د.طارق حمو
تمضي كل من الحكومة المؤقتة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، في تنفيذ بنود اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني، القاضية بوقف إطلاق النار بين الجانبين، وتطبيع الأوضاع وتحقيق الاندماج العسكري والإداري لكل من “قسد” والإدارة الذاتية ضمن هياكل ومؤسسات الدولة السورية. ورغم العديد من الملاحظات هنا وهناك وبروز عقبات وحدوث حالة من التباطؤ وربما التلكؤ المتقصد بهدف الضغط والتضييق، إلا أن الاتفاق بالمجمل والعام، يسير بشكل جيد، والعديد من النقاط والبنود قد تحققت فعلاً وتم تطبيقها عملياً على أرض الميدان، مع الإشارة إلى استمرار فرض نوع من الحصار على كوباني، فيما يبدو أنه إجراء مبيّت من جانب السلطة لتحقيق مكاسب معينة، أو ربما التنصل من بعض المسؤوليات والالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق المبرم بين الجانبين. وجاء الاتفاق بعد مواجهات شاملة وحالة من “كسر الإرادات” بين الحكومة المؤقتة و”قسد”، حاولت من خلالها السلطة التجييش شعبياً ضد “قسد” وضد الحاضن/الحامل الاجتماعي لها، وهو المكون الكردي، واستخدام جماعات وشرائح وميليشيات أهلية كقفازات ناعمة ترتكب بواسطتها الأعمال القذرة التي ستتبرأ منها لاحقاً، بل وستقدم نفسها بعد انكشاف هول وجسامة ما حدث، بوصفها “الدولة” القادرة على ضبط تلك المجموعات ولجمها عن ارتكاب المزيد من الجرائم وأعمال العنف والقتل الجماعي، وبالتالي تسويق نفسها كضامن لحماية المكون الكردي خارج المناطق الثلاث ذات الكثافة الكردية وحيث الحضور القوي لـ “قسد” وقوات “الأسايش”.
ورغم قبول “قسد” الانسحاب من كل من دير حافر ومسكنة (مناطق غرب الفرات) بعد سلسلة من التطورات الإقليمية والداخلية، قوّت من عضد وموقف سلطة دمشق، إلا أن السلطة اتخذت قرار مواصلة الهجوم في ظل نجاح القوات الحكومية في اقتحام حيي الشيخ مقصود والأشرفية المدنيّين في حلب، وانتشائها بـ “الانتصار” الذي حققته على بضع عشرات من أفراد قوات “الأسايش” المسلحين تسليحاً خفيفاً، والذين رفضوا مغادرة الحييّن، وفضلوا القتال دفاعاً عن الأهالي الذين تعرضوا للقصف العشوائي ولاستخدام الأسلحة الثقيلة، مما أدى إلى إلحاق دمار كبير وتهجير عشرات الآلاف من المواطنين الكرد. وكان واضحاً رهان سلطة دمشق على القوة وانسحابها من اتفاقية 10 مارس/آذار، وقبل ذلك من اتفاقية 1 أبريل/ نيسان في حلب، وتفضيلها النار على الحوار، بعد الاجتماع الذي عقدته مع الجانب الإسرائيلي في العاصمة الفرنسية باريس في 5 يناير/ كانون الثاني. الطعن في ظهر قوات “قسد” المنسحبة من مناطق غرب الفرات، وتفعيل الخلايا النائمة في الرقة وريف دير الزور، وإحداث الانشقاقات داخل صفوف العنصر العربي ضمن “قسد” هناك، ودعوة العشائر العربية للانتفاض، أسفر عن وقوع مجازر وجرائم قتل جماعي بحق مقاتلي “قسد” المنسحبين، وكذلك بحق المدنيين الكرد الذين غادروا الطبقة والرقة إلى كل من كوباني والحسكة والقامشلي، وجرت عمليات تصفية للعشرات من العائلات الكردية على الطرقات وفي مداخل البلدات والمدن. كل ذلك حدث بتغطية وتواطؤ من السلطة وبعد تمهيد من الإعلام الرسمي، والإعلام العربي الرديف، عندما جرى ضخ كم هائل من الأكاذيب والافتراءات طالت “قسد” والكرد، واُستخدم فيها كالعادة آلاعيب وحيل ترمي إلى إخفاء جرائم السلطة والتغطية عليها، مع تغييب متقصد للسردية الكردية والتعتيم عليها، بل والطعن في مصداقية الصور والمشاهد والمقاطع المصورة التي تُظهر تصفية الكرد على الهوية القومية، مع تركيز الضخ الإعلامي المزوّر على مواضيع وتفاصيل أخرى مثل “الأنفاق” و”السجناء المدنيين الأبرياء” في سجون “قسد”.
تقدمت قوات سلطة دمشق إلى مشارف مدينتي الحسكة والقامشلي، بعد ترك مقاتلين عرب من أبناء الرقة ودير الزور صفوف “قسد” والتوجه إلى بيوتهم، عندما شاهدوا الانسحاب إلى الحدود الإدارية لمحافظة الحسكة، وانشقاق أعداد أخرى، كان قد جرى التنسيق معهم استخباراتياً في وقت لاحق. وتمركزت القوات الحكومة في الشدادي وتل براك وتل حميس وتل كوجر، أي في البلدات ذات الغالبية العربية من محافظة الحسكة، كما شنت قوات السلطة الهجمات على ريف منطقة كوباني، واحتلت ما مجموعه 70 قرية هناك. وترافق مع الهجوم أعمال النهب والسلب وجرائم القتل والتهجير، وبقية أشكال الارتكابات المخزية وأفعال امتهان الكرامة الإنسانية، من تلك التي صارت معروفة عن فصائل سلطة دمشق وجزءاً من تاريخها، خلال الأشهر القليلة من حكمها وإدارتها لسوريا. ووصل التحريض الرسمي والموجه القادم من دمشق وإعلامها، ومن القنوات والمنابر العربية (الخليجية حصراً) ضد الكرد إلى أقصى مدياته، وكان الهدف القادم هو محافظة الحسكة حيث كان الخطر الأكبر في حدوث مواجهات دامية ومجازر بين القوميتين العربية والكردية.
وكانت “قسد” قد فضلت الانسحاب من الرقة ودير الزور على الثبات والتخندق والتشبث بالقتال هناك، لكي لا تتعمق المواجهات العربية – الكردية التي أرادتها السلطة، وتتسع إلى مناطق أخرى (ربما كانت ستشمل كل مناطق التداخل السكاني العربي – الكردي في كل من سوريا والعراق: ابتداءً من عفرين، ومروراً بشنكال، وانتهاء بخانقين). ومن هنا تراجعت “قسد” إلى محافظة الحسكة، حيث الوجود والحاضنة الكردية وحيث العشائر العربية التي يجمعها بالكرد تاريخ طويل من الجيرة والمصاهرة والعلاقات الاجتماعية المميزة، وبالتالي توفير الأرضية والأساس لبناء حالة من التهدئة والتعقل والتوافق، الأمر الذي يصعّب من مساعي ومخططات السلطة في استخدام هذه العشائر ضد الكرد. أما الرقة ودير الزور، فكانتا في حقيقة الأمر “قميصاً حديدياً” ثقيلاً، تخلصت منه “قسد” والإدارة الذاتية، والتي لم تفكر يوماً من الأيام في الاحتفاظ بهما، وكانت تبحث دائماً عن صيغ لتسليمهما إلى أهلهما من المجالس العسكرية والهياكل الإدارية، والانسحاب إلى محافظة الحسكة، لكن ضمن تفاهم مع سلطة دمشق، يضمن لأهالي الرقة وديرالزور شكلاً من أشكال اللامركزية التي تحترم تضحياتهم في تحرير مناطقهم من “داعش”، وتراعي الجهود التي بذلوها في ترسيخ هياكل الإدارة الذاتية والحفاظ على السلم الأهلي، وعلى مؤسسات ومرافق الدولة (السدود والمعامل وحقول النفط والغاز). لكن رهان سلطة دمشق على المواجهة والعمل العسكري بعد اقتحامها لكل من الشيخ مقصود والأشرفية، وتمسكها بالنهج الفصائلي في الفرز القومي والطائفي في سوريا، ظناً منها بأن ذلك يدمر الشعور الوطني الجامع القائم على المواطنة، ويدفع بالمكونات القومية والطائفية السورية إلى التخندق والانعزال، وبالتالي يضعفها ويحصرها في مناطق جغرافية محددة، بينما يرسخ من حالة استحواذ السلطة على كل المكون العربي السني، هو ما ساهم في إفشال الحوار وظهور حالة واضحة من الحرب الأهلية القائمة على تحريض “الدولة” لجزء من شعبها ضد أجزاء أخرى.
كان ثمة يقين واضح لدى سلطة دمشق بأن المجتمع الدولي لن يتدخل في حربها ضد “قسد” والكرد، وأن الصمت سيكون سيد الموقف، بعد ما قدمته من تنازلات في اجتماع باريس للجانب الإسرائيلي برعاية أميركية وتركية، وتأكد لدى سلطة دمشق أنها نالت رضا واشنطن، وكذلك وعداً من إسرائيل بعدم التدخل العسكري في أي عملية تطال “قسد” والكرد، على غرار ما حدث في السويداء. وفي أوج هجوم وتقدم القوات الحكومية السورية في الرقة ودير الزور، ظهر توم براك السفير الأميركي في تركيا، والمبعوث الخاص إلى سوريا، ليطالب “قسد” بالانسحاب من المناطق العربية، ثم ليعلن في بيان مطوّل نشره على صفحته في منصة “إكس”، بأن بلاده ستنسحب من سوريا، وستخلي قواعدها وتنهي تعاونها “الوظيفي” مع “قسد”! قبل ذلك أصدر الرئيس المؤقت أحمد الشرع المرسوم رقم 13 حول الكرد السوريين، معتبراً بأن القضية الكردية في سوريا قد حُلّت، ولم تعد هناك حاجة إلى “قسد” والإدارة الذاتية. هنا بدأت الأمور “تتربط”، وظهر “نمط” واضح المعالم من تصرف متقصد ومخطط له: السلطة “خرّبت” اللقاء بين قيادة “قسد” (الجنرال مظلوم عبدي) والجيش السوري (وزير الدفاع مرهف أبو قصرة) الذي انعقد في دمشق في 4 يناير/ كانون الثاني، وناقش آلية الاندماج في فرق وألوية، ثم أرسلت وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى باريس في 5 يناير/ كانون الثاني، وتنازلت لإسرائيل. ومن هنا نكثت بالتفاهمات مع “قسد”، وألغت عملياً اتفاقية 10 مارس/ آذار و 1 أبريل/نيسان. وعليه بدأت السلطة بتفعيل خيار القوة، فهجمت على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وانشغلت بالتحضير لمعركة “شرق الفرات”، وكل ذلك سيراً على خطين متوازيين اثنين: الأول سياسي: الحصول على الضوء الأخضر الأميركي والإسرائيلي، بالإضافة طبعاً إلى وعود بالدعم والإشراف العسكري التركي، والتغطية الإعلامية الخليجية. والثاني عسكري: إخراج المناطق العربية (الرقة ودير الزور) من تحت يد “قسد”، وتفكيك الإدارة الذاتية هناك، وتسليم أمر المواطنين (العرب السنة!) إلى دمشق والمسؤولين المعينين الآتين منها، وهم طبعاً من “عظام رقبة” هيئة تحرير الشام. بمعنى، وحسب رؤية السلطة، لن يكون للرقة ودير الزور أي شخصية اعتبارية تتمتع بنوع من اللامركزية أو الإدارة المحلية الموسعة على غرار محافظة الحسكة ما بعد اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني، بل ستُدار المحافظتان بمركزية شديدة من دمشق مباشرة، وتحت وصاية وإشراف قادة ومسؤولين معيّنين من العاصمة، ومن قبل الرئيس المؤقت مباشرة.
في مواجهة هجوم سلطة دمشق على كل من الحسكة وكوباني، لم تجد “قسد” والإدارة الذاتية والكرد، سوى إعلان “النفير العام” والاستعداد للقتال حتى النهاية. هذا الإعلان شدّ من العصب الكردي في أجزاء كردستان الأخرى وفي العالم. تدخل القائد الكردي عبد الله أوجلان وتواصل مع الدولة التركية، مفهّماً إياها بأن عملية السلام والتسوية بين حزب العمال الكردستاني وتركيا ستنتهي في حال إصرار أنقرة على تشجيع حكومة الشرع ودفعها لمواصلة الهجوم على الكرد في سوريا والتنكيل بهم، وأنه من غير المقبول أن تقول الحكومة التركية بأنها تريد السلام وتوطيد “الإخوة التاريخية بين الترك والكرد” في تركيا، فيما هي تحرّض على قتل الكرد في سوريا وتساهم في ذلك علانية. كما وتحركت كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (ثالث أكبر كتلة في البرلمان التركي)، للضغط على حكومة حزب العدالة والتنمية ودفعها باتجاد إحداث التهدئة في سوريا وفتح قنوات الحوار والحل السياسي. كما وجرى حراك دبلوماسي وسياسي كبير من جانب حكومة إقليم كردستان، وحدث لقاء جمع القائد الكردي مسعود البرزاني بالجنرال مظلوم عبدي قائد “قسد” والسفير توم براك في أربيل للبحث في وقف هجوم سلطة دمشق وإيجاد مخرج سياسي. كما توجه الآلاف من الشباب الكردي إلى الحسكة للانضمام إلى مقاومة “قسد” وصدّ الهحوم الذي تتحضر قوات الحكومة السورية لشنّه على مناطق الكثافة الكردية في الحسكة والقامشلي. كما وخرجت مئات المظاهرات الكردية حول العالم للتنديد بالمجازر والجرائم التي ارتبكتها قوات النظام السوري بحق المدنيين والمقاتلين الكرد، بعد نشر صور ومقاطع فيديو تُظهر تمثيل عناصر من فصائل الجيش السوري بجثث المقاتلين والمقاتلات الكرد ودهسها بالمجنزرات، وتدنيس الأضرحة والقبور، وقتل المدنيين الفارين على الطرقات. ترافق مع المظاهرات الحاشدة تلك، حراك دبلوماسي وإعلامي كردي أثّر بشكل كبير في الرأي العام الدولي، وحدث ضغط كبير على الحكومة السورية لوقف هجماتها على الحسكة وكوباني، وإطلاق حوار جديد مع “قسد” والإدارة الذاتية. وأعلن السيناتور الأميركي البارز ليندسي غراهام عن العمل، بالتعاون مع أعضاء آخرين في الكونغرس الأميركي، على إعداد قانون “حماية الكرد في سوريا”، مشيراً إلى دور الكرد و”قسد” في محاربة الإرهاب، وضرورة أن تحمي الولايات المتحدة الأميركي حلفاءها، وألا تسمح للقوى المتطرفة بالاستفراد والبطش بهم.
التلاحم الكردي في المنطقة مع كرد سوريا، وتوجه آلاف الشباب الكردستاني للالتحاق بقوات المقاومة، والمظاهرات الكبيرة الحاشدة للجالية الكردية حول العالم، وتحرك الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي لمعاقبة سلطة دمشق على الجرائم المرتكبة بحق الكرد في حلب والرقة وكوباني، والدور السياسي والدبلوماسي لكل من إقليم كردستان وكتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب في البرلمان التركي، وضغط الإعلام الكردي والدولي، دفع سلطة دمشق إلى التراجع وتجميد زحفها العسكري على الحسكة والقامشلي، فعرضت وقف إطلاق النار لمدة 4 أيام، ثم مدّدت المهلة إلى أسبوعين، ومن ثم عمد الرئيس المؤقت إلى إصدار المرسوم رقم 13، وأخيراً ظهرت اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني، ومن بنودها إدماج “قسد”، وتعيين محافظ كردي للحسكة، وتسوية الأوضاع في كوباني والشيخ مقصود والأشرفية، وإعادة المهجّرين الكرد إلى كل من عفرين ورأس العين والرقة.
أما في كل من دير الزور والرقة، المناطق التي “حررتها” سلطة دمشق مؤخراً من “قسد”، فهي تشهد هذه الأيام حالة من الاضطراب والفوضى جرّاء التذمر والاستياء الشعبي. من جاء ليدير المحافظتين لا يعلم شيئاً عن طبيعة أهلها، وهمه هو السيطرة على آبار النفط ومصادر الإنتاج من تلك التي تدرّ المال، كما وصار يصدر القرارات ويتصرف بطريقة كيفية أثرت بشكل عميق على حياة المواطنين. ساءت الأوضاع المعيشية وتراجعت الخدمات. بدأ الناس يلوحون بالعصيان المسلح ضد الدولة. وفي ظل هذا الواقع السيء والتراخي الأمني وانفلات الأمور، بدأ تنظيم “داعش” يطل برأسه ويرتب صفوفه، بعد أن استفاد من إطلاق سراح المئات من عناصره من ذوي الخبرة القتالية من سجني “الأقطان” و”الشدادي”. وكان “داعش” قد نشر بياناً مطولاً على لسان “أبو حذيفة الأنصاري” المتحدث باسم التنظيم، دعا فيه السوريين للانتفاض بوجه حكومة أحمد الشرع، الذي وصفه بـ “حارس التحالف العالمي”، وقال إن سوريا “انتقلت من الاحتلال الإيراني إلى الاحتلال التركي الأميركي”. وترافق مع هذا البيان، هجمات نوعيّة، بعضها “انغماسية”، شنها مقاتلون في التنظيم، وطالت مقارّ ونقاطاً عسكرية تابعة لسلطة دمشق في كل من الرقة ودير الزور، أسفرت عن مقتل وجرح العشرات من الجنود السوريين.
تطبيق اتفاق 29 يناير/ كانون الثاني بين الحكومة في دمشق و”قسد” يسير بشكل بطيء لكنه ثابت. ومن بين الإيجابيات أنه كسر الجليد بين دمشق و”قسد” بعد المواجهات الأخيرة وحالة الاستقطاب والاحتقان. وساهم الجنرال مظلوم عبدي الذي تحرك سياسياً ودبلوماسياً في إنجاح الاتفاق، وكان لمشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن بمعية السياسية إلهام أحمد، وانضمامه إلى الوفد السوري الرسمي، أبلغ الأثر في “خفض التصعيد” وإعادة الثقة بين الجانبين. كذلك كانت للقاءات مع المسؤولين الأميركيين والدوليين، وعلى رأسهم ليندسي غراهام، دور في التهدئة ودفع الحكومة في دمشق إلى التمسك ببنود الاتفاق تفادياً للعقوبات الأميركية وإعادة العمل بقانون “قيصر”، وفرض حصار سياسي واقتصادي على دمشق، وبالتالي إجهاض كل المرحلة السابقة التي شهدت رعاية أميركية ودولية للنظام السوري لمنحه الفرصة والوقت، على أمل إجراء مصالحة داخلية، وإعادة الإعمار وتعزيز السلم الأهلي.
ويبقى العائق الأكبر أمام تنفيذ اتفاق 29 يناير/ كانون الثاني هو وجود جماعات ترفض المصالحة الوطنية الحاصلة، وتهدد باللجوء إلى السلاح. إنها الجماعات التي طالما حرضتها السلطة واستخدمتها في حملاتها العسكرية (النفير والفزعة) في الساحل والسويداء والرقة وكوباني. تنتشر هذه الجماعات الخارجة عن القانون في بعض أرياف محافظة الحسكة، وترفض الخضوع للسلطات المحلية التي يديرها الآن المحافظ نورالدين أحمد. كذلك لا تزال بعض العائلات المستوطنة في عفرين ترفض إخلاء منازل المواطنين الكرد التي استولوا عليها إثر الاحتلال التركي عام 2018، كما ترفض إعادة المزارع والحقول لأصحابها، وبعضها يطلب مبالغ مالية كبيرة لقاء إعادتها. حملة التحريض والشحن والتأليب التي مارستها السلطة ومارسها إعلامها الرسمي والإعلام العربي المؤيد لها بحق الكرد، ساهمت في ترسيخ مشاعر العداء للمكون الكردي السوري لدى شرائح دنيا في المجتمع السوري، باتت الآن ترفض الاتفاق، بل وتهدد برفع السلاح في وجه السلطة علانية، كما وتلوّح بالانضمام إلى “داعش” في حال عدم قبول السلطة تمكينها من رقاب الكرد والاستيلاء على مناطقهم. السلطة عليها الآن أن تجد حلاً لهذه الشرائح. أن تنزع سلاحها وتخضعها للقانون. كذلك من المهم أن تطلق برنامج تأهيل يطال هذه الشرائح والمجموعات ويحقق الاندماج الناجح لها في المجتمع السوري، الذي يُؤمَل أن يتحول إلى مجتمع تُراعى فيه قيم المواطنة والمساواة الكاملة، ويجرّم بالتوازي كل أشكال التحريض الطائفي والعرقي.





