المركز الكردي للدراسات
تشهد سوريا منذ ديسمبر 2024 تحولاً جذرياً في طبيعة الدولة، حيث تُعاد صياغة سورية إلى “كيان وظيفي” يستمد شرعيته من أدائه لوظائف محددة ضمن المنظومة الدولية بدلاً من تمثيله لإرادة مكوناته الداخلية. هذا التحول ليس مجرد تطور تكتيكي، بل يمثل إعادة تأسيس خطيرة لمنطق الحكم، ويستند إلى ما يمكن تسميته بـ “استبدال مصادر الشرعية”، حيث تُستبدل “الشرعية الشعبية” بـ” الشرعية الوظيفية” الممنوحة من القوى الإقليمية والدولية، مقابل خدمات جيوسياسية عابرة للحدود.
يمكن فهم هذا التحول من خلال عدة نقاط نظرية:
نظرية “الدولة الأداة”، تتبنى الحكومة الحالية في دمشق مبدأ: إن البقاء والأمان يتحققان عبر العلاقات مع الخارج (وهو سبب وأساس وجودها) وليس عبر التمثيل الديمقراطي الداخلي. في هذا الإطار، تصبح “الوظيفة الجيوسياسية” للدولة (مكافحة الإرهاب، وعدم إثارة الفوضى في الإقليم، ورضا من أتى بها) أكثر أهمية من “العقد الاجتماعي” الداخلي.
مفهوم “الشرعية”، فبينما تعتمد “الشرعية الداخلية” على القبول الشعبي والتمثيل، تقوم “الشرعية الخارجية” على الاعتراف الدولي والأداء الوظيفي في المنظومة العالمية. وتمثل الحالة السورية نموذجاً متطرفاً للدولة ذات الشرعية الخارجية “الكاملة” والشرعية الداخلية “المشوّهة”.
“الدولة القسرية”، بإعادة إنتاج نموذج “الدولة المركزية القسرية”، حيث يتم استخدام الاعتراف الدولي كأداة لقمع التنوع الداخلي وفرض التجانس القسري.
“المقايضة الكبرى”: مفهوم تأسيسي
“المقايضة الكبرى” هي عملية استراتيجية ممنهجة لاستبدال السيادة الشعبية الداخلية بالاعتراف الدولي، من خلال تقديم تنازلات جيوسياسية خارجية مقابل الحصول على دعم دولي لفرض السيطرة المطلقة على الداخل وإلغاء أي تعددية سياسية أو إدارية. هذا المفهوم يتجاوز فكرة “صفقة الحكم مقابل الأمن” التقليدية، ليشمل “مبادلة” البنية السياسية للدولة بالضمانات الدولية. وتتكون المقايضة من:
التنازل الجيوسياسي الخارجي، بالتخلي عن السيادة الوطنية في السياسة الخارجية والأمنية.
الاكتساب الداخلي، بالحصول على غطاء دولي لممارسة سلطة مطلقة داخلياً.
التبرير الوظيفي، بتقديم الذات كـ “أداة استقرار” للقوى الكبرى.
الإلغاء البنيوي للتعددية، بـ “استئصال” أو “احتواء” أي تكوينات سياسية/إدارية منافسة.
المسارات الثلاثة للمقايضة الكبرى
تعمل السلطة في دمشق وفق منطق “التنازل عما هو بعيد لامتلاك ما هو قريب”، وهو مبدأ يعكس استغلالاً عميقاً لـ “اقتصاد السيادة”، حيث تُعامل السيادة كـ “مورد” قابل للتجزئة والمقايضة، وليس كقيمة مطلقة غير قابلة للتصرف.
المسار الأول، شراء الصمت بالتخلي والضمانات الأمنية
ما تقدمه حكومة دمشق الحالية لإسرائيل يتجاوز اتفاق فصل القوات 1974 بمراحل. وتشمل التنازلات المقدمة لإسرائيل: القبول الصريح بالسيطرة الإسرائيلية على الجولان. وإنشاء “منطقة عازلة وظيفية” في جنوب سوريا تخضع لرقابة أمنية مشتركة (إسرائيلية-أمريكية-محلية). وتفكيك نهائي وشامل لفكرة الصراع مع إسرائيل والغرب.
هذا التنازل الجيوسياسي الضخم يُشترى به “صمت” غربي وعربي تجاه أي عمليات عسكرية داخلية من قبل حكومة دمشق ضد المكونات التعددية، وخاصة في الشمال والشمال الشرقي.
هنا يتجلى “منطق المقايضة الكبرى” بوضوح: تُباع السيادة الخارجية (لتركيا، وأمريكا، وإسرائيل) والجولان (تقول السلطة لجمهورها: ليذهب الجولان بمن فيه، أي بـ “دروزه”)، والاستقلال الاستراتيجي، وعروض استثمارات النفط والغاز المستقبلية، لشراء السيادة الداخلية المطلقة (القضاء على الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد، إخضاع السويداء، استمرار التسلط على الساحل، تصفية أي مشروع لامركزي، قمع أي مشروع مدني ديمقراطي).
المسار الثاني: “الوكيل الآمن”
تستثمر حكومة دمشق في “الهوس الأمني الغربي” المتعلق بالإرهاب الإسلامي، وتقدم نفسها كـ “بديل براغماتي” عن الفوضى المحتملة. الخطاب المقدم لواشنطن يقوم على المعادلة التالية: دولة مركزية قوية + سيطرة أمنية صارمة = منع عودة داعش والقاعدة + الاستعداد للعمل الوظيفي خارج الحدود: في العراق ولبنان.
المفارقة الكبرى في هذا المسار هي أن “الاستقرار المعروض” مبني على قمع شامل للتعددية، وهو ما يُنتج “سلاماً سلبياً” (Negative Peace)قابلاً للانفجار وليس “سلاماً إيجابياً” (Positive Peace) مستداماً. ويُظهر التاريخ أن الأنظمة المركزية القمعية في مجتمعات متعددة تُنتج دورات عنف مستمرة. لكن حكومة دمشق تراهن على أن واشنطن تفضل “الاستقرار القصير المدى” على “الديمقراطية طويلة المدى”، وهو رهان له سوابق تاريخية في المنطقة.
المسار الثالث: الاستثمارات مقابل الولاء
تُقدر تكلفة إعادة إعمار سوريا بـ 400-500 مليار دولار (البنك الدولي، 2017)، وهو رقم فلكي يفوق قدرة أي طرف منفرد. ودمشق تُحَوّل هذا العبء إلى “أصل سياسي” قابل للمقايضة، عبر توزيع فرص الاستثمار على أساس “الولاء السياسي” وليس الجدوى الاقتصادية فقط: الشركات التركية والأمريكية.
في الختام:
تكشف المسارات الثلاثة عن فلسفة جذرية، سياسية في الشكل وميليشياوية ومافياوية في المضمون: السيادة ليست قيمة مطلقة، بل “مورد استراتيجي” قابل للتجزئة والمقايضة. ودمشق تبيع “السيادة الخارجية” (الاستقلال الاستراتيجي، السياسة الخارجية المستقلة، المطالب الوطنية الكبرى) لتشتري “السيادة الداخلية المطلقة” (القمع الشامل، إلغاء التعددية، الاستبداد المطلق).
تمثل “المقايضة الكبرى” نموذجاً خطيراً لتأسيس شرعية سياسية من الخارج على حساب التمثيل الداخلي، حيث تتحول الدولة إلى “أداة وظيفية” في خدمة مصالح القوى الكبرى مقابل الحصول على تفويض مطلق للقمع الداخلي. هذا النموذج لا يهدد مستقبل سوريا فقط، بل يخلق سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، حيث تصبح السيادة سلعة قابلة للبيع والشراء، والاستبداد الداخلي ثمناً مقبولاً للاستقرار الإقليمي.





