إبراهيم محمود
(في اللصوصية لحماً ودماً)
نعم، أن تقول “اللصوصية” وما يرادفها من كلمات، من نوع: قطع الطريق، العصيان، الشقاوة، البلطجة وغيرها، هو أن تضع صورة السلطة، وهي في تمام وضوحها أمام مرآة تتناسب وما هو مرغوب فيه جهة بنيتها ومعدنها وشفافيتها.
تنفتح اللصوصية، كمفهوم على ما هو اجتماعي وسياسي، بقدْر ما تميط اللثام السميك عن تاريخ شائك من العلاقات الساخنة، حيث اللصوصية تتخللها، وتكون في مقام شاهد عيان على اختلال قيمي في الصميم.
وللكرد ذلك الموقع الذي لا يُحسَدون عليه، في الدفع بهم إلى الواجهة، من قبل الأنظمة السياسية في الدول المصطنعة حديثاً، إثر اتفاقية “سايكس- بيكو 1916 ” خصوصاً، التي تقاسمتهم “قومية واحدة على مأدبة ثلاث قوميات تستبد بها وقد جزّئت: العربية، الفارسية، والتركية، أي أربع دول، كما هو معروف: في العربية “تكون سوريا والعراق”، وبغية شرعنة هذا التقاسم، لا من كتابة تاريخ تحيل المجزّأ “الشعب الكردي”، إلى عابر للتاريخ، إلى ما هو نمطي مجرَّد من التمايز في الهوية، وللسينما دور لافت في ذلك. وهو ما أحاول التوقف عنده، ولو بإيجاز.
السينما واللصوصية عبر “نموذجها الكردي”
للسينما موقعها في الاهتمام بظاهرة اللصوصية، كما تقدَّم. ويا لها من عناية مركَّزة ومتعددة المشارب بما تقدَّم، وفي تركيا بالذات. إنما دون نسيان الأكثر ابتذالاً في الأساليب الموجَّهة تقنياً والتي تجعل من الكوردي سدَّتها ولحمتها، وهو يظهر متخلفاً، بدائياً، غير مفهوم في نطقه، نظير الأخرس علامة الدونية المرسومة له، وما في ذلك من تذكير مباشر، بصورة الهندي في أفلام “الويسترن” الأميركية، وهو بكم الوافر، يتساقط كالفراش جرّاء رميه بالرصاص الحي في عمليات إغارة وتمشيط عسكرية، والتباهي بكل خراب وتدمير وقتل بمشاهد لافتة.
ليكون للسينما تاريخها وقوة تأثيرها، لأن العين تتأثر، ولا تحتاج في معروضها البصري، أو المرئي إلى ترجمان، جهة إبراز هيئة اللص: الكوردي، أو بوصف الكوردي المناهض، أو المقاوم للدولة تعبيراً عن وجوده، والرافض لصور الإهانة الموجهة ضده، والكوردي المجهول الاسم، والمتحوَّل إلى كائن مفرَّغ من محتواه، كما هو المراد إظهار في لعبة “قص” و”لصق” متناوبتين، وهي لعبة تصل بجملة الإجراءات ذات” العراقة ” في بنية السياسة العثمانية – التركية، مع مراعاة مسوح من التعديلات البسيطة، وزخرفات لا تخفي جانب الرعونة في الموقف، والتخوف من إظهار أبسط حركة، أو مسلك مرئي، يناقض ما هو مراد التعويل عليه والدفع به إلى الواجهة، وعرضه على الشاشة، ليكون أثراً أعمق مما هو متداول عن صورته في نفوس المعنيين من “الجمهور” المعرَّض لمثل هذه التهيؤات، وإمعاناً في المزيد من الاحتقار الاجتماعي، إنما أيضاً ما يصل هذا التمادي بمدى حضور الكورد واستحالة رميهم في “سلة مهملات” التاريخ، أو إغلاق محضر ضبط بشأنهم، ليكونوا في عداد “أثر بعد عين”. للسينما قولتها المشهدية، ولكل حركة سيماؤها، ولغتها بالمقابل، وللسينما أدوارها، حيث إن مستجدات التاريخ ليست كما هو منشود، على طريقة (تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن)، وهي مقولة تاريخية، اجتماعية وسياسية على صعيد المتغيرات وتجاذبها محلياً، إقليمياً ودولياً، وبصورة خاصة منذ عقود عدة من الزمان، حيث إن المعنيين بالسينما، وهي في دورها الخطير والفاعل، من الكورد: مخرجين وممثلين في الخارج خصوصاً، دورهم المؤثر في هذا السجل المرئي والمصبوغ في الكثير منه بدم الكوردي، والمعرَّف به كوردياً: صوتاً لا يكف عن الصراخ، وهو في هيئات شبَّت عن طوق المطوّقين إيديولوجياً له.
نقرأ عن ذلك في”مقاربة جيوقراطية للسينما الكوردية”وتمثيلات الرؤية الفنية وبدعتها الاستنهاضية: (بينما يهدف هذا القسم إلى التركيز على العلاقة بين السينما والفن والجغرافيا، فإنه يريد تحليل كيفية انعكاس الجغرافيا وبعض نتائجها المعرفية، الواقعة على مفترق طرق العلوم الاجتماعية والفلسفة، في الصور. من ناحية، البعد المكاني للفن في السينما، من ناحية أخرى، البعد الجمالي للجغرافيا والعلاقة بين أشكالها/أشيائها، من ناحية أخرى، النظر في منظور الجغرافيا والممارسات (المنهجية) المضمنة في فن السينما، وخاصة في صور السينما الكوردية، تجعلنا نفهم الجغرافيا على أنها جماليات مكانية. يؤدي إلى معرفة الأنظمة الجمالية. تعرض الشعب الكوردي في إيران لضغوط سياسية مختلفة في عهد شاه إيران واستمرت هذه السياسات بعد الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية. على الرغم من أن الدولة الإيرانية “تعترف” بلغة الكورد وثقافتهم، إلا أن هذا التعريف لا يشمل الحكم الذاتي الكوردي والحرية الثقافية لتوفير التعليم العام باللغة الكوردية المحظورة. لذلك، من المفيد تحديد أن السينما والأعمال الفنية المنتجة في إيران (شرقاً: Rojhilat) يتم تداولها في الغالب في منطقة الشتات. في تركيا، بدأ هذا الوضع يتغير جزئيًا، حيث تم تخفيف القيود المفروضة على اللغة والثقافة الكوردية من خلال الإصلاحات النيوليبرالية لحكومة تورغوت أوزال منذ عام 1991 (لأول مرة بعد الانقلاب ومحاولة الانقلاب عام 1984).
في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تم رفع القيود المفروضة على الثقافة والفنون الكوردية إلى حد ما، وتم التعامل مع وسائل نشر الثقافة الكوردية مثل الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون بموجب سياسة أخرى تحت سيطرة حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامية. بينما يتم الآن تضمين الدراسات الثقافية الكوردية الخاضعة للرقابة في منطقة أخرى من السيطرة ضمن سياسة الوصي للدولة ، فقد أصبحت دراسات السينما المهمة جدًا مرئية بشكل خاص قبل عملية السلام وحتى عام 2016.
يشير الإبداع الفني للسينما في المجال الكوردي إلى نشوء انتفاضة مقاومة تحررية، وليس ظهور ضحية مستعمرة. إن التعبير عن اللحظة السياسية للصوت والإيقاع والتاريخ المشوه للأفلام في هذا المجال التي تثير قلقنا وتزعجنا، مثل التدجين أو إعادة التوطين، هو بمثابة فعل لتخفيف الصدمة. في الواقع ، كيف يمكن للرؤية السينمائية تغيير القضية الكوردية، وكيف يمكن إصلاح الاحتجاج السياسي الذي ينتشر في ديناميات عابرة للحدود ضد التمييز في مجتمع عديم الجنسية؛ الأسئلة المتعلقة بالديمقراطية والبيئة والأزمة الاجتماعية، مع صور الجبال والفواصل الحضرية والمناطق الريفية، توحي لنا بتربية سياسية، وتظهر نقدًا يجب القيام به.
تسمح لنا فراغات الفضاء الحضري وعلاقته الاستعمارية والأعمال الفنية المحققة في الفضاء الحضري المتقطع في السينما الكوردية بتحليل كيفية تقديم المخرجين أو الفنانين للذاكرة المؤلمة في تصوراتهم المرئية كجانب عام. منازل مهجورة، جدران مدمرة، تماثيل سلطوية، شواهد قبور، آبار مياه، حقول المختفين، سيارات عسكرية كاكي، أطفال قذرون، قرى تم إخلاؤها، مدن أو جبال مدمرة، نوروز أو إطارات سيارات… إلخ.
الكورد يعبُرون الحدود هرباً من الاضطهاد السياسي في المناطق الجغرافية الاستعمارية؛ إنهم يرمزون إلى الجبال كمأوى للخلاص أو حرية وطنهم وحياتهم فقط لأنهم تعرضوا لعنف الدولة في القرن العشرين. السينما ليست تصورًا للجبل، إنها تنتج فضاءًا للتحرير تصبح فيه الجبال والريف أماكن مقاومة أو بقاء.
الوطن ليس المكان الذي تتأسس فيه المأساة في المجال الكوردي، أعتقد أن التركيز الأهم على صورة الوطن، من الموسيقى إلى السينما، يتجلى في مفهوم التشرد.
السينما كصورة ما دون تحت الأرض: قراءة تاريخية دقيقة
كما يتأثر تاريخ السينما الكوردية بالظروف السياسية التي يعيش فيها الكورد. ففي العملية التي بدأت بتفكك الإمبراطورية العثمانية، تم تسجيل القرن العشرين باعتباره التاريخ المأساوي للكورد. وبالطبع، لم تستطع دراسات الفن والسينما تشكيل مجالها الخاص لفترة طويلة بسبب سياسة القمع “المأساوية” والتضحية للتابعين ونقص ما هو مؤسساتي، ومثل الأدب، يمكن أن تجد لنفسها مكانًا في جغرافيا المنفى لفترة طويلة.”1″
وكثيرة هي الأمثلة التي تخص الكورد، وكيفية تحويلهم إلى مادة مولَّفة في مخبر السينما التركية الإيديولوجية، بأكثر من معنى، بالتوازي مع السياسة الرسمية للدولة، والتي تترجمها إلى صوت وصورة مدروسين، وفي الوقت نفسه، لا تخفي جانب التغير في الواقع، ولو بحذر، وليكون لاسم: اللص، قاطع الطريق، الشقي، العاصي وقعه المزكَّى، وحيث إن أصواتاً لها صدى عالمي، كوردية الأصل، كما في حال يلماز غوني (1937-1984)، أشهر من أن يعرَّف في هذا الميدان، والذي توفي في منفاه الباريسي، وهو في أوج عطائه الفني، حيث شكّل في مكانته داخل السينما التركية، وأدواره التمثيلية فيها، ومن ثم إخراجه لأفلام خارج سياق ما هو قطيعي، كما في حال “الطريق” و”القطيع”، شكل النهار الجارف للمستنقع بمرجعيته التاريخية، وصدمته الوعيوية لمن حوله، وكمصدر إلهام كمخرجين كورد تالياً.

مثلاً في الحديث عن فيلم تركي بهذا العنوان “قاطع الطريق، أو اللص” نقرأ ما يلي:
(كان فيلم قاطع الطريق: اللص Bandit فيلمًا ناجحًا للغاية من حيث كونه امتدادًا لسياسات هذا النظام ومؤشرًا عمليًا على الاتجاه الذي طال انتظاره للسينما التركية، والذي فقد مساره. استمرت سياسة العصا للنظام ضد العمال الكورد لسنوات. لقد رأينا مرة أخرى أن هذه السياسة لا تشمل الجزر، مع عرض الأفلام “الكوردية” هذا الموسم. هذه الأفلام هي هجوم واضح للبرجوازية على الهوية الكوردية على أساس ثقافي – إيديولوجي. وبصورة تقريبية: فيلم “دع الأنوار تطفأ” كان فيلمًا وقع في شرك خطاب الإيديولوجيا المهيمنة، على الرغم من ادعائه بأنه محايد. كان فيلم “دريان” فيلمًا مليئًا بالحيوية وتناول المشاكل الداخلية لقبيلة حرس القرية التي تم تعديلها جيدًا. كان فيلم “اللصوص” أكثر نجاحاً من الأفلام الأخرى من حيث تشويه الهوية الكوردية. لقد كان قادرًا على تجاهل الصراع المستمر منذ سنوات.) “2”

وهناك أيضاً ما يوجه النظرة إلى ما هو مختلف، إلى وجود أزمة في صميم تصرفات كهذه. فللسينما منصتها ذات العلاقة الرصدية بما يجري، وتنوع أدوارها جهة الصورة وتفاعلاتها على الأرض، وما يُراد من ذلك في خراب الواقع:
(في الفيلم الذي أنتجه يلماز وبيدا، والمبني على أغنية شعبية من منطقة أورفة، يتولى الكورد لأول مرة الدورَ القيادي، على الرغم من عدم ذكر أسمائهم.
وعلى حد تعبير عاطف يلماز، “عبده آغا يثير رواجًا بمجرد وصوله إلى سوق الأفلام. يجلب نوعًا جديدًا إلى السينما بحجابه وملابسه المزركشة وحذائه”.
مع عبده آغا، بدأ الكورد بالظهور في السينما التركية.
عندما نقرأ الكتاب، نرى أنه لا يمكن التفكير في الموسيقى أو الأدب بشكل مستقل عن السينما. الأغاني الشعبية التي هي في الأصل باللغة الكوردية ولكنها مترجمة إلى التركية في الأرشيف، هي شخصيات مخفية في أفلام مقتبسة من الأدب، على الرغم من ذكرها في الروايات على أنها كوردية.
أجرينا مقابلة مع مسلم يوجيل، الذي يعيش في لندن منذ فترة، حول كتابه.
تقدم في كتابك تفاصيل مهمة جدًا عن الشخصيات الكوردية التي بدأت في الوجود في السينما التركية منذ الخمسينيات. ما الموارد التي استخدمتها أثناء إجراء هذا البحث؟ كم من الوقت استغرق هذا العمل؟
في تركيا، كل شيء موجود في الشارع، بمجرد أن تعرف كيفية التجميع، تأتي المواد إليك. الكتابة هي شكل من أشكال المقاومة وهذا ما حاولت القيام به. كل ما أكتبه هو نيران مضادة. الكلمات جاهزة لإشعال هذه النار طالما أرادها الناس.
الكتابة في تركيا والعيش في تركيا أشبه باختيار أحد الشرين، اخترت الكتابة. أما المصادر فكنا أطفالاً نجلس أمام التلفزيون حتى موعد الإغلاق. كان هناك انقلاب وكل شيء محكوم عليه بقناة واحدة بالأبيض والأسود.
يمكن للكورد والترك إيجاد مخرج من خلال النظر إلى هذا الوعي الجريح. في فيلم زينو، هناك يلماز غوني الذي يطلق النار على لوحة الإعلانات لأن اسمه مكتوب صغيرًا، من ناحية أخرى، رقصة Efe التي يؤديها في الفيلم. ينتهي الأمر بمجرد أن يعرف الفنان ما يفعله.) “3”
اللص الدولتي: الخفي منه والعلني، السري البوليسي ومعتمده وموكله ومسيّره ونقيضه، لم يعد مجهولاً، لقد أضيئت ساحة الرؤية كثيراً، والتاريخ خرج عن طوق التحكم فيه، وما هو جار في تحولاته العاصفية عالمياً، لا يمكن تجاهل تأثيره على هذه العلاقات الجارية على الأرض، وجهة الكورد، وكيفية التعامل معهم هنا وهناك، رغم كل المآسي التي يعيشونها إلى الآن. سوى أن الحديث عن اللصوصية ومسوغاتها، ومنابعها، والمتخفين وراءها، وكما هو المتشكل في أقبية سرية للدولة، وفي أذهان الخدميين لها، والمستأجرين بالمقابل، وكذلك المأخوذين بلعبتها، وهي في السذاجة المرئية لصنعتها.. لم يعد رائجاً، أو له رصيد في عالم الفن السابع بحرفيته!
مصادر وإشارات
1- Engin Sustam :Kürt Sineması: Siyasal Zamanın Kurucu İmgesi, Dekolonyal Coğrafi Manzaralar ve Ulus-Aşırı Görünürlük*
إنجين سوستم: السينما الكوردية: الصورة التأسيسية للزمن السياسي، والمناظر الجغرافية الاستعمارية والرؤية عبر الوطنية *
2- Eşkıya
اللص: الشقي: قاطع الطريق
3- Tarih 1951. Atıf Yılmaz’ın yönettiği, Hüseyin Peyda’nın senaryosunu yazdığı ve başrol Abdo Ağa’yı oynadığı film “Mezarımı Taştan Oyun” büyük yankı uyandırıyor.
التاريخ 1951. فيلم “لعبة من أحجار مقبرتي” للمخرج عاطف يلماز وتأليف حسين بيدا وبطولة عبده آغا، يثير تداعيات كبيرة.





