• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

المؤامرة والعنصرية: هل مناهضة “معاداة السامية” مجاملة لإسرائيل؟

20 مارس 2026
المؤامرة والعنصرية: هل مناهضة “معاداة السامية” مجاملة لإسرائيل؟

أطفال يهود في "غيتو" دي لوبان في بولندا عام 1935 | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

محمد سامي الكيال

تشغل دراسات معاداة السامية مكانة متدنّية جداً في الأدبيات السياسية والاجتماعية المعاصرة في كامل المنطقة، على اختلاف شعوبها ولغاتها، إذ تُعتبر غالباَ مشكلة غربية، متعلّقة بتعقيدات التاريخ الأوروبي أساساً، فيما تعاني الدول والأمم المحلية من مشاكل أخرى، على رأسها “العدوانية الصهيونية”. وهذا الافتراض، حتى لو صَح، يبقى غريباً، فدراسات معاداة السامية تظل ذات قيمة نظرية وبحثية كبيرة، تستحق الاطلاع على الأقل، فهي عابرة للتخصصات، وتشمل حقولاً بحثية مثل “الدراسات اليهودية” و”دراسات الأمة” و”النظرية النقديّة” و”النظرية السياسية”، بل حتى الفلسفة، والماركسية الكلاسيكية، ودراسات ما بعد الكولنيالية، ولذلك فمن غير المفهوم أن معظم تلك التخصصات قد وصلت بشكل أو بآخر إلى النقاشات المحلية، فيما مفهوم “معاداة السامية” يبقى غامضاً أو غير مُفَكّر به، وكأن ما وصلنا كان “مقصقصاً” في المواضع التي يمرّ فيها ذلك المفهوم.

مبدئياً، لا يتعلّق مفهوم “معاداة السامية” الحديث بمظالم اليهود بالدرجة الأولى، بل يدرس أساساً التحديث، والتشكّلات القومية، والمفاهيم السياسية للشعب والأمة، والأساطير المؤسِّسة، ومفاهيم الذات والعالم، وإنتاج “الأقليات” و”الأكثريات” في المجتمعات الحديثة، ومسائل مثل التصنيع، والمدونات القانونية، والعمل، وعلاقات الإنتاج، وتقنيات السلطة، والعلوم (علم الأعراق، البيولوجيا التطورية، الطب، الدراسات اللغوية، إلخ)، في محاولة لتفسير النزعات الاستئصالية والإبادية والتمييزية، التي شهدتها البشرية بعد عصر التنوير، وليس في “العصور المظلمة”، أي في زمن انتشرت فيه الأفكار الكونية عن الحريّة والمساواة والإخاء؛ وتجاوز، كما هو مفترض، التراتبيات والامتيازات القروسطية، التي كانت تُفرِد لهذه الطائفة أو تلك، مكانة خاصة بها، ضمن هرمية دائمة لا يمكن تجاوزها. والسؤال الأساسي لدراسات معاداة السامية: كيف وصلت المجتمعات الحديثة إلى تنفيذ مجزرة إبادة، منظّمة ومبقرطة ومقوننة ومؤدلجة، بملايين اليهود؟ ما الخطوات والتطورات التي أدت لهذا على كل المستويات؟ وهل من الممكن أن تتكرر تلك المأساة؟ الموضوع لا يتعلّق بدارسة النظام النازي، بوصفه “انحرافاً” في الحداثة، بل بدراسة البنى الحداثية نفسها، التي جعلت ظهور النازية ممكناً.

من جانب آخر كان لا بد من إعادة طرح “المسألة اليهودية” دوماً في دراسات معاداة السامية. أي لماذا اليهود بالذات؟ وكيف صاروا لفترة طويلة، قبل نشوء إسرائيل، “الأقليّة التامة” (أي الأقلية في كل أمّة حديثة، دون أن يكونوا أكثرية في أي مكان بالعالم)؟ وما الصفات التي أُضفت عليهم، في الخطابات والمعارف الحديثة؟ ولماذا كانوا دوماً في مركز العداء والكراهية؟

يقود هذا إلى التمييز النوعي بين “معاداة السامية” وكافة أشكال العنصرية الحديثة الأخرى، إذ تقوم العنصرية عموماً على تصنيف مجموعة بشرية، ثم وصمها، وإعطائها سمات دونية، بوصفها همجية، أو منحطة، أو فاسدة، أو حتى نجسة، واعتبار ذلك سمات جوهرية فيها، ومن ثم تتدرّج الخطوات تجاهها، من الاعتداء غير المنظّم، إلى التمييز الهيكلي، وصولاً للقتل والإبادة. أما “معاداة السامية” فهي أكثر تعقيداً، فهي تقوم على نظرة متناقضة: من جهة تعتبر اليهود جماعة تتسم بسمات دونية، ولكنها من جهة أخرى تمنحهم قدرات خارقة، مثل السيطرة على النظام العالمي؛ الهيمنة من الداخل على الأمم، وتمزيقها؛ القدرة الخبيثة، غير المنقطعة تاريخياً، على التآمر، ولذلك فلا حل معها سوى الاستئصال. والصورة الشهيرة عن ذلك، استئصال الورم الخبيث من جسد الأمة.

عموماً ينظر العنصري إلى “تحت”، أي إلى المجموعات التي يعتبرها أدنى منه، على هامش النظام؛ فيما يتطلّع معادي السامية إلى “فوق”، أي إلى الفئة، أو النخبة، أو العرق الخبيث المتآمر، عالي القدرة (رغم دونيّة حياته وقيمه وعرقه)، والذي يسيطر على النظام نفسه. أيضاً قد تترافق معاداة السامية في بعض الأحيان بقيم “سامية”، تتسق شكلياً مع الحرية والمساومة والإخاء، فالمؤامرة اليهودية هي ما يمنع مساواة الشعوب، ونيلها لتحررها، وتآخيها، ولذلك فاستئصال اليهود قد يكون الحل الوحيد لانتصار قضايا عظمى، مثل عزّة الأمة بعد ذلها، ومواجهة الرأسمالية، والقضاء على الاستعمار والإمبريالية التبعية، وتحقيق المساواة، سواء بين أفراد وفئات الأمة نفسها، أو بين الأمم “الطبيعية”.

بعد تمييز مفهوم “معاداة السامية”، يمكن تجريده، وإدراك آلياته الأساسية، ودراسة مدى انطباقها على مجموعات أخرى غير اليهود، تُعتبر “ورماً” بدورها. وقد أدى هذا إلى خلافات بين باحثين أصروا على العرقنة التامة لمعاداة السامية (أي اعتبارها حدثاً عرقياً فريداً، متعلقاً حصراً باليهود وحدهم)، وبين آخرين رأوا أنه يمكن تعميم آليات معاداة السامية على كل مجموعة تواجه وضعاً مماثلاً. وبغض النظر عن تفاصيل الخلاف، والجدل فيه، فقد اتفق الطرفان غالباً على أن كل دعوة تحمل سمات معاداة السامية، ستنتهي بكراهية اليهود، والمطالبة باستئصالهم، حتى لو لم تبدأ بهم. والعكس صحيح، أي كل دعوة تبدأ بمعاداة اليهود، ستنتهي بـ”تهويد” مجموعات أخرى، بوصفها “أشباه يهود” (أو ربما “يهود الداخل”، حسب التعبير الصدّامي الشهير). بهذا المعنى تصبح معاداة “الأقلية التامّة”، أي اليهود، نموذجاً معرفياً وسياسياً متكاملاً، في كل عملية “أقللة” (أي تحويل مجموعة معيّنة إلى أقلية متحكّمة، ثم المطالبة باستئصالها).

كان لهذا الفهم دور مهم في بعض الدراسات المعاصرة، خاصة في ما يُعرف بـ”معاداة السامية اليسارية”، ومن أشهر من فصّلوا بها الكندي موشيه بوستون، الذي حاول إعادة الاعتبار للتقليد الماركسي الكلاسيكي في تجريد الأنظمة وعلاقاتها، بل تجريد العمل نفسه (تمييز ماركس بين “العمل المجرّد” و”العمل الملموس”)، على خلاف الدعوات الماركسية واليسارية اللاحقة، التي اتسمت بـ”الفيتِشيّة”، أي اعتبار مجموعة أو فئة ما وثناً يرمز للنظام، وتقديم “رؤية شاملة للعالم، تقدّم تفسيراً ظاهرياً، وتعطي تعبيراً سياسياً، عن مختلف أنواع السخط المناهض للرأسمالية” عن طريق مواجهة ذلك “الفيتِش”. يمكننا أن نجد أمثلة كثيرة عن ذلك في خطابات اليسار المعاصر، الشعبوي والناشطي، مثل “الـ1% المتحكّمون بالاقتصاد العالمي”، ومناهضة “الرجل الأبيض”، و”السكّان الأصليون في مواجهة استثنائية إسرائيل”. ليست مشكلة تلك الدعوات في صحّة أو خطأ الوقائع التي تشير إليها فحسب، بل في قيامها على العرقنة والتذويت، إذ تحوّل الأنظمة إلى ذات، والخصم إلى عرق أو شبه عرق، وتجعله وثناً، لا بد من تدميره واستئصاله، ليعود العالم إلى صفائه وتماسكه. لا يُعنَى هذا النوع من التفكير كثيراً بدراسة بنى، أو تجريد العلاقات، أو توضيح تشابكها، وسلوك الجميع ضمن القنوات التواصلية والإجرائية للأنظمة الاجتماعية المختلفة، بل يكتفي بفصل ثنائي مبسّط، تكون فيه مجموعة جلّادة مجموعة أخرى، وينبع الاستغلال أو الشر، من ذات المجموعة الأولى، وسماتها الجوهرية، مثل الجشع والفساد والسلطوية، فيما لا خلاص للمجموعة الثانية إلا بإزاحة الأولى أو تدميرها. يعلّق بوستن على ذلك بالقول إن ذلك الفهم يسمح للنظام بالبقاء والاستمرار، ما دام “لا يركز إلا على بعض تجسداته الاجتماعية”، ويفتح الباب لصراعات هوية دموية، تنتهي بمآسٍ كبرى.

ربما بات واضحاً الآن أهمية دراسات “معاداة السامية” لمنطقتنا، وكم كان غيابها عن التفكير النظري والسياسي مُكلفاً، ولكن تبقى الإشكالية الأساسية: هل يؤدي تبني منظور مناهضة “مكافحة السامية” إلى مواقف مهادنة أو خاضعة لإسرائيل، كما يخشى كثير من المثقفين والفاعلين السياسيين في بلداننا؟

“يهود الداخل”

بناء على الآليات الأساسية للتمييز والاستئصال، التي يوضحها مفهوم “معاداة السامية”، فإن المسألة في بلداننا قد لا تتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، ويهود إسرائيل، بالدرجة الأولى، بقدر ما تتعلق بمجموعات أخرى، لطالما ألصقت بها صفات، مثل “يهود الداخل”، أو “صهاينة محليين”، أو “انفصاليين يسعون إلى كيانات مصطنعة تشبه إسرائيل”، مثل الكُرد والموارنة ودروز سوريا مؤخّراً.

تبدو معاداة هذه الفئات،على اختلاف دوافعها، أقرب لآليات معاداة السامية منها إلى العنصرية التقليدية، فعلى الرغم من السمات الدونية التي قد تلصق بها (العنصرية الاجتماعية واللغوية والطبقية والدينية)، فهي تُصَوَّر بقدرات كبيرة، مهددة لجسد الأمة؛ وتصبح موضعاً للإسقاط السياسي، إذ تُحَمَّل مسؤولية التناقضات والانقسامات والفشل الذي يعاني منه المشروع القومي المحلي؛ ويُقدّم اختلافها، ومطالبها السياسية، ووضعيتها الاجتماعية والثقافية، على أنها تهديد وجودي؛ وفي أغلب الأحيان، لا يمكن تحقيق أي إنجاز، أو الانتصار في أية معركة، بوجودها.

تبدو الحالة أكثر إثارة للانتباه في حالة علويي سوريا، فهؤلاء تعرّضوا تاريخياً لأشد أنواع العنصرية والإقصاء والتمييز، إلا أنهم أعطوا فيما بعد قدرات خارقة في المخيّلة الطائفية، فهم أسسوا “نظاماً علوياً”، قمع الأغلبية لنصف قرن من الزمان. لا نتحدّث هنا عن مستعمرين خارجيين، بقدرات حربيّة واقتصادية متفوّقة بشدة على السكّان المحليين؛ ولا عن فئة ذات امتياز عرقي أو ديني تاريخي، وإنما عن مجموعة كانت من الأفقر والأضعف، فإذا استطاعت، وهي “الأقلية”، تحقيق كل هذه السيطرة الطويلة، فهذا يشير إلى تصورات بنية أيديولوجية واجتماعية قائمة على معاداة العلوية، أكثر مما يشير إلى الوقائع وإمكانيات العلويين أنفسهم.

ارتباط عمليات الأقللة (التحويل إلى أقليات) بـ”التهويد”، أي إكساب الأقليات التي يتم معاداتها سمات أقرب للمخيّلة المعادية للسامية، لا يمكن أن يتم إلا في نمط من التحديث وبناء الأمم، قائم على المواجهة مع عدو وجودي محدد، يصبح أساسياً في فهم الذات بالنسبة لأبناء الأمة، ويهدد القيم والتقاليد والتراتبيات الاجتماعية العضوية فيها، والتي تُعتبر متفوقة، ولكنها تعرّضت لإذلال تاريخي غير مُستَحَق.

سابقاً، بنيت فكرة الأمة الألمانية في المواجهة مع “الأمة الفاسدة”، أي فرنسا، بعد الهزيمة أمام الجيوش النابوليونية. وهكذا سعت ألمانيا، الرومانسية والمحافظة والمتفوّقة، كما رأت نفسها، إلى تحقيق وحدتها، والحفاظ على “روحها”، وامتلاك التفوّق التقني والعسكري، في مواجهة “الغرب”، الذي كان آنذاك “يبدأ غربي الراين”. وبعد الهزيمة المذلّة في الحرب العالمية الأولى، برزت اليهودية بوصفها مؤامرة بلشفية حيناً (أو بالأصح البلشفية مؤامرة يهودية) ونظاماً مصرفياً ربوياً عالمياً أحياناً أخرى (الرأسمالية نظام يهودي)، ومُهدّداً للنقاء العرقي والثقافي في كل الأحيان، وصار يمكن “تهويد” أي فئة تبدو مهددة للأمة، بما في ذلك النقابيون، والشيوعيون، والغجر، والمثليون، والفنانون البوهيميون، بل حتى الكاثوليك في بعض الأحيان. ويبدو أن المسألة الفلسطينية-الإسرائيلية، منذ عشرينيات القرن الماضي على الأقل، قد قدّمت دوافع مماثلة للقومية العربية/الإسلامية، على امتداد مساحة هائلة، يبعد بعض دولها عن فلسطين/إسرائيل آلاف الكيلومترات. هكذا كان يمكن أن يحدث بوغروم يهودي في ليبيا (مجزرة طرابلس 1945) وفي المغرب (مجزرة وجدة وجرادة 1948) كما يمكن أن يحدث في بغداد (الفرهود 1941). وبالطبع التفتت الأمة، مع كل هزيمة، إلى “يهود الداخل” أكثر فأكثر، وربما وصل الأمر إلى ذروته في حملة الأنفال (1986-1989) ومجزرة حلبجة (1988) ضد كرد العراق. هل كانت إسرائيل يوماً تهديداً وجودياً فعلياً في تلك الدول البعيدة عن حدودها؟

في المخيّلة المعادية للسامية، الجواب “نعم” بالتأكيد، فالصهيونية ذات قدرات فائقة، وتأثيرها التآمري قادر على الوصول إلى أبعد المجتمعات والدول، فهي مخلب استعماري في صدر الأمة، قادر على التمدد والتفرّع حيث يشاء. وبالفعل، كان رمز الأخطبوط، للتعبير عن الهيمنة اليهودية، رمزاً نازياً معروفاً.

من الطريف أن هذه المخيّلة ما تزال تعمل حتى في تحليل بعض الحوادث المعاصرة، وعند فئات تخلّت عن كثير من عدائها لإسرائيل، بل تسعى جاهدة للتواصل معها،  كالقول مثلاً بأن إسرائيل تسببت في مجازر السويداء في سوريا (تموز/يوليو 2025) في مؤامرة خبيثة لتوريط سلطة الجولاني، ثم ضربها، ولإقناع الدروز بالاحتماء بها، وكانت تستطيع إيقاف المجزرة منذ البداية، ولكنها امتنعت؛ أو أن الدعوة لقيام دولة كردية اليوم هو مؤامرة إسرائيلية لإنتاج كيان كردي يشبه إسرائيل. دائماً هذه الدولة، تبدو أخطبوطاً كليّ القدرة، وفائق الخبث والبراعة في التخطيط والتنفيذ، وحساب كل العوامل والمتغيّرات وتسلسل الأحداث والمفاجآت، لحساب مخططها الشرير.

 لا يتعلّق الأمر بالضرورة بمناهضة إسرائيل بوصفها عدواً، فحتى من يسعون لأفضل العلاقات معها، يحتفظون بمخيلتهم المعادية للسامية، التي يبدو أن لها وظائف أخرى، لا تقتصر على الحرب ضد إسرائيل.

ضرورة “الاستثنائية”

لا يمكن إكساب إسرائيل كل تلك القدرات الفائقة، والقدرة الهائلة على الشر، إلا بالتشديد على استثنائيتها، فهي ليست كأي دولة أخرى، وغير قابلة للمقارنة مع أحد. وهذا يستدعي تساؤلات كثيرة، فبماذا تختلف إسرائيل، حتى لو وافقنا على كل الجرائم والمظالم والعدوانية التي تُنسب إليها، عن دولة مثل تركيا، التي قامت على التطهير العرقي، والتبادل السكاني الدموي، والتمييز الممنهج، وحرمان الشعوب من حق تقرير المصير، والتطرّف القومي الذي يصل إلى الفاشية الصريحة، والاعتداء على سيادة الدولة المجاورة، واحتلال أراضيها، والتلاعب الديمغرافي، عبر سياسات التهجير والاستيطان، داخل وخارج حدودها، فضلاً عن لعب دور “المخلب الاستعماري”، باعتبارها في طليعة حلف الناتو؟ يمكن تعميم السؤال على دول مثل باكستان، أو حتى إيران.

يصعب إيجاد إجابة منطقية وواضحة، خالية من الرطانة القومية العربية/الإسلامية، ولكن تركيا، رغم ذلك، تعتبر “دولة طبيعية” فيما إسرائيل “كيان مصطنع” استثنائي. وبعيداً عن البحث عن إجابات منطقية، فإن “استثنائية إسرائيل” لا تجد تبريراً إلا ضمن المنطق المعادي للسامية، وهي شديدة الضرورة في البناء القومي الداخلي للدول المعادية لها، أكثر من ضرورتها في “المجهود الحربي”.

يمكن القول إن الصراعات الداخلية، في كافة الدول الناطقة بالعربية، استخدمت بشدة “استثنائية إسرائيل”، للحفاظ على التراتبيات الهرميّة الداخلية، أو قلبها وإعادة ترتيبها، وفرض الصيغة الأحادية للأمة، واستئصال كل من يخالفون صورها المعيارية. وربما لولاها لكان من الصعب الحفاظ على تشكّلات قومية رثة، غارقة في الأزمات، والتناقضات التاريخية، والعنف الداخلي الضاري، ومحاولات طمس التنوّع وإلغائه. تلك “الاستثنائية” منتج داخلي عربي/إسلامي أكثر من كونه خصيصة إسرائيلية، ومن تناقضاته أنه فاقم تدمير تلك الدول والشعوب، في الوقت الذي كان يحاول تسوية تناقضاتها في مواجهة عدو غاشم، أي أنه فشل في تحقيق معظم أهدافه، فلا هو حقق النصر التاريخي، ولا هو حافظ على النقاء الداخلي لجسد الأمة، وإنهاء تناقضاتها، وإن كان قد نجح في الاستئصال إلى حد بعيد، إذ أُفرغت المنطقة من أقلياتها بشكل متسارع. حالياً حلّت ميليشيات الممانعة محل دول “الصمود والتصدي”، لتجعل الحرب الأهلية الدائمة، طريقة لبعث الأمة في مواجهة العدو الاستثنائي، وبضحايا يفوق عددهم كل ضحايا الحروب العربية الإسرائيلية.

 كان يمكن لمقاومة سياسات الاحتلال والعدوان أن تأخذ مسارات أخرى، وأن تتم الإجابة على أسئلة التحرر الوطني والتشكّل القومي بطريقة مختلفة، دون ذلك المنطق القومي الأحادي المعادي للسامية، فلا شيء حتمي إلا في مخيلة منحازة لمصادراتها الخاصة، تعيد تفسير التاريخ بأثر رجعي، فتلغي كل الاحتمالات والخيارات التي تنتجها الفاعلية الإنسانية، وتجعل الوقائع القمعية والدموية لنمط الهيمنة القائم طبيعيةً وحتميةً، وذلك هو التعريف المباشر للظلاميّة.

إلا أن هذه الجبريّة في فهم وتفسير الوقائع قد تكون مرتبطة أيضاً باستثنائية العدو، فما دام استثنائياً في شره، وقضيتنا معه مطلقة العدالة، فكل ما يصدر منّا صحيح، وطبيعي، وحتمي، واستثنائي في شرعيته.

سواء حاربنا إسرائيل أو سعينا لرضاها، فسنبقيها استثنائية، هذا ضرورة سلطوية، وربما لذلك لم يُسمح لنا أن نعرف الكثير عن معاداة السامية.

Tags: القضية الفلسطينيةالهجرات اليهوديةالهولوكوستاليهود في التاريخمعاداة السامية




آخر المنشورات

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية