محمد سيد رصاص
أعقب سقوط نظام صدام حسين في عام 2003 اضطراب عراقي كبير، ودخل العراق في حرب أهلية سنية – شيعية بفترة 2006 – 2007، كما تفاقمت القضية الكردية. وفي الوسط السني العربي، حيث كانت حاضنة النظام البعثي العروبي، لاقى “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” عند “أهل الفقيد” حاضنة اجتماعية قوية بُعيد تأسيسه في عام 2004، وكذلك تنظيم “داعش” بُعيد إعلانه في عام 2013.
في ليبيا ما بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حصل انشطار جغرافي بين غرب وشرق البلاد، مع حكومتين وجيشين منذ 2014.
في اليمن، مع تنحي علي عبد الله صالح عام 2012 أخرج الحوثيون خليفته عبد ربه منصور هادي من العاصمة صنعاء عام 2014 وزحفت قواتهم حتى عدن، ولم يستطع التحالف العربي بقيادة السعودية أكثر من إخراجهم من الجنوب اليمني، فيما احتفظ الحوثيون بالسيطرة على صنعاء وشمالها وعلى الساحل الغربي حتى الحديدة، في حين سيطرت الحكومة المعترف بها دولياً بمعونة التحالف على باقي اليمن قبل أن ينازعها المجلس الانتقالي الجنوبي منذ عام 2018، ويفقدها السيطرة على الجنوب اليمني ما عدا حضرموت والمهرة مع سيطرته على ساحلي مرفأ المخا ومنطقة باب المندب وجزيرة سوقطرة.
في السودان، أعقب سقوط نظام عمر البشير في 2019 اندلاع حرب أهلية عام 2023 ما بين قوتين نظاميتين كانتا جزءاً من النظام السابق، هما الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي كانت قد أصبحت قوة نظامية بقرار من برلمان نظام البشير. هذا ويستمد الجيش قاعدته الاجتماعية من عرب المنطقة الممتدة من الخرطوم إلى الحدود المصرية مع تحالف نسجه مع المنظمات المسلحة لأفارقة إقليم دارفور، فيما تستند قوات الدعم السريع على عرب إقليم دارفور وعلى نوبيي إقليم جنوب كردفان.
في سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 لم تستطع السلطة الجديدة تجاوز الانشطار الجغرافي الذي كان قائماً قبيل سقوط النظام السابق، ومناطق السيطرة السابقة ما زالت هي نفسها تقريباً، حيث تسيطر السلطة الجديدة على المناطق التي كان يسيطر عليها بشار الأسد مضافاً لها مدن وبلدات محافظة إدلب، بينما قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ما زالت تحتفظ بمحافظة الحسكة وكوباني، ولا تتجاوز المساحة الجغرافية للسلطة الحالية في محافظة السويداء ما كان يسيطر عليه بشار الأسد. وفي فترة ما بعد سقوط النظام ظهر مقدار الشروخ الطائفية، بين السنة والعلويين وبين السنة والدروز، وظهرت أبعاد كبيرة غير مسبوقة بالتاريخ السوري للقضية الكردية في سوريا.
هذه الحالات المذكورة من الاضطراب، الذي هو اضطراب بين مكونات البلد الاجتماعية (طوائف – قوميات – مناطق جهوية… إلخ)، لم نجد له مثيلاً في مصر ما بعد سقوط حكم حسني مبارك عام 2011، حيث كان الاضطراب المصري الذي أعقب حكم مبارك صراعاً بين الإسلاميين، بعد وصولهم للسلطة عبر صندوق الاقتراع، وبين المؤسسة العسكرية الحاكمة منذ عام 1952، والتي وجدت حلفاء لها عند القوى السياسية الليبرالية والناصرية واليسارية وكذلك عند رجال الأعمال، حتى نجح العسكر في الإطاحة بحكم الإسلاميين عام 2013 بعد عام واحد على حكمهم. وعلى الأرجح، أن هذه الحالة المصرية الخاصة كانت ناتجة عن عدم وجود قضايا طائفية أو قومية أو إثنية أو جهوية في مصر، لذلك كان الصراع سياسياً بمحمول أيديولوجي ولم يأخذ أشكالاً أخرى.
هذه الحالة المصرية وجدنا ما يماثلها في تشيلي ما بعد انتهاء الديكتاتورية العسكرية عام 1990، حيث الصراع السياسي مع محمول أيديولوجي لا يأخذ محمولات أو أشكالاً أخرى طائفية أو قومية أو إثنية أو جهوية (والسياسة هي شكل أو محمول يعبّر عن مضامين اقتصادية – اجتماعية – ثقافية)، وإن كان يعبّر في تشيلي عن انقسام طبقي حاد بين فئة قليلة من الأثرياء، تساندها أو تلتقي معها الفئات الوسطى المتدينة التي تتبع الكنيسة الكاثوليكية وبالتالي ترفض الإجهاض والزواج المدني وتشريع زواج المثليين، فضلاً عن مواقفها الرافضة للمهاجرين والمساندة لاقتصاد السوق ولا تدخلية الدولة فيه، وبين يسار يضم شيوعيين واشتراكيين وقسم من الليبراليين له قاعدة قوية داخل صفوف الطبقة العاملة وطلاب المدارس الثانوية والجامعات وفي الأحياء الفقيرة للمدن ومنها العاصمة سانتياغو. كما أن اليسار التشيلي، الممتد عند فقراء الأرياف، قد استعاد قوته في المرحلة التي أعقبت الحكم العسكري 1973-1990، تلك التي كان يمتلكها بين المثقفين والفنانين والأكاديميين.
من خلال مقارنة الحالتين المصرية والتشيلية مع الحالات الخمس العراقية – الليبية – اليمنية –السودانية – السورية، من الواضح أن هذه الحالات الخمس يعبّر تفجّر اضطراباتها الاجتماعية عن مشكلات وقضايا غير معالَجة ولا تزال قائمة عملياً، وكان سقوط أو انتهاء الديكتاتوريات قد رفع الغطاء عن واقعها الموجود، ونشأ اشتعال فتيلها عن توازنات قوى جديدة في مرحلة ما بعد الحكم الديكتاتوري، حيث كانت الديكتاتوريات إما حجراً أعاق رؤية عمق السطح الاجتماعي أو ستاراً كتيماً أو رقيقاً فوقه، وقد قام الديكتاتوريون بمنع هذا الاشتعال بالقوة الفوقية أو قاموا بمنع إعلان وجودها أو أنشأوا ديكورات أيديولوجية قامت بالتمويه والتعمية على وجودها.
هنا، يجب طرح السؤال: هل هذه القضايا التي تفجرت أو أعلنت عن وجودها النزاعي – الصراعي غير المعالَج، في مرحلة ما بعد سقوط أو انتهاء الديكتاتوريات، هي مولودة في زمن الديكتاتوريات، أم أنها موجودة قبل ذلك؟ كما يجب طرح سؤال آخر: هل وُجدت وانفجرت قضايا جديدة ووُلدت كنتيجة لسلوكيات وسياسات معينة من سلطات ما بعد الديكتاتوريات؟
في مطلق الأحوال، تبقى هناك قضايا ناتجة عن اضطرابات ما بعد الديكتاتوريات، مثل لعب القوى الخارجية على هذا الحطب الداخلي المشتعل من أجل طبخ طبخاتها الخاصة، ومدى تجاوب مكونات الداخل المشتعل معها، في عملية استقطابية تقود لمعسكرات متضادة يتحالف فيها داخل مع خارج ضد داخل آخر متحالف مع خارج آخر، وأحياناً يحتار الخارج بين داخلين حليفين له يتصارعان، مما يدفعه للتوفيق بينهما في اتفاقيات معينة أو يجبرهما على ذلك. ومثل أن تكون اضطرابات ما بعد الديكتاتوريات كابحاً للقوى الخارجية من إسقاط نظام معين، كما نرى مؤخراً في المثال الذي يقدّمه ترامب المفضِّل لتغيير السياسات على تغيير النظام تجاه إيران خامنئي بخلاف رأي نتنياهو، وذلك لتوجّس الأميركيين من تأثير وعواقب اضطراب إيراني على عموم المنطقة، والذي بالتأكيد سيفوق الاضطراب العراقي أو السوري، بحكم المشاكل الداخلية المتراكمة إيرانياً، وبحكم الموقع الجغرا – سياسي الإيراني البالغ الأهمية، وأيضاً لأن انفجار دولة الشعوب الإيرانية (الفارسية – الأذربيجانية – الكردية – العربية –البلوشية) سيتداخل وينتقل للبلدان المجاورة، هذا غير تصفية الحسابات المتوقعة مع أتباع طهران داخل بلدان عديدة في حال سقوط النظام الإيراني.





