شورش درويش
مضت المعارك مسرعة مذ أعلنت أنقرة ودمشق الحرب على حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب يوم السادس من يناير/كانون الثاني الماضي، وذلك عقب انتهاء المباحثات الإسرائيلية السورية في باريس 5 – 6 يناير برعاية أميركية ومتابعة تركيّة حثيثة لمجريات المباحثات والتعديل على نتائجها بالنحو الذي يخدم مصلحتها. أفضت نتائج المباحثات إلى إنتاج صورة جديدة لتقسيم العمل بين أنقرة وتل أبيب وصياغة مناطق النفوذ الإقليمية داخل سوريا وفق إرادة أميركية تتسق مع فكرة تحويل الدور السوري الوظيفي إلى أداة ضاغطة على إيران في خاصرتي سوريا، حيث حزب الله في لبنان غرباً والحشد الشعبي في العراق شرقاً.
داخل هذا الجو من التفاعل لتقسيم الأدوار الإقليمية، أصبح لتل أبيب اليد الطولى على “المنطقة الأمنية” السائلة وغير المحددة، حتى اللحظة، والتي تشمل المحافظات السورية الجنوبية الثلاث وصولاً إلى تخوم دمشق، فيما بقي لتركيا المساحة التي شغلتها ووسّعتها غربي نهر الفرات. غير أن التحوّل الأكبر جاء مع تمدّد سيطرة دمشق شرقي نهر الفرات بعد أن كان الاتفاق الأوّلي يقضي بخروج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من منطقتي دير حافر ومسكنة على سرير الفرات الغربي. يبدو أن تبدّلاً عميقاً قد طرأ على اللوحة العامّة لمناطق النفوذ، لتُخلي قسد تواجدها في محافظتي الرقة ودير الزور بعد حرب إشغال قصيرة مهّدت لانسحاب منظّم لقسد باتجاه محافظة الحسكة وكوباني.
يبدو أن التمدد شرقاً جاء استكمالاً للخطوط العامّة التي رُسمت في باريس. ففي الفضاء الأوسع، تأتي تهديدات الحرب الأميركية، مدفوعة برغبة إسرائيلية للتخلّص من النظام الإيراني، والتي لا يمكن أن تستكمل بدون الدور السوري، وهنا، يصبح تفعيل الدور الوظيفي لدمشق وانتشار فصائل وزارة الدفاع مشفوعة بقوات قبليّة وحالة فلتان لعناصر تنظيم داعش على طول الحدود، بما فيها المنافذ الحدودية، مع العراق هو المطلوب، إذ إن مثل هذا السيناريو سيدفع الحشد الشعبي العراقي إلى تبديل الأولويات من تدعيم السلطة الإيرانية شرقاً إلى حماية الحدود الغربية للعراق، وهو ما تحقّق في نهاية المطاف. لكن، هذا الدور السوري الجديد لم يكن ليتحقّق لولا القبول التركي بقيام دمشق بإشغال إيران في العراق، إذ لطالما وقفت أنقرة في صف الدفاع عن إيران والحؤول دون تعرّضها لضربة عسكرية تُجهز على نظامها القائم، وحاولت استضافة المباحثات بين واشنطن وطهران، لكن الأخيرة اختارت إجراء المباحثات في سلطنة عمان لضمان أن تبقى بعيدة عن “تأثير القوى الإقليمية”، الأمر الذي يشي بأن إيران فقدت شيئاً من ثقتها بالدور التركي.
نظرياً، لا يمكن فصل ما جرى في شمال شرق سوريا عن مجمل اللوحة الإقليمية، وهو ما يستدعي إلقاء نظرة شاملة على تسلسل الأحداث الذي بدأ يوم 4 يناير في دمشق، حين جرت جولة التفاوض بين قسد والحكومة الانتقالية وكادت الجلسة أن تثمر توقيعاً على إدماج قسد وفق ما جرى الاتفاق عليه شفهياً في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لولا تدخّل “طرف ثالث” أرجأ التوقيع إلى يوم 9 يناير، أي إلى ما بعد العودة من باريس وفهم ما سيجري الاتفاق عليه.
أحد الأسئلة التي تلت عملية السيطرة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، والتي هندستها المخابرات والجيش التركي رفقة الفصائل التي ما زالت موالية لأنقرة في وزارة الدفاع السورية، كان أين ستقف الحرب مع انسحاب قسد من السرير الغربي للفرات، دير حافر ومسكنة؟ لم يكن ثمة إجابة مع الوضع العسكري السائل وتقدّم فصائل وزارة الدفاع باتجاه الطبقة والرقة. بدا من خلال الاجتماعات التي رعتها أربيل أن ممثل واشنطن في سوريا توماس براك يؤيّد انسحاب قسد من مجمل المناطق العربية. تعزّزت تلك الشكوك مع التوقيع على اتفاقية 18 يناير القاضية بوضع حدود فصل ذات صبغة إثنية. واقعياً أصبحت المناطق ذات الغلبة الكردية تتبع لقسد، الحسكة وكوباني، بصورة تشي بأن جهود واشنطن الأخيرة جاءت في سبيل إغلاق الباب على الكرد السوريين من مجرى الصراع داخل سوريا وعليها. وهنا، طغت التعبيرات القومية الكردية في الأيام الأخيرة مشفوعة بطاقة شعبية كردستانية داعمة لكرد سوريا عمّت معظم المدن الكردستانية بمشاركة فاعلة من كرد الشتات في أوروبا.
في معظم الاتصالات التي أجراها مسؤولون أميركيون مع دمشق ومن خلال تعليقات أقطاب الكونغرس الأميركي على الأوضاع، بدا واضحاً أن المسار الأميركي يرجّح حماية الكرد على الاحتفاظ بتحالفها مع قسد في سبيل محاربة داعش. وفق هذه التصوّرات أصبحت قسد، أو ما سيصار تسميتها لاحقاً بصيغة الألوية المدرجة في وزارة الدفاع، القوّة المنوط بها حفظ الاستقرار في المناطق ذات الغالبية الكردية، ولأجل ذلك أصدر الرئيس الانتقالي المرسوم 13 لعام 2026 القاضي بالاعتراف بالوجود الكردي ومحاولة تأطير الحقوق الثقافية والتعلمية للكرد السوريين في سبيل وضع تصوّرات لحل سياسي للقضية الكردية، مع وعود شفهيّة بأن المرسوم سيجري إدراجه في الدستور السوري الدائم.
من وجهة نظر دمشق، جرى تحييد خطر “قسد” على السلطة السورية، ولم يعد هناك واقعياً أيّ بديل “مسلّح” لسلطة الشرع مع إنهاء مشروع التحالف العسكري الكردي العربي المشترك، ورغم أن قسد لم تقدّم نفسها بديلاً عن الشرع ولم تكن تطمح إلى حكم سوريا، إلّا أن وجود عشرات آلاف المقاتلين شرق الفرات كان يعني الكثير لدمشق وأنقرة بوصفه تهديداً متواصلاً لسلطة الشرع. بناءً على التطوّرات الأخيرة، أصبحت قسد الحرس المحلّي للمنطقة الكردية، والكردية العربية المختلطة، أو ما أسمتها شروحات اتفاقية 18 يناير بخصوصية محافظة الحسكة، أما من وجهة نظر قسد والقوى الكردية فإن التكيّف مع الأوضاع الجديدة وتسمية محافظ كرديّ لمحافظة الحسكة وضم التشكيلات العسكرية والأمنية في وزارتي الدفاع والداخلية وتولّي قيادات من قسد والأسايش وظائف عليا، يدفع باتجاه إغلاق الباب على كرد سوريا أمام تطوّر الأحداث باتجاه الحرب المفتوحة أوّلاً، وانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في مجمل سوريا ثانياً، وإلى ماذا ستستقرّ عليه الأوضاع في المنطقة مع التهديدات الأميركية لإيران.
في تشكيلها شبه النهائي، تحوّلت قسد من قوة ذات غالبية عربية، إلى قوة ذات غالبية كردية طاغية، وهذا التحوّل الطارئ ليس ارتداداً عن فكرة احتواء الجماعات الإثنية في إطار عسكري وإداري وسياسي، فهو بالمحصلة وضع ساهمت في صناعته الولايات المتحدة على يدي ممثلها توماس براك، ومضت في ركبه أنقرة ودمشق. والسؤال الكبير هنا: هل تبدو تركيا سعيدة بالتخلّص من أشباح قسد متعدّدة القوميات، أم أنها وقعت في شرك اسمه وجود قوّة ذات صبغة كردية طاغية على حدودها الجنوبية؟ لا يمكن الجزم بإجابة واضحة، لكن تركيا التي حرّكت “الجيش السوري” في سوريا انطلاقاً من لحظة حلب، قد تصبح محكومة بهوس جديد اسمه كيان لامركزي صامت (غير معلن وغير معنون باسم الحكم الذاتي) مبني على اتفاق بين قسد ودمشق وبرعاية أميركية تحت مسمّى “الخصوصية” الكردية.
يبدو أن أنقرة ستقبل بالواقع الكردي الجديد لأجل إنقاذ عملية السلام الداخلي بينها وبين العمال الكردستاني والكرد في تركيا وعدم حشر “كل الكرد” في زاوية أضيق. مثل هذا التصوّر يقودنا إلى إمكانية أن تصبح درجة الحقوق الكردية في سوريا هي النسخة الأولية للحقوق الكردية في تركيا. ولأجل ذلك جهدت أنقرة في تحجيم التطلّعات الكردية المبنية على فكرة الكيانية السياسية في المناطق الكردية السورية، وساهمت، أو ربّما انخرطت، في كتابة المرسوم 13، ذلك أن القضية الكردية في سوريا وفي العراق وإيران، هي وفق التصريف التركي، قضيّة تركيّة أيضاً.
على أيّ حال، يبدو أن الأمزجة في دمشق وأنقرة وواشنطن والحسكة تميل إلى القبول بأنصاف الحلول في هذه المرحلة، على أن تبقى فكرة تطبيق الاتفاقيات الأخيرة بين دمشق وقسد هي المحدّد الأساسي لصورة الأوضاع وجدارة الأطراف المحلية السورية على التعاون عبر ضبط النفس والقبول بالواقع الجديد الذي يبدو عند النظر إليه من الأعلى بأنه فرض دوليّ لصيغة لا غالب ولا مغلوب، أو تجميد للصراع في أسوأ الأحوال. وهنا يمكن تكثيف النقاش بأن الأولوية الأميركية تكمن في مواصلة الضغط على إيران، وثني الأطراف الإقليمية، وأوّلها تركيا، من تشتيت واشنطن عن هدفها الأساسي. بهذا المعنى يتعيّن على الجميع تجميد الصراع، الذي انطلق من “لحظة باريس” مطلع الشهر الماضي، والعمل على اتخاذ خطوات جدية لبناء الثقة المفقودة بين قسد ودمشق لتسهيل عملية الاندماج العسكري والإداري على التوالي، وإلّا قد يصبح ما تحقّق حرباً، ثم اتفاقاً، مجرّد هدنة تخفي حرباً أخرى أشد ضراوةً على الطرفين.





