شورش درويش
يبدو أن واشنطن لا تمتلك خطة واضحة للتعامل مع الأحزاب الكردستانية الإيرانية، ولا تحمل كذلك رؤية حول مستقبل الكرد في إيران، إذ ثمة ارتجال طغى على المشهد الأخير عبر الاتصال الأميركي المتأخر بقيادات تلك الأحزاب. فوق ذلك، ظهر ترامب متردداً في مسألة إقحام الكرد في معركة لا يُعرف متى تنتهي وعلى أيّ نحو ستسير، وهو أمر يثير قلق الأحزاب الكردستانية داخل وخارج إيران، خاصّة أن للكرد تجربة “نصف مريرة” مع واشنطن في سوريا قبل قليل من إعلان الحرب على إيران.
إلى ذلك، ثمة بعض تجارب التخلّي التاريخية في لحظات حرجة، إذ لا يكاد ينسى كرد إيران واقعة الدعم الأميركي لطهران البهلوية في مواجهتهم، وذلك لمّا طلب رئيس جمهورية كردستان (مهاباد) قاضي محمد في أيلول/سبتمبر 1946 من السفير الأميركي جورج آلن دعم مطالب الكرد أو على الأقل ألّا تسعى واشنطن إلى معاداتهم، إذ كان الكرد يطمحون لأن تحظى إيران بنظام “فيدرالي” أسوةً بالنظام الأميركي، غير أن العكس تماماً هو الذي حصل حين دعمت واشنطن العمليات العسكرية الإيرانية واعتبرتها أعمالاً مشروعة. ويقرأ كرد إيران أيضاً كيف انسحب وزير الخارجية هنري كيسنجر عن دعم الثورة الكردية في كردستان العراق وقرّب المسافة بين النقيضين، محمد رضا بهلوي وأحمد حسن البكر، ثم كيف أدارت واشنطن ظهرها للزعيم الكردي عبد الرحمن قاسملو وحرّمته من الدعم العسكري، وخلا عرضها تزويد البشمركة ببضع قطع من صواريخ ستينغر المحمولة على الأكتاف، والتي رفضها بطبيعة الحال قاسملو لأنها لن تفضي إلّا إلى تحطيم المدن والقرى الكردية، فإن واشنطن أبقت علاقاتها مع الديمقراطي الكردستاني (إيران) دون المستوى المطلوب، وكانت تصف قاسملو “بالمشاغب اليساري” حتى منحته “فيزا” زيارة واشنطن، التي لم يزرها، وذلك قبل اغتياله بأيام.
بدا ترامب مرتبكاً في تواصله مع القيادات الكردية خلال اليومين الأوّلين لقصف طهران، فمن ناحية، يرى ترامب أن الكرد مقاتلون جيّدون، ولكنه في إزاء ذلك لا يريد أن تتكثّف جهود بلاده حول دعم الكرد بطريقة تؤسس لكيانية سياسية كردية مكلفة على واشنطن التي، بعكس تل أبيب، لا تفكّر في تفكيك الكيان الإيراني بالنظر إلى حجم التحديات الداخلية ورفض الجوار الإقليمي لمثل هكذا مسعى، فوق أن التخلّي عن الكرد بعد تقديم الدعم والتعهدات قد ينقلب إلى صورة مجسّدة لهزيمة ترامب في إيران، وربما في المنطقة.
لا يمكن الإحاطة بالشأن الكردي في إيران دون الأخذ بالحسبان الظرف الإقليمي غير المرحّب بإيجاد طبعة جديدة للحكم الذاتي الكردي في جزء كردستاني آخر، ويعني هذا أن تركيا تقف إلى اليمين من الدول الإقليمية التي ترفض المساس بسيطرة طهران المركزية على سائر الأراضي الإيرانية، رغم أن حجّة أنقرة الرسمية تبدو باهتة بالنظر إلى التعددية السياسية الكردستانية في إيران وتناظر بعض الأحزاب لجهة الوزن العسكري والسياسي والجماهيري، ما يعني أن “شمّاعة” حزب الحياة الحرّة الكردستاني (PJAK)، لن تكون ذات فائدة للتدخّل قياساً بذريعة محاربة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب التي استعملتها أنقرة على نحو محموم للنيل من التطلّعات الكردية السورية.
تتباين مواقف الأحزاب الكردستانية من قصة توسّل الدعم الأميركي-الإسرائيلي، لكنها رغم تباينها تقرأ المشهد بعقل مليء بالشك والحذر، إذ ما يزال النظام قادراً على إدارة الصراع، وفرص بقائه، وإن تحوّل إلى شبح نظام سابق، ما تزال قائمة، وهو ما يملي على القوى الكردستانية اتخاذ صيغة “الطريق الثالث”، سواء أعلنت ذلك أم لا. يزيد من حظوظ ذلك أن المعارضة الإيرانية لا تقدّم تطمينات لازمة حول مستقبل كردستان، وهناك أيضاً احتمال أن تبدّل طهران من سياساتها تجاه واشنطن وأن تصل إلى تسوية في الرمق الأخير حال شعورها بخطر داخلي لتقوم بالتفاهم مع الخارج لأجل تحطيم الداخل وقهر التطلّعات الكردية.
في المخيال السياسي والاجتماعي الإيراني ثمة انعدام ثقةٍ ممزوجٌ بالشك والريبة من فكرة التعاون مع الخارج، أيّاً يكن ذلك الخارج. ويمكن تفسير هذه المسألة بأنها انعكاس للمشاعر الوطنية الإيرانية، وأن الإيرانيين، وإن فرحوا لاغتيال قيادات بلادهم، إلّا أنهم لا يرون في الدور الخارجي المؤثّر أكثر من كاسحة ألغام تمهّد لهم الطريق لإعادة بناء إيران جديدة ومستقلّة. ولا تكاد هذه المسألة تقتصر على العنصر الفارسي وحسب، بل تمتدّ أيضاً إلى كافة الإثنيات القومية وشبه انعدام ثقتها بفكرة التعاون غير المشروط مع الخارج. في مقابل ذلك، يمكن الحديث عن انعدام ثقة كردية يكاد يمتدّ على قرابة قرن عصفت به الكثير من حالات “خيانة” الأنظمة المتعاقبة، وسواء كانت طهران تحت الضغط أم لا، فإن المسألة يمكن أن تفسّر في ضوء عدم ثقة الكرد التاريخية بالنظام الإيراني؛ فمنذ أن وعد رئيس وزراء الشاه رضا خان، “قوّام السلطنة”، وهو الرجل الذي ساهم في الإجهاز على التجربة الكردية، قاضي محمّد، بالاستجابة للمطالب القومية الكردية وتوسيع رقعة جمهورية كردستان لتتجاوز مساحة مهاباد، والجانب الكردي متشكّك بوعود السلطة وجدّيتها في معالجة القضية الكردية؛ فقد اغتالت طهران قياداتٍ عشائرية وسياسية على اختلاف توجهاتها، ويأتي تلميح الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان بتوسيع صلاحيات المحافظات خلال فترة الحرب كإغراء باهت إن لم نقل إن أوانه قد فات بالنسبة للكرد.
هناك جانب آخر ملحوظ في خضم المخاوف الكردية من المضي في التصعيد العسكري وهو وجود انقسام اجتماعي/سياسي يتمثّل بأدوار “الجاش” الكرد (المتعاونون مع النظام الإيراني)، وهم إلى جانب المناقبية والحيثية الاجتماعية والسياسية والمنافع المالية التي حازوها، لم يقرّروا الانضمام إلى الجهود الكردية القومية الداعية إلى الانشقاق عن النظام، ولعل عملية الانشقاق هي إحدى المؤشّرات الحيوية عن قرب دنوّ أجل النظام، على ما حصل في العراق عام 1991.
في الغالب، تخلّت واشنطن عن تصوّراتها لإنهاء الحرب بطريقة الزحف البرّي، فالحرب وفق الخط البياني لها لن تكون برية أو بحاجة لتداخل جراحي عسكري على الأرض، سواء كان تدخّلاً مباشراً أم عبر الحلفاء. وهنا تتناقص أهمية الاعتماد على الأحزاب الكردستانية المؤتلفة في شباط/فبراير الماضي، خاصة وأن تلك الأحزاب طالبت بسلسلة ضمانات من بينها تأمين غطاء جوّي وتزويدها بالأسلحة الثقيلة والمدرّبين وفتح أفق التعاون مع واشنطن ليصبح سياسياً ولا يقتصر على الدعم العسكري واللوجستي. بهذا المعنى، لم تعد كردستان الأرض الأثيرة التي يمكن أن تبدأ منها عملية إسقاط النظام الإيراني، وهو ما لم تعد تفضله القوى الكردستانية أيضاً لخشيتها من جملة نتائج كارثية من بينها أنها ستصبح وفق هذا الشكل “عدوّاً داخلياً” متعاوناً مع الخارج ويعمل بدلالته القومية وبدون غطاء وطني معارض، وكل ذلك في ظل عداء إقليمي لفكرة إعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني على أسس فيدرالية.





