مسلم طالاس
في الخطابات الاقتصادية الصادرة عن رؤساء الدول، لا تُقرأ الأرقام بوصفها مجرد معطيات وصفية، بل باعتبارها جزءاً من بناء سردية عامة حول الواقع والاتجاهات المستقبلية. فهي لا تكتفي بتوصيف الحالة الاقتصادية، بل تسهم في تشكيل توقعات المجتمع، وتحديد ما يفترض اعتباره تقدماً أو تعافياً. من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى مقاربة الخطاب الاقتصادي الذي نُقل عن الرئيس السوري أحمد الشرع عقب صلاة عيد الفطر، بوصفه نصاً اقتصادياً-سياسياً يستحق الفحص (من منظور الاقتصاد والاقتصاد السياسي) من حيث اتساقه الداخلي، والعلاقة بين مؤشراته، ومدى توافقه مع بعض العلاقات الأساسية المعروفة في الاقتصاد الكلي. وتعتمد هذه القراءة على ما ورد في التغطيات المنشورة للخطاب، مع التحفظ المنهجي إزاء أي فروق محتملة بين النص الأصلي وصيغه المختصرة في الإعلام.
الفرضية الأولى التي ينطلق الخطاب منها، والتي تبدو متماسكة بدرجة كبيرة، هي أن الدولة ورثت وضعاً اقتصادياً وخدمياً متردياً على مختلف المستويات. لكن المفارقة اللافتة هي الانتقال السريع من ذلك الوضع المتردي إلى عرض صورة تعافٍ ملحوظ، تتضمن تحقيق معدلات نمو مرتفعة قدرت بنحو 30 إلى 35 بالمئة، وارتفاع الناتج المحلي إلى نحو 32 مليار دولار. وتذهب التغطيات الإعلامية إلى أن الخطاب تضمن توقعات بارتفاع الناتج إلى نطاق يتراوح – بحسب اختلاف النقل – بين 50 و65 مليار دولار خلال أفق زمني قريب جداً ولافت، خلال عام 2026، أي في غضون سنة واحدة، بما يوازي تقريباً العودة إلى مستويات عام 2010.
ما ذكر أعلاه يطرح، من الناحية التحليلية، سؤالاً مهماً يتعلق بمدى اتساقه مع العلاقة الأساسية بين النمو والاستثمار. فإذا أُخذت هذه الأرقام على علاتها، فإن زيادة الناتج من نحو 32 مليار دولار إلى ما يقارب 60 مليار تعني إضافة ما بين 25 و30 مليار دولار خلال فترة قصيرة. وفق الحد الأدنى المتعارف عليه عالمياً لمعامل رأس المال إلى الناتج، والذي يقدر بنحو 3، فإن تحقيق هذه الزيادة يتطلب استثمارات تتراوح تقريباً بين 75 و90 مليار دولار. وهذه نتيجة حسابية مباشرة لعلاقة معروفة في الاقتصاد الكلي.
هذا يقودنا مباشرة إلى مسألة الطاقة الاستيعابية للاقتصاد. لا يستطيع أي اقتصاد استيعاب هذا الحجم من الاستثمارات خلال فترة قصيرة، حتى لو توفرت الأموال. فاقتصاد بحجم 30 إلى 32 مليار دولار لا يمكنه عملياً استيعاب أكثر من 10 إلى 15 مليار دولار من الاستثمارات سنوياً في أفضل الأحوال، نظراً للقيود المرتبطة بالبنية التحتية، والقدرات التنفيذية، والكوادر والطاقات البشرية، وسلاسل التوريد. وبالتالي، فإن الفجوة بين الاستثمار المطلوب (حتى 90 مليار دولار) والاستثمار الممكن امتصاصه فعلياً تعكس عدم توافق بين الطموح الكمي والقدرة الهيكلية للاقتصاد.
وتزداد أهمية هذا المفهوم في ضوء ما ورد في الخطاب نفسه من إقرار بأن الواقع الخدمي ما يزال متردياً، وأن حجم الاحتياجات واسع، وأن إعادة تأهيل القطاعات الأساسية تتطلب وقتاً. فهذا الإقرار يشير ضمناً إلى أن الشروط المادية والتنظيمية اللازمة لتنفيذ استثمارات واسعة النطاق لم تستكمل بعد. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحديث عن استيعاب استثمارات ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة يطرح إشكالية تتعلق بمدى توافق التوقعات الكمية مع القدرات التنفيذية التي يعترف الخطاب نفسه بأنها ما تزال قيد إعادة البناء.
حتى إذا تجاوزنا مسألة القدرة الامتصاصية يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: من هي الجهة القادرة على توفير هذا الحجم من الاستثمارات خلال فترة قصيرة؟ فالاستثمارات التي تتراوح بين 75 و90 مليار دولار خلال سنة واحدة لا يمكن أن تأتي إلا من مصادر محدودة، كالمؤسسات المالية الدولية، أو الدول، أو الشركات العالمية الكبرى. غير أن البيئة الاقتصادية السورية، كما تعرف حالياً، ما تزال محكومة بجملة من القيود، من بينها آثار العقوبات، وارتفاع مستوى المخاطر، وعدم اكتمال البنية المؤسسية، وضعف وضوح القواعد التنظيمية. وفي مثل هذا السياق، يصبح من الصعب تصور تدفقات استثمارية بهذا الحجم، دون وجود مستوى عالٍ من الضمانات القانونية والمؤسسية.
إن جاذبية الاستثمار لا تقوم فقط على وجود فرص، بل على توافر ما يعرف بالثقة المؤسسية، التي تشمل استقرار القوانين، وشفافية الإجراءات، وإمكانية إنفاذ العقود، وقابلية تحويل الأرباح. وهذه العناصر تمثل شرطاً أساسياً لأي استثمار واسع النطاق. ومن دون إعادة بناء هذه الثقة، فإن الحديث عن استثمارات ضخمة خلال فترة قصيرة يبقى أقرب إلى فرضية نظرية أو أمنيات وشعارات منه إلى مسار اقتصادي قابل للتحقق.
قد يقول قائل إنه في سياق الاقتصادات الخارجة من النزاعات (إن اعتبرنا الاقتصاد السوري قد خرج من النزاع وهو موضوع محل جدل) قد تسجل معدلات نمو مرتفعة لفترات قصيرة، وهو طرح يجد دعماً في بعض التجارب الدولية. إلا أن هذا النوع من النمو – الذي يُوصف عادة بالنمو الارتدادي أو أثر العنقاء – ينتج أساساً عن إعادة تشغيل طاقات إنتاجية كانت معطلة، أو استئناف النشاط التجاري، أو تحسن نسبي في البيئة الأمنية. وهو، لذلك، قد يحقق نسباً مرتفعة انطلاقاً من قاعدة منخفضة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الاستثمار عند الحديث عن توسع كبير في الناتج، ولا يفسر بمفرده قفزة تقارب مضاعفة حجم الاقتصاد خلال فترة زمنية قصيرة.
إذا انتقلنا إلى المؤشرات المالية، يظهر نمط آخر من التباينات. فالخطاب، وفق ما نُقل، يشير إلى أن الإنفاق الحكومي بلغ نحو 2 مليار دولار في عام 2024، ثم ارتفع إلى 3.5 مليارات دولار، مع إقرار موازنة لعام 2026 بقيمة 10.5 مليارات دولار. في الوقت نفسه، يتضمن الخطاب الإشارة إلى تسجيل فائض في الموازنة، وإلى التوجه لتخصيص ما لا يقل عن 3 مليارات دولار للبنية التحتية من الإنفاق الحكومي المباشر، إضافة إلى رفع الأجور بنسبة 50%، وتخصيص نحو 40% من الموازنة للخدمات.
من حيث المبدأ، لا يمثل أي من هذه المؤشرات بمفرده إشكالاً تحليلياً، لكن الإشكالية تظهر عند النظر إليها مجتمعة. فالجمع بين فائض مالي وتوسع سريع في الإنفاق وزيادة في الأجور وتمويل مشاريع بنية تحتية واسعة يفترض وجود قاعدة إيرادات كبيرة ومستقرة. كذلك هناك مفارقة تحقيق فائض في الوقت الذي اعتمدت الحكومة على الخارج في دفع الرواتب وتشتكي من قلة الإيرادات وتتأخر في دفع الرواتب. كذلك فإن الخطاب، كما نُقل، لا يقدم تفصيلاً كافياً لطبيعة هذه الإيرادات: هل هي إيرادات ضريبية متنامية؟ أم عوائد موارد طبيعية؟ أم إيرادات استثنائية غير متكررة؟ غياب هذا التوضيح يجعل مفهوم “الفائض” غير كافٍ بحدّ ذاته لتقييم الوضع المالي، لأنه لا يحدد ما إذا كان هذا الفائض يعكس تحسناً هيكلياً أم وضعاً مؤقتاً، بل إنه قد يؤشر لكارثة؛ هي أن تحقّقَ فائضاً في دولة تعاني من آثار دمار الحرب الأهلية وهذا العدد من المخيمات والنازحين الذين ينتظرون العودة.
ويظهر نمط مشابه من التداخل في عرض مؤشرات الأجور. فالخطاب يشير إلى زيادة عامة بنسبة 50%، لكنه يربطها أيضاً بزيادات أعلى عند احتساب تحسن سعر الصرف، وبزيادات نوعية لبعض الفئات. من الناحية التحليلية، هذه ثلاثة مستويات مختلفة: الزيادة الاسمية في الأجر، والتغير في قيمته الحقيقية عبر سعر الصرف، والتفاوت بين الفئات. عرض هذه المستويات ضمن إطار واحد قد يعطي انطباعاً بتحسن شامل، رغم أنها لا تقيس البعد نفسه، ولا يمكن جمعها دون تحليل تأثير التضخم ومستوى الأسعار على القوة الشرائية.
ولتقييم دقة الأرقام المطروحة بشأن زيادات الأجور، يمكن إجراء حساب مبسط يجمع بين الزيادة الاسمية والتضخم وتحسن سعر الصرف. فإذا افترضنا أن الراتب الأصلي يساوي 100 وحدة، فإن زيادة بنسبة 200% تعني ارتفاعه إلى 300. وبأخذ معدل تضخم سنوي يقارب 15% في عام 2025، فإن القيمة الحقيقية لهذا الراتب تصبح نحو 300 ÷ 1.15 ≈ 261، أي أن الزيادة الحقيقية في القوة الشرائية تقارب 161% مقارنة بالمستوى الأصلي، وليس 200%.
أما إذا أُخذ في الاعتبار تحسن سعر الصرف بنحو 18%، فإن القيمة الاسمية المعدلة تصبح 300 × 1.18 ≈ 354، أي ما يعادل زيادة تقارب 254% مقارنة بالأصل. وفي حال إضافة الزيادة الجديدة البالغة 50% (والتي لم تُصرف بعد)، يرتفع الراتب إلى 450، ثم إلى نحو 450 × 1.18 ≈ 531 عند احتساب أثر سعر الصرف، أي زيادة تقارب 431% مقارنة بالمستوى الأصلي. ومع إدخال عامل التضخم في هذا السيناريو، تصبح القيمة الحقيقية نحو 450 ÷ 1.15 ≈ 391، أو نحو 462 بعد احتساب سعر الصرف، أي ما يعادل زيادة فعلية تقارب 360% تقريباً.
هذه الحسابات تظهر أن الأرقام المرتفعة التي تُطرح في الخطاب العام – مثل الحديث عن زيادات تصل إلى 550% – تتجاوز ما يمكن استخلاصه من المؤشرات الفعلية حتى عند الجمع بين الزيادات الاسمية وتحسن سعر الصرف، فضلاً عن أن هذا الجمع نفسه يخلط بين متغيرات مختلفة لا تقيس البعد ذاته، إذ إن القوة الشرائية ترتبط أساساً بالتضخم المحلي لا بسعر الصرف وحده.
إلى جانب ذلك، يعتمد الخطاب على مقارنة الناتج المحلي بمستواه في عام 2010، بوصف ذلك مؤشراً على استعادة الاقتصاد لعافيته. غير أن هذه المقارنة، رغم رمزيتها، تتطلب تفكيكاً تحليلياً. فالناتج المحلي المقاس بالدولار قد يتأثر بعوامل نقدية مثل سعر الصرف، أو بتغير منهجيات الحساب، أو بطبيعة الأنشطة الاقتصادية المسيطرة. وبالتالي، فإن العودة إلى رقم اسمي لا تعني بالضرورة استعادة البنية الاقتصادية التي أنتجت هذا الرقم سابقاً، سواء من حيث الإنتاج الصناعي، أو التشغيل، أو مستوى الخدمات.
وفي مستوى آخر، يظهر نوع من عدم التوازن في درجة اليقين التي يمنحها الخطاب لمختلف المؤشرات. فالتوقعات المتعلقة بالناتج المحلي تُعرض بدرجة عالية من الثقة، في حين يُعرض الواقع الخدمي والمعيشي بلغة أكثر تحفظاً، تؤكد أن حجم الاحتياجات واسع وأن الإصلاح يتطلب وقتاً. من الناحية المنهجية، يُفترض أن تكون المؤشرات المتعلقة بالواقع القائم أكثر قابلية للقياس المباشر، في حين تبقى التوقعات المستقبلية عرضة لعدم اليقين. هذا التباين في عرض مستويات اليقين يعكس، بدوره، خللاً في ترتيب الأولويات التحليلية داخل الخطاب.
هناك نقطة أخرى مهمة يجب إثارتها هنا هي العلاقة بين المؤشرات الكلية والواقع المعيشي. فالخطاب نفسه يقرّ باستمرار الصعوبات التي يواجهها المجتمع، وبالحاجة إلى وقت لمعالجة التدهور الخدمي. في هذه الحالة، يصبح السؤال ليس فقط حول دقة الأرقام، بل حول طبيعة النمو المعلن: هل هو نمو واسع القاعدة ينعكس تدريجياً على التشغيل والخدمات، أم أنه يتركز في مجالات محددة لا تنتقل آثارها إلى الاقتصاد الأوسع؟
هنا تبرز أهمية البنية التي يُدار عبرها الاقتصاد. فالمؤشرات المتاحة تشير إلى أن قنوات الدخول إلى النشاط الاقتصادي، سواء عبر التجارة أو عبر العقود العامة، تمرّ بدرجة كبيرة عبر مؤسسات مركزية ترتبط مباشرة بمراكز القرار، وفي بعض الحالات خارج الأطر الوزارية التقليدية. في مثل هذا السياق، قد يرتفع حجم النشاط الاقتصادي وتتحسن بعض المؤشرات، دون أن يعني ذلك توسعاً متوازناً في القاعدة الإنتاجية أو في عدد الفاعلين الاقتصاديين. أي أن جزءاً من النمو المحتمل قد يعكس إعادة تنظيم التدفقات الاقتصادية أكثر مما يعكس توسعاً في الاقتصاد نفسه.
في ضوء ما سبق، لا تهدف هذه القراءة إلى نفي وجود أي تحسن اقتصادي، بل إلى اختبار مدى اتساق السردية التي تُعرض بها هذه المؤشرات. وعند إجراء هذا الاختبار، تظهر مجموعة من التباينات: بين النمو المعلن والاستثمار اللازم لتحقيقه، بين التوسع في الإنفاق ومفهوم الفائض، بين الزيادات الاسمية في الأجور والتحسن الفعلي في المعيشة، وبين الثقة العالية في التوقعات الكلية والتحفظ في وصف الواقع الاجتماعي. هذه التباينات لا تنفي إمكانية وجود تحسن جزئي، لكنها تجعل من الصعب التعامل مع الخطاب بوصفه إطاراً تفسيرياً متكاملاً.
وبذلك، يبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: ليس ما إذا كانت بعض المؤشرات قد تحسنت، بل ما إذا كان هذا التحسن – إن وُجد – يتّسق مع الشروط التي تجعله قابلاً للاستمرار، وقادراً على الانعكاس في حياة الناس. فبدون هذا الاتساق، تبقى الأرقام مؤشرات جزئية، وتبقى السردية الاقتصادية أكبر من قدرتها على التفسير.





