• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

استئصال الذات: ما أبعاد المسألة العلوية في سوريا؟

3 أبريل 2026
التجريد من الإنسانية في مجتمعات الحرب والموت والإبادة
Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

محمد سامي الكيال

يشير لفظ “مسألة” عادة إلى مجموعة من الإشكاليات، والأسئلة، والطروحات، والخطابات، بل حتى النظريات، حول ظاهرة معيّنة، تبدو أقرب لعقدة مزمنة، تبحث دائماً عن حلول، وهذا قد يكون منشّطاً للفكر والسياسة في عصر ما، ومعبّراً عن حيوية اجتماعية، رغم كل المآسي التي قد ترافقه. ومن الملاحظ أن اللغة العربية المعاصرة لا يوجد فيها كثيرٌ من “المسائل”، وإنما “القضايا”، أي البناءات الخطابية المتكاملة، التي وصلت إلى أجوبتها، وحددت مطالبها، وميّزت صديقها من عدوها بشكل تام. ربما كانت “المسألة الشرقية”، أي الصراع الغربي على المنطقة بعد تآكل قوة الدولة العثمانية، هي آخر مسألة سياسية كبرى عرفناها، وطُرحت فيها قضايا الكتل السكانية، والقوميات، والأقليات، والأراضي، والهويات، والذات السياسية لشعوب المنطقة، وغيرها الكثير، وتعددت فيها وجهات النظر و الجدالات، والصراعات الأهلية الدموية طبعاً. وبعدها بدأ عصر القضايا، التي رافقت حركات التحرر من الاستعمار، ونشوء الدول القومية.

بلغت تلك الدول مداها منذ فترة ليست بالقصيرة، وانهار بعضها، فيما اضمحل الآخر، دون أن يُفعِّل هذا طرح “المسائل” في المنطقة. كان احتلال العراق علامة فارقة في ذلك الانهيار، ولكن ما لحقه كان قضية “مقاومة عراقية”، وحرباً طائفية شديدة الدموية، وصعوداً للقاعدة وداعش. وقد رأى سكّان المنطقة الإبادة الإيزيدية بالصوت والصورة والأسماء والوجوه، دون أن يثير لديهم ذلك الحاجة إلى طرح “مسألة” حول الداعشية والإبادة والأمة؛ أما “الثورة السورية” فكانت “قضية” متكاملة، ولم تدفعها مآسٍ مثل الحرب الأهلية، وصعود الداعشية، والتطهير العرقي في عفرين، إلى طرح الأسئلة على نفسها.

إلا أن انهيار النظام السوري، وتفكيك الدولة السورية، أنهى “القضية” إلى حد بعيد، خاصة بعد تحوّل “الثورة” إلى خطاب مبرر ومشرعن لسلطة ائتلاف الميليشيات الحاكم. وبدأت “المسائل” تبرز، رغماً حتى عن رافضي التفكير بها. يمكن القول إن سوريا اليوم حقل شاسع من المسائل، إذ لا “مقاومة” هنا، ولا “دولة” يمكن أخذها على محمل الجد (حتى ما يسمى وزير إعلام السلطة قال إنها “تقريباً دولة”)، ولا مشروع فعلي أكثر من التحريض والتحشيد الطائفي تحت مرويات رثّة، مثل الأموية الجديدة، و”حكم الأكثرية”، وإنما فقط كثير من الأسئلة حول الكيان السوري، ووحشيته القادرة على إعادة إنتاج ذاتها دائماً، وشعوبه وفئاته المتناحرة حتى الإبادة. وربما هنا بالضبط يجب اقتراح التفكير بما يمكن تسميته “المسألة العلوية”، بوصفها في القلب من كل المسائل السورية، وليس فقط بالنسبة للعلويين.

 على الرغم من أن الحرب الأهلية السورية، بمراحلها المتعددة، طالت جميع الفئات؛ وتصاعدت فيها مسائل بالغة الأهمية بما يخصّ التشكّلات القومية في المنطقة، مثل المسألة الكُردية؛ وشهدت أزمات اقتصادية ومعاشية وبيئية، تهدد استمرار الحياة برمتها في البلد، إلا أن المسألة العلوية تبقى رابطاً أساسياً بين كل المسائل، وأقرب إلى “نقطة مفصلية” (Nodal Point) بحسب تعبير المفكر الأرجنتيني إرنستو لاكلو، أي دال من نوع خاص، تتكثّف فيه دلالات متعددة، مثل مسائل الأمة والدولة والشعب والعنف والطائفة والطبقة، وتُعاد صياغتها من خلاله. وهذا يظهر على مستويات عديدة:

أولها مستوى الكيان السوري نفسه، فقضية إدماج العلويين في ذلك الكيان، بوصفهم جماعة عربية، ومسلمة، كانت ضرورة تأسيسية فيه، وتحدّياً لكل طروحات الوطنية السورية، المبنية على أسس القومية العربية الإدماجية. إذ كيف يمكن تحويل فئة كبيرة، تعتبر من منظور الدين المعياري طائفة مهرطقة في أحسن الأحوال، أو كافرة تستوجب المحاربة في أسوئها، إلى “مكوّن أساسي” في الدولة السورية المنشودة، والتي لم ترض يوماً بحدودها؟ التحدي ما يزال مستمراً إلى اليوم، وتعددت الإجابات عليه لأكثر من قرن من الزمان.

ثاني المستويات هو المستوى الطبقي، فالعلويون، رغم وجود عائلات إقطاعية وبرجوازية معروفة في أوساطهم، ظل اسمهم رديفاً للفلاحين المعدمين، والفئات الأكثر فقراً في البلد، وقد جعلهم هذا في قلب “المسألة الفلاحية” السورية. وكان حراكهم الاجتماعي، سواء عبر مؤسسات الدولة، أو الجيش، أو الحركات السياسية المتنوّعة، أساسياً في التاريخ السوري. والمسألة الفلاحية في سوريا لم تتقادم يوماً على ما يبدو، رغم التغيرات الجذرية في أنماط الإنتاج والعلاقات الطبقية.

ثالث المستويات هو مستوى الرواية المؤسِّسة لفترة ما بعد نظام الأسد، وكانت قبلها المؤسِّس لأكبر الانتفاضات ذات الطابع الإخواني في عصر الأسد الأب، وهي رواية “الحكم العلوي”، التي أصبحت فيما بعد في صلب “الثورة السورية”، ومن ثمّ حكم الميليشيات الإسلامية، وكانت مركزية في العنف المؤسِّس للسلطة الجديدة، فهي جاءت لتقيم “حكم الأغلبية”، بعد “مظلوميتها”، ولذلك فلا بد من تحطيم “الفلول”، و”محاولاتهم الانقلابية لإعادة نظام الأسد”، التي اندلعت على بعد مئات الكيلومترات من العاصمة.

هكذا تنغلق دائرة “المسألة العلوية”، من الإدماج لتأسيس الدولة المركزية العربية/الإسلامية، إلى ضرورة سحق العلويين لأجل إعادة بعثها وتحققها. لقد كانوا دائماً في قلب الوطنية، ومشكلتها في الوقت نفسه، ولذلك فمسألتهم تكثّف المسألة السورية برمتها.

هذا التعقيد في المسألة العلوية جعل الإجابة عن سؤال “من هم العلويون؟” مسيّساً وإشكالياً إلى أبعد حد، داخل المجموعة وخارجها، وتتعدد الإجابات عنه حسب موقع وموقف المجيب. ويمكن القول، للمفارقة الساخرة، إن تعريف العلويين في المخيّلة السورية جمع في الوقت نفسه بين كونهم “لا شيء” و”كل شيء”، إذ أنهم من جهة ليسوا سوى طائفة على هامش الشيعة والإسلام، أقل من إثنية، عرب وسوريون فحسب، اندماجيون إلى أبعد الحدود، لا مطالب ثقافية أو دينية أو سياسية ذاتية لهم، ولا قضية خاصة بهم؛ ومن جهة أخرى المسيطرون على الدولة لخمسة عقود، والمتآمرون قبلها على حكم الأكثرية، والمهيمنون على الأجهزة الأمنية والعسكرية منذ “جيش المشرق الفرنسي” وحتى حلّ “الجيش العربي السوري” على يد ميليشيات “الأكثرية”. هذه الازدواجية بين “لا شيء” و”كل شيء” برزت أيضاً في إجابات جانب كبير من النخب العلوية نفسها، التي رفض التيار الأساسي فيها الدولة العلوية تحت الانتداب الفرنسي، وقانون الأحوال الشخصية المستقل عن المسلمين السنة، كما رفض الأثننة (التحوّل إلى إثنية)، ولم يسعَ إلى إبراز أي تمايز ثقافي عن بقية السوريين، أو حتى إلى إظهار الخصوصية العلوية ضمن المسألة الفلاحية، بوصفها تقاطعاً للاضطهاد الطبقي والديني. لدرجة أن علوية تلك النخب بدت “لا شيء” أمام ما طمحوا إليه من “كل شيء”، أي أن يكونوا في القلب من الوطن، والأمة ومعاركها، بل ربما في القلب من معارك عالمية. هكذا قاتل العلويون كثيراً، ولكن دائماً ضمن كيان أوسع منهم، يحتويهم ويلغيهم في الوقت نفسه، ولم يبدوا تبرّماً ملحوظاً من ذلك.

إلا أن معادلة “لا شيء” و”كل شيء” لم تعد قابلة للاستمرار، بعد أن أصبح العلويون موضوعاً من نوع خاص، أي موضوعاً للإبادة، الحيوية والثقافية، في ظل حكم الميليشيات الإسلامية، لقد بات عليهم أن يصيروا شيئاً متعيّناً، ويجيبوا عن سؤال الهوية بوضوح، وقبل فوات الأوان. يضيف هذا تعقيدات، وطاقة جديدة للمسألة العلوية، بما يعطيها نوعاً خاصاً من الحيوية، والقابلية للانفجار، والمركزية في الإطار السوري.

هل يمكننا أن نتحدث فعلاً عن العلويين؟ وهل بإمكانهم الحديث عن أنفسهم؟ سيحوي أي حديث من هذا النوع كثيراً من الادعاء والتعسّف. لا يمكن لأحد اليوم، من داخل الجماعة أو خارجها، الحديث عن “العلويين”، بوصفهم ذاتاً، بل فقط عن المسألة العلوية. ومن تلك المسألة قد تنشأ ذات علوية، أو حتى ذات ما بعد سورية جديدة، على مستوى البلد كله. ولذلك يعود السؤال العلوي، كعادته، ليصير أكبر من “الطائفة” نفسها.

ولكن، لماذا لا تُبحث المسألة العلوية بشكل مفتوح ومنهجي، وتُترك للجدالات العاميّة غالباً؟ أي تشغل موقعاً أقرب للاوعي السوري؟ قد يكون السؤال زائداً في ثقافة ولغة لم تتعوّد على “المسائل”.

الاندماج والتقيّة

يبدو أن طمس الذات كان خياراً ثقافياً وسياسياً واعياً لدى كثير من النخب العلوية في العقود الأخيرة، لدرجة أن هذا الطمس بات “الذات” نفسها، وطريقة لنيل القوة والحضور، وليس دلالة على الضعف بالضرورة. نرى الظاهرة نفسها من الأدباء والفنانين والمثقفين، الذين تحدّثوا عن كل شيء، من التراث والحداثة و”التغريب” في المسرح، إلى “نمط الإنتاج الآسيوي” ونقد الاستشراق، بدون أن يطرحوا المسألة العلوية بوضوح، وكأنها مجرد أمر سخيف يجب الترفّع عنه؛ وصولاً إلى السياسيين والعسكريين، الذين كانوا دائماً “أكبر من علويين”. إلا أن الأمر لم يقتصر على الترفّع عن الاختزال الطائفي، بل وصل إلى حد الإلغاء الفعلي للذات، و”الفناء في الآخر” بحسب التعبير الصوفي، إذ لم تتوقف يوماً حملات التشييع والتسنين في أوساط العلويين، وأحياناً بقيادة العلويين أنفسهم، مثل جميل الأسد، شقيق الرئيس حافظ الأسد، ومؤسس “جمعية المرتضى” الشيعية. مع ذلك ظل العلويون علويين.

يتحدث كثيرون عن جذور ذلك في العقيدة العلوية نفسها، بوصفها قابلة للاستيعاب والتحول والإدماج والتعدد، دون أن تخسر تماسكها الداخلي؛ أو حتى بوصفها مساحة روحانية قابلة لكل التجسدات (مجدداً: لا شيء وكل شيء). إلا أن أي حديث عقائدي لا يتمتّع بموثوقية كبيرة، في ظل ديانة غير ممأسسة وضعيفة التدوين، ما يجعل معظم الأحاديث أقرب لاجتهادات وتأويلات شخصية، تتعلّق بميول وثقافة المتحدّث، أو حتى رغباته ومصالحه. فضلاً عن هذا فإن العقيدة وحدها لا تفسّر الخيارات السياسية والاجتماعية، بل يجب النظر في التاريخ الأوسع حول العقيدة، وبُناه.

هل كان طمس الذات نوعاً من التقيّة الناتجة عن الخوف؟ أم خياراً في التجاوز والاندماج؟ أو ربما الاثنين معاً؟ ولماذا كان العلويون لا يعلنون أنهم علويون حتى في دولة الأسد، التي يصفها خصومها بـ”الدولة العلوية”؟

قد يكون التفكير بالكيان السوري أكثر جدوى في الاجتهاد في هذه الأسئلة، فقد كان للاندماج الكامل بالدولة السورية المركزية ثمن، دُفع علوياً برحابة صدر؛ فيما قدَّمت الحركة الفلاحية السورية، بأطوراها المتعددة، الحد الأدنى من الحلول للعلويين. هكذا كانت دولة البعث مزيجاً من الهوية القومية العربية، وتغييراً في العلاقات الريفية، أوصل أبناء الفلاحين إلى مؤسسات الدولة وخدماتها، فصاروا ضباطاً ومهنيين، وعرباً سوريين. وعندما تمرّد الإخوان المسلمون، كانوا واعين لذلك التغيير، وبذلوا جهدهم لعكسه، فذكّروا العلويين بأنهم “مجرّد” علويين، والدولة لن تكون دولة الأمة، أي عربية إسلامية حقاً، بوجودهم، واستهدفوا ضباطهم ومهنييهم، فكان الطبيب والمهندس والمحامي، يُقتل فقط لأنه علوي. ونشأت عقيدة مُحدَّثة ومتكاملة لمعاداة العلوية، دمجت بين الجذور التراثية والأيديولوجيا الحديثة، اعتُبر العلويون بحسبها الأدنى (أبناء فلاحين، كافرون، مشكوك في شرفهم) والأعلى (المتآمرون منذ الاستعمار وما قبله، قادة الدولة والمسيطرون على النظام) في الوقت نفسه، وأُكسبوا صفات خارقة، وسمات مُهينة. وقد تسرّبت هذه الصفات فيما بعد إلى الثقافة العامة، وصارت “المينستريم”، تلميحاً وتصريحاً، حتى في الدراما التلفزيونية الكوميدية المُنتجة في عصر الأسد، فبات من العادي أن ترى العلوي فيها ريفيّاً مضحكاً فظاً بسلطة خارقة. فيما عززت دراسات، لا يمكن وصفها إلا بالرديئة منهجياً، مثل أعمال الهولندي نيكولاس فان دام، والفرنسي ميشيل سورا، التصورات عن “السلطة العلوية” الخارقة، في أوساط ما يسمى “ثقافة نخبوية” في الشرط السوري.

الرد العلوي على كل هذا كان أميل لمزيد من طمس الذات، والاندماج الكامل في الدولة، فاعتُبر الاستهداف الطائفي في السبعينيات والثمانينيات، معركة  الاستعمار والإمبريالية والرجعية ضد الدولة السورية التقدميّة، وكذلك الأمر في الحرب السورية، في العقد الثاني من القرن الحالي. وكانت الميول والخطابات الطائفية العلوية الواضحة تُدفع دائماً إلى الخلفيّة، ويصعب القول إنها وصلت للصدارة يوماً، على خلاف المعارضة السورية، التي أبرزت ذاتها الطائفية بثقل شديد.

ربما كان ذلك أكبر من مجرد خيار إرادي، فالعلويون، كبقية فلاحي سوريا، رُبطوا بجهاز الدولة السورية، المتضخّم، ودخلوا في علاقات ولاء وتبعية جديدة، ضمن عملية “تفليح” واسعة للمجتمعات السورية، أي إعادة إنتاج العلاقات الفلاحية عبر جهاز الدولة، بوصفه سيداً جديداً، يوزّع الدعم والريع والعوائد، بمزيج من السياسات الاجتماعية الرسمية، والشبكات الزبائنية غير المعلنة.

التبعية للدولة كانت عامة بين السوريين، ولكنها أعمق في حالة العلويين، الذين قامت ذاتهم على الطمس والاندماج، وعندما انهارت الأسدية على ذاتها مع اندلاع الحرب السورية، كان يمكن لكثير من السوريين العودة إلى “ذوات” مفارقة للسلطة، ومناهضة لها، فيما ليس للعلويين إلا المزيد من التمسّك و”الفناء” في الدولة.

ما بعد “طائفة الأسد”

شاع تعبير “طائفة الأسد”، للتعبير عن العلويين، في الصحافة الغربية، خاصة أثناء مجازر آذار/مارس 2025، وقد يكون لذلك دواعٍ عملية (تكثيف الصراع السوري للقارئ الغربي) إلا أنه يبقى اختزالاً بعيداً عن المهنيّة الصحفية، والدقة المنهجية.

في كل الأحوال، الأسد هرب من سوريا منذ أكثر من عام، ولن يعود؛ والدولة السورية التي اندمج فيها العلويون، حتى الفناء، تم تفكيكها؛ والمجزرة وقعت، وارتُكبت تحت أيديولوجيا إسلامية، يمكن تتبّع جذورها منذ أربعينيات القرن الماضي، أي قبل أن يصبح العلويون “طائفة الأسد”، ومع تصريحات واضحة بنيّة الإبادة، ما قد يجعلها ترقى للإبادة الجماعية. وعموماً يبدو أن هنالك ميلاً، لدى قوى الإسلام السياسي الحاكمة، بإيجاد “حل نهائي” للمسألة العلوية، تظهر بوادره في ممارسات مثل الاستهداف الحيوي، خاصة استهداف النساء؛ والإبادة الثقافية؛ وتغيير البيئة الطبيعية والاجتماعية؛ وتضييق سبل العيش، عبر الفصل من المؤسسات العامة؛ أو بالأحرى “تطهيرها”، وكأن الميليشيات الإسلامية تتعمّد إحداث فطام إجباري للعلويين عن الدولة.

لقد صرنا بالتأكيد في عصر ما بعد “طائفة الأسد”، وبات العلويون مجبرين على إعادة إنتاج وتعريف ذاتهم، ولديهم خيارات محدودة، منها محاولة الحفاظ على البقاء عبر التقيّة والخضوع للسلطة الإسلامية، وهو خيار قد يسرّع في “الحل النهائي”، وفق المؤشرات الحالية، لدرجة بات من الممكن تخيّل سوريا بدون علويين، بعد سنوات ليست بالكثيرة؛ وهنالك خيار الأثننة، أي الاتجاه لتحويل العلويين إلى جماعة إثنو/دينية واضحة المعالم، والمطالبة بوضعية خاصة لها، قد تصل إلى درجة الدعوة لحق تقرير المصير، كما حصل مع دروز سوريا؛ وهنالك خيار الانتظار، أي الحلم بكيان أكبر جديد، يندمج فيه العلويون، ويحققون ذاتهم عبر طمسها به، وهو خيار قائم على توقّع تغيّر في موازين القوى الإقليمية، وإيجاد نصير ما ضد الميليشيات الحاكمة.

السجال العلوي حول هذه الخيارات لا يتوقف، ولا يمكن أن يكون إلا لاذعاً وشرساً، فهو يدور في النهاية حول قضية وجود، في ظل غياب مرجعية ذاتية موحّدة؛ إلا أن هذا السجال مؤثّر بشكل مركزي على المسألة السورية برمتها، فسواء اختفى العلويون، أو تمايزوا بصفتهم الإثنية، أو وجدوا نصيراً يغيّر موازين القوى، فهذا سيعني تغييرات لا رجعة عنها في الكيان السوري، وفي مصير شعوبه وفئاته المتعددة.

كل ما نعرفه عن “سوريا” يرتبط بشكل أو بآخر بالعلويين، فهم الفلاح والحاكم والعدو المُشيطن والغريب المألوف؛ وكل ما يعرفونه عن أنفسهم يرتبط بـ”سوريا” تلك، بوصفها التهديد الوجودي والفرصة التاريخية والتاريخ المؤلم والكيان المغري بالاندماج، وقد وصلنا إلى قمة تصعيد هذه العلاقة المعقدة، وغالباً ستتغيّر سوريا بعد هذه النقطة الحرجة، ويتغيّر العلويون.

Tags: الحرب في سورياالدولة العثمانيةالعلويون في سورياحافظ الأسدمجازر الساحل




آخر المنشورات

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية