارتفاع الدين واستمرار العجز وتزايد الاعتماد على التمويل الخارجي (IMF, 2023; World Bank, 2025).
وفي هذا السياق، لا يكون التحدي الحقيقي هو تحقيق النمو، بل إعادة تعريفه. أي الانتقال من نموذج يعتمد على تحفيز الطلب وإدارة الاختلالات، إلى نموذج يعزز القدرة الإنتاجية ويقلل الاعتماد على الخارج.
وفي النهاية، لا يكمن السؤال في ما إذا كان الاقتصاد التركي ينمو، بل في طبيعة هذا النمو وحدوده. فالنمو ممكن، وقد يستمر، لكنه ليس بالضرورة مستداماً.
قائمة المراجع
Alesina, A., Roubini, N., & Cohen, G. D. (1997). Political cycles and the macroeconomy. Cambridge, MA: MIT Press.
Bugra, A., & Savaskan, O. (2014). New capitalism in Turkey: The relationship between politics, religion and business. Cheltenham: Edward Elgar.
Central Bank of the Republic of Turkey (CBRT). (2025). Statistical data and reports. Ankara.
CEIC Data. (2025). Turkey external debt statistics.
Hall, P. A. (1993). Policy paradigms, social learning, and the state. Comparative Politics, 25(3), 275–296.
International Monetary Fund (IMF). (2023). World economic outlook. Washington, DC.
International Monetary Fund (IMF). (2024). Turkey: Article IV consultation report. Washington, DC.
Khan, M. H. (2010). Political settlements and the governance of growth-enhancing institutions. SOAS Working Paper.
Nordhaus, W. D. (1975). The political business cycle. Review of Economic Studies, 42(2), 169–190.
Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). (2022). OECD economic surveys: Turkey. Paris.
Parlar Dal, E. (Ed.). (2020). Turkey’s political economy in the 21st century. Palgrave Macmillan.
Rodrik, D. (2008). The real exchange rate and economic growth. Brookings Papers on Economic Activity, 2008(2), 365–412.
Thirlwall, A. P. (1979). The balance of payments constraint as an explanation of international growth rate differences. Banca Nazionale del Lavoro Quarterly Review, 32(128), 45–53.
Trading Economics. (2026). Turkey trade balance and macroeconomic indicators.
Turkish Statistical Institute (TurkStat). (2026). National accounts and trade data. Ankara.
World Bank. (2019). Turkey country economic memorandum. Washington, DC.
World Bank. (2025). Global economic prospects. Washington, DC.





