هيئة تحرير وول ستريت جورنال
ما الذي يبرّر هذا الاستعجال في سوريا؟ من الصعب العثور على مصلحة أمريكية واضحة في القضاء على «قوات سوريا الديمقراطية» ذات القيادة الكردية، وبوتيرة سريعة إلى حدّ ترك مصير سجناء تنظيم «داعش» الذين كانت تحرسهم في مهب المجهول. وقد بدأ هذا الخطر يتجسّد فعلاً، بعدما فرّ بعض السجناء، ما اضطر الجيش الأمريكي إلى التدخل يوم الأربعاء ونقل آخرين إلى العراق.
لا يزال الرئيس الأمريكي يمتلك ورقة ضغط فعّالة تتمثّل في العقوبات، كان يمكن استخدامها لفرض وقف دائم للعنف الذي تمارسه السلطة السورية بقيادة أحمد الشرع ضد «قسد». لكن ذلك لم يحدث. إذ تُدار السياسة الأمريكية حالياً على يد توم باراك، السفير الأمريكي في أنقرة، الذي يقوم في الوقت نفسه بدور المبعوث إلى سوريا. ومن المعروف أن أولوية تركيا هي إنهاء الوجود العسكري الكردي، فيما تُعدّ أنقرة الداعم الأبرز للشرع.
يوم الاثنين، أجرى الرئيس الأمريكي اتصالاً بالشرع، وفي اليوم التالي خرج باراك بتصريح بدا كأنه إعلان نهاية لـ«قسد»، حين قال إن الدور الأساسي لهذه القوات في محاربة «داعش» قد انتهى، وإن دمشق باتت مستعدّة لتولّي الملف الأمني، بما في ذلك إدارة سجون التنظيم.
غير أن هذا «الاستعداد» بدا هشّاً منذ اليوم الأول، حين أعلنت دمشق فرار 120 من سجناء «داعش». وهو ما يفسّر التدخل السريع للقيادة العسكرية الأمريكية لنقل السجناء إلى العراق، بعيداً عن سيطرة النظام السوري الجديد.
قبل عام واحد فقط، كان أحمد الشرع يقود فصيلاً جهادياً. أما اليوم، فقد تحوّل مقاتلو تلك الفصائل إلى نواة الجيش السوري، الذي لا يزال خليطاً من ميليشيات متعدّدة الولاءات وهياكل القيادة، وبينها مقاتلون أجانب في مواقع حسّاسة. ولا توجد ضمانات حقيقية بأن هذه القوات ستخوض مواجهة جادّة مع «داعش» في المناطق النائية، أو أنها ستكون موثوقة في قتال جماعات إسلامية سنّية أخرى.
ويكفي التذكير بحادثة مقتل ثلاثة أمريكيين الشهر الماضي على يد عنصر في قوات الأمن السورية. فرغم انكشاف صلاته بتنظيم «داعش»، قيل إن فصله لم يكن «ممكناً» قبل تنفيذ الهجوم. لم يُنظر إلى الأمر على أنه طارئ.
في المقابل، لم تواجه الولايات المتحدة هذا النوع من الشكوك مع «قسد»، التي خاضت حرباً فعّالة ضد «داعش». وحتى حين قال الرئيس الأمريكي إن الكرد كانوا يقاتلون «من أجل أنفسهم أكثر مما كانوا يقاتلون من أجلنا»، فإن ذلك لا يقلّل من أهمية ما قدّموه.
لقد دفعت «قسد» ثمناً بشرياً باهظاً، وخسرت آلاف المقاتلين، كي لا تضطر الولايات المتحدة إلى القتال البري المباشر. وبعد هزيمة «داعش»، واصلت التعاون مع واشنطن في ملفات النفط، وتولّت احتجاز آلاف من عناصر التنظيم، ما جنّب دولاً عديدة — ولا سيما الأوروبية — عبء إعادتهم ومحاكمتهم.
بكلمات صريحة، كان الكرد يقومون بالمهمة الأصعب نيابةً عن الآخرين. والسؤال المطروح الآن: هل ستُكافَأ هذه التضحيات بالخيانة؟
يعتمد الشرع في تقدّمه العسكري على مجموعات عشائرية مسلّحة. وإذا وصلت هذه القوات إلى سجون «داعش» أولاً، فذلك ينذر بكارثة. وإذا دخلت مناطق ذات غالبية كردية، سواء عبر هذه المجموعات أو عبر قوات النظام، فإن خطر تكرار المجازر يصبح واقعياً. وهذا ما حدث بالفعل مع العلويين والدروز في عام 2025، من دون محاسبة تُذكر، رغم وعود الشرع.
كانت «قسد» تعوّل على الدور الأمريكي في كبح اندفاعة الشرع، إلى أن يتم التوصل إلى صيغة عادلة للاندماج الوطني. ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن يتردّد الكرد في حلّ قواتهم ودمجها في جيشٍ تُركّز السلطة فيه تدريجياً بيد رجل واحد.
اليوم، تُقامر الولايات المتحدة بأرواح حلفائها الكرد، وبمصلحتها الأمنية في محاربة «داعش» في آنٍ معاً. وكلا الأمرين يفرضان ضرورة منع أي هجوم خاطف جديد. قد تكون تركيا مستعجلة لسحق «قسد»، لكن ليس من مصلحة واشنطن أن تكون شريكاً في هذا المسار.





