رياض درار
في الحالة السورية، لم يكن التحوّل الجماهيري منفصلًا عن تحوّل الإعلام نفسه، بل غالباً الإعلام سبق الجمهور وجرّه خلفه. هذا ما يمكن ملاحظته في ظهور المحللين السياسيين الجدد، الذين امتهنوا التزييف الإعلامي، وصاروا جمهوراً من المهلّلين والمصفقين. ويعتمد هؤلاء في امتهانهم التزييف والتضليل وقلب الحقائق، طرقاً وأساليب شتى منها:
أولاً، لاحظنا أن الإعلاميين والمؤثرين بدل السؤال عن ماذا حدث، عمدوا إلى سؤال ماذا يجب أن يفهم الناس، فانتقلوا من نقل الخبر إلى تصنيع المعنى، وهنا يظهر “الصحفي المهلّل” الذي لا يضيف معلومات جديدة، بل يُعيد تأطير الوقائع بما يخدم سردية جاهزة، ثم يُقدِّمها للجمهور كـ“محلل سياسي”.
التحليل هنا ليس تفسيراً، بل تبريرٌ مُسبَق. يَصنَع “المحلل” خبراً من لا شيء؟ أو يعكس الخبر، ثم يعتمد التكرار والظهور اليومي بنفس الجُمَل حتى يَكتسب “هيبة الخبرة”. ويظهر اليقين الصاخب والنبرة الحاسمة بلا شكوك (الجمهور يكره المتردّد). واللغة الداخلية لهم تقول: “نحن نعرف ما لا يعرفه الآخرون”. ومع الوقت، يخلط الجمهور بين كثرة الظهور كدليل على عمق الفهم.
ثانياً، اعتماد التزييف، فهو لا يكذب دائماً… بل ينتقي الأخطر، ليس الخبر الكاذب، بل الخبر الصحيح ويضعه خارج سياقه، كأن يقرأ رقماً بلا مقارنة، أو حادثة فردية تُقدَّم كقاعدة، أو صمت كامل عن أحداث تناقض السردية التي يتبناها، وهكذا تُبنى حقيقة انتقائية تبدو منطقية لمن يراها وحدها.
ثالثًا، التحول الماكر يحدث عندما يُستبدل الشعار الحاد، والسعار اللاذع بخطاب “عقلاني” ظاهريًا. نفس الشخص الذي يهلّل بلا نقد، يبدأ باستخدام مصطلحات “الواقعية السياسية”، “الضرورة”، “المرحلة”، فيظن المشاهد أنه أمام تحليل ناضج، بينما هو في الحقيقة تجميلٌ لغوي للانحياز.
رابعًا، هذا الأسلوب ينجح جماهيريًا لأنه يخاطب احتياجات نفسية لا فكرية، فالجمهور الذي ينشد الراحة يرضى بوجود شخص يفكر “بدلًا عنه” ويتطلع إلى اليقين من تفسير جاهز في عالم فوضوي، وهكذا الإعلام المزيّف لا يغيّر رأيك فقط، بل يريحك من عبء التفكير.
خامسًا، النتيجة ليست اقتناعًا، بل ضبابية أخلاقية، خلط بين الرأي والمعلومة، عداء لأي سؤال يُربك السردية، ومع الزمن، يفقد الناس القدرة على التمييز بين التحليل والدعاية والانفعال. بالاستثمار عبر التشويش لا الوعي.
وفي هذه الحالة، التزييف الإعلامي لا يفرض رأيًا بالقوة، بل يبني مزاجًا عامًا، ويصنع “محللين” وظيفتهم الأساسية، “تطبيع التناقض وتحويله إلى منطق” وفي هذه الحالة أخطر الصحفيين ليس من يكذب، بل من يُقنعك أن لا حاجة للسؤال.
ونحن نشاهد أي خطاب إعلامي عن سوريا، نجد ثلاث فئات مختلفة:
- التحليل الموضوعي، التحليل الحقيقي: الذي يشرح ما حدث ولماذا حدث وما هي نتائجه، يعترف بالوقائع المؤلمة حتى لو أحدث موقفه حرجاً، فهو يفرّق بوضوح بين الفاعل والضحية، والسياق الذي وقعت فيه الحادثة. التحليل الموضوعي لا يخاف من تسمية الجريمة جريمة.
- التبرير الذي لا ينكر الحدث، لكنه ينزع عنه صفته الأخلاقية، ويحوّله إلى “ضرورة” أو “ردّ فعل”. التبرير يقول: «نعم حصل، لكن…» وهذا هو مكمن الكذب.
- قلب المفاهيم، وهو الأخطر. هنا لا يتم الدفاع فقط، بل تحويل الجلاد إلى ضحية، وتحويل الضحية إلى تهديد وتسمية القمع “حماية”، والعنصرية “واقعية اجتماعية”. هذا ليس رأيًا سياسيًا، بل تشويه للغة نفسها. والمؤشرات اللغوية تكشف التبرير فورًا. وكأمثلة على ذلك:
- تعميم الضحية “البيئة” أو “الحاضنة” أو “المنطقة” أو “التركيبة” وبدل الحديث عن أفراد أو جهات محددة يتم تجريم جماعة كاملة، هذا تمويه طائفي/عنصري بلغة ناعمة.
- حذف الفاعل مثل صيغة “حصلت تجاوزات” و“وقعت أخطاء” أو “الأحداث خرجت عن السيطرة” لا نعرف من فعل؟ أو من أعطى الأمر؟ ومن يملك السلاح؟ غياب الفاعل سعي نحو تبرئة ضمنية.
- تحويل الجريمة إلى ردّ فعل، من قبيل “كان لا بد” بسبب “الضغط الأمني” سعياً لـ “منع الفتنة” بهدف “حماية الدولة”، وهذا المنطق هنا يجعل الجريمة نتيجة، وليس فعلًا مسؤولًا.
- مساواة غير أخلاقية عندما يقال “الطرفان ارتكبا أخطاء” أو “لا أحد بريء” وشعارات “الدم السوري واحد”. تُستخدم هذه المساواة لإلغاء فرق القوة، وفرق المسؤولية، وفرق السلاح. هذه ليست حيادية، بل طمس للعدالة.
يبقى السؤال كيف تُخفى الطائفية والعنصرية؟
الخطاب لا يقول: “هذه طائفة كذا” بل يقول: “ثقافة العنف” و“طبيعة المجتمع” و“الخصوصية المحلية” ثم “مشاكل تاريخية بينهم”.
السؤال: هل يُستخدم هذا الوصف دائمًا مع نفس الجماعة؟ هل يُستخدم أيضًا مع جماعات موالية؟
إن كانت الإجابة “لا”، فنحن أمام عنصرية مقنّعة.
نلاحظ كيف يُدافع عن جرائم الساحل والسويداء دون إنكارها؟ نجد الاعتراف السريع: “نعم، حصلت تجاوزات”، لكن القفز فورًا إلى: “لكن الوضع معقّد”، “لكن هناك استفزاز”، “لكن لا نعرف كل التفاصيل”، “لكن هناك فلول”، “لكن توجد جهات انفصالية”، “هناك عملاء يتواصلون مع إسرائيل”.
ومن أجل إنهاء النقاش ينتقل إلى “القضاء سيحاسب”، “الدولة لن تسمح”، “تم تشكيل لجان تحقيق” (دون أي مساءلة فعلية أو تحقيق موضوعي). هذا إفراغ أخلاقي للحدث.
لو كانت الجريمة نفسها والفاعل جهة معارضة، هل كان سيتم استخدام اللغة نفسها؟
إذا تغيّر الخطاب: من “تجاوز” إلى “مجزرة” من “ضرورة” إلى “جريمة” من “تعقيد” إلى “وحشية”، فهذا ليس تحليلًا. هذا ولاء لغوي. إن الإعلامي الذي يبرّر القتل باسم الدولة، ويعمّم الذنب على جماعات، ويُجرّد الضحية من إنسانيتها، ويطالب بالصمت باسم “الاستقرار”، هو لا يمارس تحليلًا سياسيًا، بل هندسة وعي تخدم القوة وتخون الحقيقة.
ماذا عن الخطاب الإعلامي ضد قوات سوريا الديمقراطية؟
تفكيك الخطاب الذي يوضّح كيف يُصنَّع العداء الإعلامي ضد قوات سوريا الديمقراطية، رغم أن اتفاق 10 آذار لا يزال قائمًا رسميًا، بينما التعطيل الفعلي يأتي من جهة السلطة، يفسّر بدقة منحى التزييف والتهليل.
عندما يكون هناك اتفاق سياسي ساري المفعول، لكن الإعلام يصعّد، يشوّه، يتّهم طرفًا واحدًا، ويتجاهل التعطيل من الطرف الآخر، فنحن أمام محاولة لإدارة صراع إعلامي لا توصيف واقع. فالاتفاق لا يزال ساريًا، والتنفيذ متوقّف، وأدوات التنفيذ (المشاركة، الدمج في الإدارات والجيش، الثروات والموارد السيادية، المهجّرون، الدستور، وحق المكونات) تتطلب تفاوضًا وتوافقًا. لكن الخطاب الإعلامي، يتجاهل أدوات التنفيذ، ويحمّل طرفًا واحدًا بعينه مسؤولية “التأخير”، وتالياً يروّج لاتهامات زائفة ويلصقها بالطرف الآخر من قبيل “الممالطة والرغبة في الانفصال”. الهدف من هذه السلوكيات هو نزع الصفة السياسية عن “قسد”، وبدل التعامل معها كطرف فاعل وقّع على الاتفاق، ومدعوم من قاعدة اجتماعية وجماهيرية واسعة، يتم توصيفها بـ “ميليشيا”، “أداة”، أو “ذراع خارجية” و”قوة انفصال”.
ومن أجل تبرير الإقصاء من الشراكة الحقيقية يتم استخدام “وحدة سوريا” كسلاح لا كمبدأ، ولذا يكرّرون عبارات مثل “قسد تهدد وحدة البلاد”، “مشروع تقسيمي”، “كيانات موازية”. لكن لا يَسألون: من يعطّل اللامركزية؟ ومن يرفض الضمانات الدولية؟ ومن يحتكر القرار؟ الوحدة هنا، لا تُستخدم كقيمة، بل كفزاعة لإغلاق باب النقاش.
بدل النقاش السياسي وتنفيذ بنود الاتفاق، وآليات الدمج، وتقديم الضمانات المتبادلة، تتم عملية “شيطنة الكرد”، وربط قسد بهوية واحدة، مع تجاهل الوجد العربي والسرياني ضمن صفوفها، وهذا تحويل سياسي هويّاتي، وهو تضليل مقصود.
إنهم يقولون إن قسد تماطل، تشتري الوقت، وتراهن على الخارج، لكن الأسئلة التي يجب أن تُطرح عملياً هي: من أوقف عمل لجان التفاوض؟ من جمّد المسارات؟ ومن لم يقدّم جدولًا زمنيًا؟
في الواقع، وتحت ذريعة بسط سلطة الدولة على كل المناطق، تتم ممارسة الابتزاز السياسي، التخوين بدل المساءلة، وتصوير السعي للمزيد من الوضوح والضمانات الحقيقية لإنقاذ البلاد من الفوضى على أنه استقواء بالأمريكي وسعي لتنفيذ أجندات خارجية، وهكذا يتم التهرب من الاستحقاقات الوطنية المتعلقة بشكل الدولة وتحقيق العدالة الانتقالية وضمان حقوق كافة المكونات السورية في الدستور الجديد، وغيرها من المطالب المحقّة التي ينادي بها طيف واسع من السوريين.
في المحصلة، هناك حملة إعلامية مدروسة تمارس أعلى درجات التزييف والتضليل ضد قوات سوريا الديمقراطية. وبدلًا من التوقف عند بنود اتفاق العاشر من آذار ومعالجتها بالنقد والتحليل المنطقي، والتركيز على ضرورات الالتزام به وتطبيقه من الطرفين المعنيين معاً، لما فيه خير ومصلحة السوريين بمختلف شرائحهم ومكوناتهم الإثنية والدينية والطائفية، فإنه على العكس من ذلك، يتم تلفيق الأكاذيب وكيل الاتهامات جزافاً لقسد، واعتبارها الطرف المعرقل، وذلك بهدف تبرئة ذمة الطرف الآخر، وهو هنا السلطة السورية الجديدة، ومسؤوليته من أية تبعات محتملة في حال عدم نجاح هذ المسار التفاوضي.





