المركز الكردي للدراسات
أصبح المبعوث الأميركي في سوريا ولبنان والعراق، والسفير لدى تركيا، توم باراك، ظاهرة لافتة في السياسة الأميركية. فالرجل الذي كان يدير شركة إنتاج في هوليوود قبل سنوات قليلة، بات لديه الآن منبر واسع للحديث في كبرى المنتديات السياسية واللقاءات الإعلامية، مقدّماً نفسه بوصفه صاحب رؤية للشرق الأوسط وربما يقارن نفسه بالسياسي البريطاني مارك سايكس الذي أدار السياسة البريطانية في الشرق الأوسط بأسلوب شخصي إلى حد كبير ونجح في تحويل انطباعاته الشخصية إلى برنامج سياسي لدى الخارجية البريطانية.
توم باراك، بثقافته السياسية ومعرفته التاريخية المحدودة، على عكس مارك سايكس، يتحول بين حين وآخر إلى «تريند» إعلامي بسبب آراء تبدو شاذة عن أعراف السياسة الأميركية ومحدداتها التقليدية. فهو يتحدث عن الشعوب والدول والأحزاب والأنظمة السياسية كما لو أنه يملك تفويضاً شخصياً لإعادة تعريف المنطقة. وهناك قراءة سابقة في المركز الكردي للدراسات عن ترجيح أن مجمل ما يقوله عن الشرق الأوسط مصدره وجذره هو كراهيته للشرق الأوسط كتاريخ ومجتمعات، وبالتالي لا يبقى سوى تحويله إلى سوق.
المفارقة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منحه هذه المنصة. وبسبب هذه الصلة المباشرة، تبدو حدود باراك المعرفية الضيقة، أحياناً، كما لو أنها أداة تنفيذية للمؤسسة السياسية الأميركية. لكن الانتقادات التي وُجِّهت إليه في الأيام الماضية، خصوصاً في صحف أميركية عريقة، تكشف العكس: باراك يظهر، في نظر منتقديه، بوصفه «شخصاً» وليس ممثلاً لمؤسسة أميركية ملتزمة بتقاليد الدبلوماسية في الدولة العظمى في العالم.
من يحمي توم باراك؟ هل تحميه المؤسسة الأميركية لأنه يعبّر عن تحول حقيقي في سياسة واشنطن؟ أم يحميه قربه من ترامب، لأن إدارة ترامب نفسها صارت تميل إلى إدارة الشرق الأوسط بمنطق الصفقات؟
تكشف ثلاث مواد صحفية أميركية حديثة هذا التحول بوضوح: افتتاحية وول ستريت جورنال عن توم باراك، وتقرير فوكس نيوز الذي منحه مساحة للدفاع عن نفسه، وتحقيق نيويورك تايمز عن عائلة الخيّاط واسم ترامب في سوريا. وعلى الرغم من اختلاف موضوع كل مادة، فإنها تلتقي عند خيط واحد: سوريا، في عين إدارة ترامب، لم تعد قضية سياسية؛ أي قضية انتقال حكم، وعدالة، ومحاسبة، ودستور، ومؤسسات، وضمانات للمشاركة السياسية لكافة القوميات والطوائف في الحكم. صارت سوريا أقرب إلى سوق مفتوحة: سوق للعقود، والنفوذ، وإعادة الإعمار، والاستثمارات العقارية، وترتيبات الطاقة، وصفقات المطارات، وممرات رجال الأعمال. والمفارقة أن أياً من هذه الصفقات لم تنعكس على السوريين إيجاباً، لأنها صفقات تدور في عالم لا اعتبار فيه لأي شعوب ومجتمعات.
وول ستريت جورنال لتوم باراك: من أنت؟
جاءت افتتاحية وول ستريت جورنال بعنوان: «توم باراك لديه سياسته الخاصة في الشرق الأوسط». تعاملت الصحيفة مع باراك بوصفه مبعوثاً يتحدث وكأن لديه خطاً سياسياً خاصاً، منفصلاً عن التقاليد الأميركية الراسخة في المنطقة. الافتتاحية اتهمت باراك، خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، بأنه قدّم مواقف تقوّض السياسة الأميركية: حاجج بأن الديمقراطية لا تناسب الشرق الأوسط، ودفع باتجاه مسار مع حزب الله، وقلّل من شأن وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، ودعا إلى إشراك إيران في محادثات لبنان، وبرر شراء تركيا منظومة إس-400 الروسية، ووجّه تحذيراً لإسرائيل نيابة عن تركيا.
هذا الهجوم من وول ستريت جورنال يكشف انزعاجاً داخل جزء من المؤسسة الأميركية المؤيدة لإسرائيل من باراك. فالرجل، في نظر الصحيفة، لم يعد يتحدث بلغة الحليف الإسرائيلي أولاً، ولا بلغة عزل إيران وحزب الله مطلقاً، ولا بلغة الديمقراطية بوصفها قيمة أميركية معلنة.
أبرز انتقاد في افتتاحية وول ستريت جورنال أنها وضعت باراك في خانة من يتجاوز السياسة الأميركية. فالدبلوماسي الأميركي، وفق منطق الصحيفة، يجب أن يدافع عن سياسة واشنطن لدى الدولة المضيفة، لا أن يدافع عن الدولة المضيفة ضد سياسة واشنطن. وهذه العبارة تختصر جوهر الاعتراض عليه حيث باراك يبدو وكأنه ناطق باسم رؤية إقليمية، تجمع بين مصالح تركيا، وواقعية ترامب، وطموحات رجال الأعمال. في المحصلة تكشف الافتتاحية أن جزءاً من النخبة الأميركية يرى في باراك مشكلة سياسية بحد ذاتها. ولو أنه اقتصر على دعم أحمد الشرع في سوريا ووصفه بالقائد العظيم كان من المؤكد أنه سيتم تمرير الأمر بلا ضجة، بل ربما باحتفاء. لكنه تجرأ على ثوابت إسرائيل بشكل أكبر من السابق، وهذا يكشف الجانب الأكثر محدودية في معرفته السياسية باعتبار أن الرجل لا يتبنى مبادئ مثالية للدفاع عنها، وبالتالي من المفترض أن لا مشكلة أخلاقية لديه مع إسرائيل وكل ما تفعله، لكن هذا لا يجيب على سؤال لماذا هاجم إسرائيل؟ هل قامت إسرائيل في النتيجة بتخريب صفقة ما كان هو طرفاً فيها؟
فوكس نيوز: وهم «الواقعية السياسية»
لعل من سخرية التاريخ أن يتحدث توم باراك عن «الواقعية السياسية» في وصف ما يتفوه به عن شعوب المنطقة وأنها لا تستحق الديمقراطية وتسببه في كوارث كبيرة في سوريا، بما في ذلك محاولة إبادة الدروز على أيدي قوات حكومة دمشق وأنصارها. فالواقعية السياسية، التي أشار إليها في معرض دفاعه عن نفسه في قناة فوكس نيوز ضد افتتاحية وول ستريت جورنال، نهج سياسي رسخه وزير الخارجية الأسبق، وأحد أكثر الوزراء المؤثرين في القرن العشرين، هنري كيسنجر الذي سبق وقدم المركز الكردي للدراسات قراءة نقدية على ثلاث حلقات في واقعيته السياسية تجاه الكرد. وكيسنجر نفسه تأثر بأحد أهم سياسيي أوروبا في القرنين الماضيين، الأمير كليمنس ميترنيخ. يعتقد توم باراك أن كلماته تنتمي إلى خط سياسي يصله بكيسنجر وميترنيخ!
الأكثر دلالة هو موقف باراك من الديمقراطية. فهو يميل إلى القول إن الشرق الأوسط لا يعمل وفق القوالب الغربية الجاهزة، وإن «أنظمة القيادة القوية» أو النماذج المركزية نجحت أكثر من تجارب الديمقراطية المستوردة. هنا يصبح حديثه عن سوريا مفهوماً: المطلوب ليس بالضرورة سوريا ديمقراطية، بل سوريا مستقرة. ليس المطلوب عقداً سياسياً، بل سلطة قادرة على توقيع الاتفاقات وضبط الأرض وطمأنة المستثمرين.
نيويورك تايمز: فضيحة استثمارية
بعد وول ستريت جورنال وفوكس نيوز، يأتي تحقيق نيويورك تايمز ليمنح هذه الصورة بعدها الاقتصادي الصريح. فإذا كان باراك يقدّم اللغة السياسية لهذا التحول، فإن تحقيق نيويورك تايمز يكشف بنيته المالية. فسوريا أصبحت سوقاً كبرى مفتوحة أمام رجال الأعمال، خصوصاً أولئك القادرين على العبور بين الخليج وواشنطن ودائرة ترامب، وانتهت كقضية سياسية فعلياً (نيويورك تايمز لم تذكر هذه النتيجة بأن سوريا قضية انتهت سياسياً).
التحقيق تناول عائلة الخيّاط، وهي عائلة سورية الأصل مقيمة في قطر، حصلت وفق التقرير على عقود ضخمة في سوريا، تشمل إعادة تطوير مطار دمشق، وبناء محطات كهرباء، ومشاريع مرتبطة بالطاقة والسياحة والعقار. لكن هذه المشاريع كانت تحتاج إلى شرط أساسي: رفع العقوبات الأميركية بصورة دائمة، حتى تطمئن المصارف الدولية والمستثمرون إلى أن الدخول في السوق السورية لم يعد مخاطرة قانونية قاتلة.
جوهر التحقيق لا يقوم على إثبات صفقة رشوة مباشرة، بل على ما هو أعمق سياسياً: في عهد ترامب، يمكن لرجال أعمال يسعون إلى قرار من واشنطن أن يخلقوا تقاطعاً مالياً أو رمزياً مع عائلة ترامب، فيصبح هذا التقاطع جزءاً من هندسة النفوذ. لا حاجة إلى طلب صريح. يكفي أن يعرف الجميع أن اسم ترامب يفتح الأبواب، وأن عائلته ليست بعيدة عن عالم الاستثمار، وأن السياسة الخارجية لم تعد منفصلة عن شبكة المصالح الخاصة المحيطة.
أحد العناصر المهمة في التحقيق يتعلق بالنائب الجمهوري براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، الذي كان متحفظاً على إلغاء العقوبات كلياً من دون آلية لإعادتها سريعاً إذا تورطت السلطة السورية الجديدة في انتهاكات بحق الأقليات. التحفظ كان مرتبطاً بمخاوف من أن يؤدي رفع العقوبات إلى فقدان واشنطن ورقة ضغط مهمة على دمشق.
هنا يظهر اسم ترامب. فبحسب التحقيق عرض محمد الخيّاط على جو ويلسون مشروعاً لتطوير عقارات ساحلية في سوريا، يتضمن ميناء لسفن الرحلات البحرية، ونادياً للبولو، وصالة عرض لسيارات بوغاتي، وملعب غولف عالمياً. وفي لحظة لافتة، اقترح ويلسون أن يحمل الملعب اسم «ترامب» لجذب انتباه الرئيس. ورد الخيّاط بأنه كان يخطط أصلاً لاقتراح منتجع يحمل علامة ترامب. كما ربط التحقيق هذه التحركات بشراكة أوسع في ألبانيا مع جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب في مشروع منتجع ضخم.
سوريا من قضية إلى سوق
ما يجمع هذه النماذج الثلاثة هو أنها تعرض سوريا من زوايا مختلفة، لكنها تنتهي إلى النتيجة ذاتها. في وول ستريت جورنال، تظهر سوريا كجزء من سياسة أميركية مرتبكة يقودها مبعوث يتجاوز الأعراف. في فوكس نيوز، تظهر كجزء من «واقعية» جديدة تفضّل الاستقرار والصفقات والتعامل مع قوى الأمر الواقع. في نيويورك تايمز، تظهر كفرصة اقتصادية ضخمة يتزاحم حولها رجال أعمال ومقربون من عائلة ترامب ومشرعون في واشنطن.
من هنا يصبح سؤال «من يحمي توم باراك؟» سؤالاً عن إدارة ترامب نفسها. فلو كان باراك مجرد دبلوماسي متهور، لكان جرى ضبطه سريعاً. أما إذا كان يستمر في الحديث بهذه الطريقة، ويدافع عن نفسه بهذه الثقة، ويظهر في قلب ملفات حساسة من سوريا إلى لبنان وتركيا، فذلك يعني أن الرجل لا يتحرك خارج مناخ ترامب وعائلته. قد لا يمثل المؤسسة الأميركية التقليدية، لكنه يمثل دائرة ترامب.
الخلاصة، تواجه سوريا خطراً مزدوجاً؛ الخطر الأول أن تبقى رهينة الخراب والفقر والعزلة والمجازر. والخطر الثاني أن تخرج من هذه العزلة بوصفها سوقاً تعاد هندستها من الخارج وعبر أدوات من بينها توم باراك. وقد يتطلب تنفيذ هذه الصفقات تبرير أو هندسة مجازر إبادة في الداخل السوري من أجل تمكين الطرف الأقدر على التوقيع على الصفقات. وهنا تكمن خطورة أن تتحول إعادة الإعمار من فرصة لإنقاذ سوريا إلى طريقة جديدة لمصادرتها وامتلاكها وتخريبها.





