محمد سيد رصاص
لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل حرب أهلية إلى انفجار منطقة الشرق الأوسط، بل ظل الحريق اللبناني معزولاً ضمن بناء الإقليم، وكان أقرب إلى الموقد أو منقل الشواء في بلكون البناء الإقليمي، حيث كان يأتي العديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين لطهي طبخاتهم أو لشوي مشاويهم عبر حطب لبناني (وقبل أيلول 1982 بحطب فلسطيني أيضاً).
لما انهار البناء السوفياتي العالمي، والإقليمي في الشرق والوسط الأوروبيين، وخرجت موسكو مهزومة من الحرب الباردة أمام واشنطن، في النصف الثاني من عام 1989، حصل الإطفاء للحريق اللبناني عبر اتفاق الطائف بإرادة ثلاثية: واشنطن – دمشق – الرياض، وجرى الإطفاء الأخير لآخر جمرة لبنانية، مثلها الجنرال ميشال عون في قصر بعبدا، بعد شهرين من اكتمال هذا الاتفاق الثلاثي إثر غزو العراق للكويت في 2 آب/ أغسطس 1990.
لم يقد شرق أوسط ما بعد حرب كانون الثاني – شباط 1991 في الخليج إلى حرائق جديدة، بل إلى تسكين للمنطقة، وكانت تسوية مؤتمر مدريد (تشرين الأول 1991) مُعَدّة ومبرمجة، لو أنها حصلت، من أجل ترتيب شرق أوسط جديد، عبر تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، يكون امتداداً سياسياً – أمنياً لحلف شمال الأطلسي، كما كان مصمماً عبر “خطة دفاع الشرق الأوسط” و “حلف بغداد” بعامي 1951 و 1955، الذي اقترحت مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية في قمة الحلف بنيسان/ أبريل 1990 مدّ مهامه إلى أبعد من القارة الأوروبية، وهو ما تمت المصادقة عليه. كانت “سياسة الاحتواء المزدوج لطهران وبغداد” التي اتبعتها إدارة كلينتون منذ عام 1993، ثم أتبعتها بـ (قانون داماتو) للعقوبات ضد طهران عام 1995، ناتجة عن عدم حصول احتواء غربي لهما بعد، وعن نية أميركية باتجاه ذلك.
في عام 2002 تخلت واشنطن عن (الاحتواء المزدوج) من خلال إشراك طهران في الخطط الأميركية لغزو العراق، وليحل التشارك، بعد هذا التخلي، في غزو العراق بين واشنطن وطهران، ثم لتجري إدارة مشتركة منهما للعراق المحتل بدأت في (مجلس حكم) بول بريمر عام 2003، ثم أكثر ما مثّلت هذه الشراكة حكومة نوري المالكي في عام 2006، ثم مال المالكي نحو طهران، لوضع أوراقه كلها في سلتها بعد الانسحاب الأميركي العسكري من العراق أواخر عام 2011.
كان احتلال بغداد في 9 نيسان/ أبريل 2003 بداية لاشتعال حرائق المنطقة، ومن ثم اشتعال الإقليم برمته. أصبحت واشنطن في مرحلة (ما بعد بغداد 9 نيسان 2003) قوة إقليمية شرق أوسطية من الناحية الفيزيائية، وذلك عبر مئات آلاف الجنود الأميركان في بلاد الرافدين. وقد أعلن وزير خارجيتها كولن باول قبيل قليل من غزو العراق بأن الهدف الأميركي هو “إعادة صياغة المنطقة من جديد”. بعد إزاحة صدام حسين، ومن خلال امتداداتها العراقية المحلية، التي كانت أقوى من الامتدادات الأميركية، أصبحت إيران هي اللاعب الأقوى في بلاد الرافدين، ثم أصبحت عملياً بعد الانسحاب العسكري الأميركي باليوم الأخير من 2011 اللاعب الوحيد هناك تقريباً. وليس بعيداً عن الواقع القول الذي أطلقه عام 2013 الجنرال رحيم صفوي، القائد السابق لـ “الحرس الثوري الإيراني”، بأن إيران هي “الدولة الإقليمية العظمى”، وهذا قد حصل من خلال “البوابة البغدادية”.
كان من المتوقع، وبعد أن أصبحت سوريا بين حريق لبناني 1975-1990، وحريق عراقي بدأ منذ عام 2003، أن تكون أول المشتعلين، بعد أن أصبحت مثل أرض بين أرضين تحترقان، وخاصة بعد أن عاد لبنان للاشتعال من جديد بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، وقد كان اشتعالاً لبنانياً داخلياً بمساندة أميركية وفي مواجهة دمشق، ولكن لم يحصل ذلك الاشتعال السوري في عام 2005.
كان أول حريق، أتى بفعل تداعيات الزلزال العراقي، هو الحريق الحوثي الذي اشتعل في حزيران/ يونيو 2004 بصعدة ضد صنعاء علي عبد الله صالح وقاد إلى ستة حروب، وكانت الحركة الحوثية منذ التسعينيات هي بمثابة كسر أيديولوجي – سياسي للوسطية الزيدية بين السنة والشيعة وركوب في المصعد الإيراني الصاعد.
الحريق الثاني جرى في بيروت خريف 2004 – ربيع 2005 لما اتجهت واشنطن إلى تدفيع دمشق، الرافضة لغزو واحتلال العراق، فاتورة لبنانية باهظة انهار من خلالها التوافق الأميركي – السوري، البادئ لبنانياً ليس من (اتفاق الطائف) عام 1989، بل الذي يعود إلى أيام الدخول العسكري السوري للبنان عام 1976، وهو ما قاد لانقسام لبنان بين فريق (14 آذار) و (8 آذار).
الحريق الثالث كان في حرب صيف 2006 بلبنان والتي كانت حرباً بالوكالة بين واشنطن وطهران، بعد أن اتجهت إيران، متحصِّنة بمكاسبها العراقية، إلى كسر تحالفها مع واشنطن الحاصل في العراق عام 2003، عبر استئناف برنامجها بتخصيب اليورانيوم منذ 8 آب/ أغسطس 2005. قاد ابتعاد طهران عن واشنطن في عموم الإقليم إلى اختلال التوازن بين معسكري (14 آذار) و (8 آذار) في لبنان، وبالتالي إلى اقتراب لبنان، مع تكاتف دمشق وطهران ضد واشنطن في بلاد الأرز، من حافة الانفجار، كما جرى في كانون الثاني 2007 في منطقة (الجامعة العربية) وجوارها، ثم كاد لبنان أن ينفجر في 7 أيار/ مايو 2008، لولا الإطفائيات التي جرت بعد أسبوعين من ذلك في (مؤتمر الدوحة) وقادت إلى ملء الفراغ الرئاسي. في مرحلة (ما بعد 7 أيار 2008) عاش لبنان ولا يزال في وضعية الحريق الكامن ولكن الذي لا يراد له، دولياً وإقليمياً، أن يشتعل.
بين يومي 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 و 18 آذار/ مارس 2011 انفجرت خمسة مجتمعات عبر اشتعال خمسة حرائق ما زالت مشتعلة بدرجات مختلفة: تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا. بفعل الحريق السوري عاد العراق للاشتعال، بعد تسكين 2007 – 2011 الذي حصل عقب أن مال سنة العراق العرب إلى المشاركة في العملية السياسية وتشكيل ثلاثية للحكم، بدلاً من ثنائية الشيعة – الكرد التي صعدت بفعل طهران وواشنطن في عراق ما بعد صدام حسين، قبل أن يُفشِل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وطهران تلك الثلاثية لصالح الانفرادية الشيعية مع الانسحاب العسكري الأميركي أواخر 2011، وقد كان حريق “داعش أبو بكر البغدادي” بعامي 2014 -2015 أقوى من حريق “قاعدة أبو مصعب الزرقاوي” في فترة 2004 – 2006.
في حرائق المنطقة ومواضعها الجغرافية المشتعلة يُلاحظ أن الفاعلين الأكبرين، أي واشنطن وطهران، هما اللذان انتصرا بسقوط النظام العراقي في 9 نيسان/ أبريل، ثم يأتي لاعبون آخرون. قادت موصل 10 حزيران/ يونيو 2014 وسقوطها بيد “داعش” إلى تقارب إيراني – أميركي جديد في بلاد الرافدين، شبيه بما كان في فترة 2003 – 2011، ولكن طهران أصبحت عراقياً أضعف بالقياس لفترة (ما قبل الموصل)، لذلك اضطرت للتخلي عن المالكي والتضحية به في آب/ أغسطس 2014. وعندما تشجّعت طهران للرد على ضربة الموصل بضربة تعويضية في صنعاء عبر سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية في 21 سبتمبر/ أيلول 2014، مستغلةً التناقض السعودي مع التنظيم الإخواني: (حزب التجمع اليمني للإصلاح) وهو الداعم الرئيسي للرئيس عبد ربه منصور هادي، فقد كان هذا إيذاناً بحريق يمني جديد بدرجة اشتعال كبيرة، قبل أن يتحول منذ يوم 26 مارس/ آذار 2015 إلى حريق بأبعاد دولية – إقليمية كبيرة، مع الحرب التي شُنّت بتحالف السعودية – الإمارات على الحوثيين، قبل أن تتفارق الرياض وأبو ظبي في الساحة اليمنية منذ عام 2020، ثم تصطدما في الجنوب اليمني بالشهر الأول من عام 2026.
عندما نفحص آليات اشتعال الحرائق في منطقة الشرق الأوسط، نجد التالي: تأتي الحرائق في أغلب الحالات، وليس كلها، بفعل تداعيات نهوض قوة إقليمية في وجه قوة دولية مهيمنة على المنطقة ساندتها أو تعاونت معها في نهوضها، ثم تصادمت معها، وتأتي الحرائق الداخلية والإقليمية أحياناً بفعل تلاقيهما ونتائجه، وأحياناً بفعل تصادمهما. حصل هذا من طهران بالتحالف مع واشنطن بفترة 2003 – 2005، مما أشعل الداخل العراقي ضد (العراق الجديد) عبر اتجاه السنة العرب، الذين حكموا بغداد منذ عام 1921، إلى دعم (تنظيم القاعدة) في مرحلة ما بعد سقوط صدام حسين، ومن ثم اشتعل الإقليم على وقع تصادم واشنطن وطهران مع استئناف إيران برنامج تخصيب اليورانيوم في شهر آب/ أغسطس 2005، اندلاع حرب 2006 في لبنان التي كانت حرباً بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران، وغزة ما بعد سيطرة حماس على القطاع في حزيران/ يونيو 2007، وإن استمر توافق واشنطن وطهران في عراق 2003 – 2011 قبل أن تتفارقا عراقياً، ثم تتهادنا عبر الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، الذي كان أحد مشجعاته وحوافزه هو تلاقي واشنطن وطهران ضد داعش عقب سقوط الموصل، ثم اتجهتا للصدام مع انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، ثم اصطدمتا بحربي 2025 و 2026 في شرق أوسط ما بعد 7 أكتوبر 2023.
في الخمسينيات، حصل هذا من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر ضد لندن، ومعها باريس، في عامي 1955 – 1956، وعندها جرى استقطاب إقليمي وقفت فيه بغداد وأنقرة مع لندن، وتحالفت الأخيرة مع باريس وتل أبيب لتوجيه ضربة قاضية إلى الزعيم المصري. كانت واشنطن وموسكو لهما مصلحة مشتركة في غروب شمس لندن وباريس عن السماء العليا للعلاقات الدولية، لذلك كان انتصار عبد الناصر في حرب 1956 بفضل البيت الأبيض والكرملين، مما منع ترجمة الهزيمة العسكرية الحاصلة للمصريين في سيناء 1956 إلى ترجمات سياسية. قاد صعود قوة عبد الناصر، منذ (ما بعد حرب السويس)، إلى مدٍّ مصري في عموم المنطقة شبيه بالمدّ الإيراني بمرحلة (ما بعد بغداد 9 نيسان 2003).
أيضاً البيت الأبيض بدأ بالتوجس من عبد الناصر بعد قليل من (السويس)، وخاصة بعد أن امتدّ عبد الناصر لدمشق 1957 – 1958، وعمَان لغاية نيسان 1957، وبيروت التي اشتعل حريقها في أيار/ مايو 1958 بعد قليل من الوحدة المصرية – السورية، وبغداد 14تموز 1958التي سقط حكمها عبر ائتلاف سياسي – عسكري لشيوعيين وعروبيين قبل تصادمهما منذ خريف 1958.
ثم كانت هناك بداية لتوافق إقليمي، بين القوة الدولية الأكبر (واشنطن) والقوة الإقليمية الأكبر (القاهرة)، ظهر في اتفاق أيلول 1958 الذي قاد إلى إطفاء الحريق اللبناني من قبل القاهرة وواشنطن، بفعل مخاوفهما من صعود المدّ الشيوعي في بغداد ما بعد 14 تموز 1958، وهو ما تُرجم في توافقهما على انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية، الأمر الذي أثمر عن جعل بيروت عاصمة مصرفية للشرق الأوسط، ولكن مع أن يكون السفير المصري عبد الحميد غالب “مثل المندوب الفرنسي السامي” وفق تعبير العميد ريمون إدة، ومن ثم أثمر عن انقلاب 8 شباط 1963بجهد أميركي – مصري لقلب سلطة عبد الكريم قاسم المدعوم من الشيوعيين في بغداد.
أما في اليمن، فقد قادَ انقلاب 26 سبتمبر 1962، والحرب الأهلية بين الجمهوريين والملكيين وما ولّدته من “حرب باردة عربية” بين مصر والسعودية على الأرض اليمنية، إلى انكسار التقاربات المصرية – الأميركية، وإلى اقترابات جديدة للقاهرة من موسكو منذ زيارة خروتشوف لمصر أيار/ مايو 1964 بعد خصام سوفياتي – مصري بدأ في صيف 1958، وقادَ أيضاً إلى تقارب واشنطن مع تل أبيب منذ زيارة ليفي أشكول لواشنطن في حزيران/ يونيو 1964، وهي أول زيارة لرئيس وزراء إسرائيلي إلى البيت الأبيض، حيث وقع مع الرئيس ليندون جونسون “مذكرة تفاهم” دشنت تحالفاً استراتجياً بين واشنطن وتل أبيب لم يكن موجوداً في زمن سلف أشكول، أي ديفيد بن غوريون (استقال عام 1963)، كان من نتائجها توجيه أميركا، عبر الوكيل الإسرائيلي، ضربة للقوة الإقليمية الأكبر (مصر) عبر حرب حزيران 1967، والتي كانت أيضاً هزيمة لموسكو حليفة عبد الناصر لصالح واشنطن التي كانت تتوجع في فييتنام.
في حربي حزيران 2025 وفي حرب الأربعين يوماً عام 2026، تصادمت القوة الدولية الأكبر (واشنطن) مع القوة الإقليمية الأكبر (طهران)… كيف ستكون نتائج اتفاقهما عبر (مذكرة التفاهم) الموقعة ألكترونياً في 14 حزيران/ يونيو 2026؟… أي: هل ستكون نتائجها مثل اتفاقهما عام 2015 وما ولّده من تداعيات إقليمية أغمضت واشنطن خلالها عينيها عن التمدد الإقليمي الإيراني، ثم يكون اتفاقهما هذا قصير المدة مثلما جرى مع دونالد ترامب، لما اتجه لمواجهتها منذ عام 2018، ثم استأنف مواجهته معها مع عودته للبيت الأبيض في تلك الحربين؟… هذا شيء رأيناه بين واشنطن والقاهرة، عندما دعمت الولايات المتحدة عبد الناصر في حرب 1956، ثم تحالفت معه ضد الشيوعيين في سوريا والعراق بفترة 1958 – 1963، ولكنها مع تمدّده الإقليمي الذي وصل لليمن عام 1962، والجزائر بعد استقلال 1962، وحتى العراق مع حكم عبد السلام عارف منذ 8 تشرين الثاني 1963، فقد اتجهت لمواجهته بمعاونة إسرائيل منذ عام 1964.
كخلاصة استنتاجية: من الصعب تساكن قوة دولية عظمى مع دولة إقليمية كبرى مستقلة في منطقة الشرق الأوسط. هذا رأيناه من بريطانيا مع محمد علي باشا بالقرن التاسع عشر، ثم رأيناه بين أميركا وجمال عبد الناصر، وأخيراً من الأميركان مع إيران علي خامنئي، وفي أغلب الأحيان تأتي الحرائق من تصادمهما.





