محمد سيد رصاص
هناك ظاهرة إشكالية، تطرح نفسها، هي تقارب أكبر حركتين إسلاميتين ظهرتا في القرن العشرين بالوسطين السني والشيعي – هما الحركة الإخوانية والحركة الخمينية – من بعضهما البعض، ووجود تلاقيات بينهما ظهرت وصمدت طوال فترة ما بعد وصول الإسلاميين للسلطة في إيران 1979، رغم هبوب عواصف عديدة كادت تودي إلى صدام شيعي – سني ، مثل فترة الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وتداعيات الهيمنة الإيرانية عبر الأحزاب والقوى الشيعية العراقية على بلاد الرافدين في مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي بعام 2003، ثم الأزمة اللبنانية التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005.
هذا التقارب يتناقض مع حركة معاكسة استمرت لاثني عشر قرناً من الزمن، من مسار تعاكسي وتطور انفصالي سلكه السنة والشيعة في مجالي الفكر والسياسة، هذا إذا لم يصل الوضع إلى إطار تصادمي بينهما كما حصل بين العثمانيين والصفويين في القرنين السادس عشر والسابع عشر للميلاد، وقد كان هذا الانقسام، المتجسّد في طوابق الفكر والسياسة ثم في نموذجين لدولتين متصادمتين متحاربتين، انقساماً للعالم الإسلامي بين قطبين متصادمين.
هناك أسئلة يجب أن تُطرح: كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة التقاربية بين حركتين، نشأتا في فترة متقاربة من الزمن من وسطين مذهبيين متصادمين تاريخياً؟ ثم، ما هو الجسر (أو الجسور) التي وصلت (أو أوصلت) بين هاتين الضفتين؟
من الممكن أن يقول البعض إن هذا الخيط الأول يعود إلى الزيدية، الذين كانوا في الحالة الوسط بين الشيعة والسنة منذ القرن الهجري الثاني عندما قال الإمام زيد بن علي (79-122 للهجرة) بالقبول بـ “إمامة المفضول” مع وجود “الأفضل”، رافضاً عدم قبول خلافة أبو بكر وعمر. وعندما ناظره محمد بن جعفر بن النعمان (توفي سنة 160 هجرية)، وهو تلميذ جعفر الصادق (ت. 148ه)، بأن “الإمامة معهودة إلى أشخاص بأعيانهم”، طلب منه الإمام زيد ومن مجموع الشيعة الإمامية، التي بدأت تتكون آنذاك كتأسيس على يدي ابن أخيه جعفر الصادق وعلى يدي تلاميذ هذا الأخير ومنهم (ابن النعمان)، التوقف عن “ذم الشيخين”. وعندما رفضوا ذلك سمّاهم الإمام زيد بـ “الروافض”. هذه الحركة الزيدية بدأت تتطور في فترات لاحقة، ابتداءً من (ابن الوزير اليمني 1373-1436 للميلاد)، نحو تقاربات من المذهب السني ومن اللامذهبية باتجاه إسلام عام، وهو ما شمل فقهاء من الزيدية لاحقاً، مثل (محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني المعروف بالأمير 1649-1770 للميلاد) صاحب كتاب: “سبل السلام: شرح (بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام) لابن حجر العسقلاني)”، ثم الشوكاني (1758-1834 للميلاد) الذي تولى قضاء اليمن، وقد كان هؤلاء الزيديون الثلاثة متأثرين بابن تيمية (1263-1328 للميلاد) في اتجاهه البعيد عن التمذهب وفي البحث عن “إسلام عام” يأتي “من أصول النبع الأول للدين”، الذي اعتبره ابن تيمية محصوراً فقط في القرآن وسنة النبي في أقواله وأفعاله، ويضيف الشيعة أن ممرّ “أصول النبع الأول” يأتي عبر الأئمة الاثني عشر.
على الأرجح أن هؤلاء الزيديين الثلاثة كانوا الجسر الأول الذي ربط بين رشيد رضا، أستاذ حسن البنا، وبين ابن تيمية، ولم يكونوا مؤثرين أو يصلوا في تأثيرهم إلى الخميني، كتأثيرهم في البنا. وإذا أردنا التنقيب في هذا الحقل، فلن نجد مشتركاً في تأثيراته على كل من البنا والخميني سوى شخص واحد هو السيد جمال الدين الأفغاني (1838-1897 للميلاد) ليكون الجسر الأول الواصل بين ضفتين متباعدتين، ثم ليشكل ذلك الجسر الأول طريقاً إلى تلاقيات وتقاربات بين الأصوليتين السنية (حسن البنا وتلاميذه) والشيعية (الخميني وتلاميذه).
بعد قرن وربع القرن من وفاة السيد جمال الدين، لا يزال المؤرخون يختلفون حول كونه أفغانياً أم فارسياً، سنياً أم شيعياً، متديناً أم “مع غلالة رقيقة من الإسلام الرسمي” كما وصفه الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان بعد لقائه به في باريس عام 1883، قبل أن يضيف الكلمات التالية: “وقد خيّل إلي من حرية فكره ونبالة شيمه وصراحته وأنا أتحدث إليه أنني أرى وجهاً لوجه أحد من عرفتهم من القدماء وأنني أشهد ابن سينا أو ابن رشد أو أحد أولئك الملحدين العظام”. كان يثير العواصف السياسية أينما حلّ، في أفغانستان، والهند، ومصر، وفارس، وفي اسطنبول في بلاط السلطان عبد الحميد حيث مات على الأرجح مسموماً. كرهه الإنكليز، وعاداه الفرنسيون، وخشيه الروس. توزّع تلاميذه في أصقاع شتى في الفكر والسياسة، تمتدّ من مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده إلى ليبراليين مثل سعد زغلول، وامتدّت تأثيرات أفكاره إلى إسلاميين مثل رشيد رضا وحسن البنا والخميني وإلى مفكرين ليبراليين مثل لطفي السيد. وعلى الأرجح أن قول عبد الله العروي كان صحيحاً عن الأفغاني في أنه “كان، وهو العبقرية الحقيقية، يختصر بنظرة واحدة ما سيكشفه لنا، بعد ذلك، تاريخ نصف قرن، مرحلة فمرحلة. وكان تعبيره غامضاً بالنسبة للمستمعين إليه لفرط ما يتضمن كلامه من علم مسبق، وقد نقل تلامذته المباشرون أفكاره، لكنهم لم يفهموها البتة.” (“الأيديولوجية العربية المعاصرة”، دار الحقيقة، بيروت 1970، ص60).
ربما لضرورات العمل، لم يصرّح السيد جمال الدين عن شيعيته، إلا أن الأرجح أنه كان يعمل من أجل (إسلام عام)، وقد كان المدشّن الحقيقي لهذا الاتجاه بين المسلمين في العصر الحديث. يقوم كل فكره على سؤال، لا يزال إشكالياً أمام كل المسلمين منذ بداية الغزو الاستعماري الغربي للعالم الإسلامي في القرنين الماضيين: “لماذا تأخّر المسلمون، ولماذا تقدم الغربيون؟”. أجاب السيد جمال الدين بأن “تقدّم الغرب لاعلاقة له بالمسيحية” وبأن “تأخّر المسلمين له علاقة بابتعادهم عن الإسلام”. هو أراد مزج العلم والتقدم مع الإسلام والمسلمين كما كان في العصور الإسلامية الأولى، ورأى بأن هذا الطريق هو الوحيد لإعادة نهضة وقوة المسلمين، ولكن ليس عن “طريق التربية والتعليم” وإنما أولاً وقبل كل شيء عبر (جامعة إسلامية) توحّد إرادة المسلمين في السياسة لمقاومة الغرب وزحفه على بلاد المسلمين، ثم تأتي المرحلة التالية، وعبر النجاح ضد الغرب، طريقاً نحو نهضة المسلمين و”لإعادة بعث الإسلام”.
الأرجح أن السيد جمال الدين كان هو الجسر الأول الذي أوصل ضفتي السنة والشيعة إلى فكرة (إسلام عام)، وصل في تأثيراته عبر الشيخ رشيد رضا إلى حسن البنا (1906-1949) وبشكل مباشر إلى الخميني (1901-1989)، ولتقوم حركة (الإسلام السياسي الأصولي)، في شكليها السني الإخواني والشيعي الخميني، على أساس تلك الفكرة، التي تقول إن هناك إسلاماً عاماً يجمع المسلمين سنة وشيعة، وإن ما يختلفون عليه ليس الأصول بل الفروع، والإسلاميون الأصوليون، من السنة والشيعة، يعتقدون بأن هذا هو جوهر الأسس الفكرية – السياسية لـ (الإسلام العام) المتخطّي لتخومي (السنة) و(الشيعة) والجامع بينهما، فيما يرى السلفيون أن (السنة) و(الشيعة) هما في حالة اختلاف عقيدي.
هذه الفرضية، أي الأفغاني كأب فكري لفكرة (الإسلام العام)، تحتاج إلى تقصٍّ وبسطٍ وثائقي تفصيلي خاص، وتأتي صعوبتها من كون الأفغاني كان بالأساس مفكراً شفوياً، مثل سقراط، وكان قليل التأليف، والكتب القليلة التي كتبها أو أملاها لا توازي بأهميتها الفكرية ما تركه من أقوال وأفكار كان يطلقها شفاهاً. كما أن تأثيرات الأفغاني على البنا والخميني غير معترف بها من قبلهما في نصوص مكتوبة أو شفاهة، وإنما يمكن تلمّسها من خلال أقوالهما ونصوصهما.
قبل “ثورات الربيع العربي” في عامي 2011 و2012، تقاربات (جماعة الإخوان المسلمين) مع إيران الخميني – الخامنئي، والتي وصل بعضها إلى حدود التحالف كما حصل من قبل (حركة حماس) مع طهران، كانت تُعطي صورة عن علاقات هي بين عاصمة إقليمية وحركات هي خارج سدّة الحكم والسلطة (مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع الرسمي الملتبس لحكومة حركة حماس قبل وبعد انقلاب الحركة في قطاع غزة على السلطة الفلسطينية في رام الله منذ يوم 14 حزيران 2007).
مع وصول (الإخوان) إلى السلطة في تونس ومصر بعامي 2011 و2012 ظهرت احتمالات جديدة لأن تتطوّر هذه العلاقة إلى شكل تحالف بين دول إقليمية لتشكيل محور جديد على مستوى المنطقة. وربما كان هذا أحد الأسباب التي دفعت واشنطن لمراجعة تشجيعها للإخوان المسلمين على الوصول للسلطة في تونس ومصر بعد سقوط حكمي زين العابدين بن علي وحسني مبارك، بعد أن أظهر الرئيس المصري الجديد محمد مرسي إشارات على استعداده للتقارب مع إيران، وهو ما أفزع دول الخليج وإسرائيل، ومن دون ذلك لا يمكن تفسير قبول واشنطن لانتخاب مرسي والتعاون الإيجابي معه في صيف 2012، ومن ثم في صيف 2013 قبولها بانقلاب السيسي عليه.
هذه الإرهاصات التقاربية كانت قد ظهرت في عام 1996 بين أنقرة وطهران عندما وصل نجم الدين أربكان وحزبه الإسلامي لأول مرة في تاريخ تركيا الكمالية الأتاتوركية للسلطة. وعلى الأرجح أن هذا التقارب، الذي ترجم في اتفاقية عملاقة الحجم وطويلة الأمد لتوريد الغاز الإيراني لتركيا ثم أراد أربكان ترجمته في “محور شرقي إسلامي”، هو السبب الكامن وراء تشجيع واشنطن للعسكر الأتراك على انقلاب 28 شباط 1997 الذي أطاح بأربكان، وهو ما كرّره تلميذه أردوغان في يوم 17 أيار 2010 عندما وقّع اتفاقية ثلاثية إيرانية – تركية – برازيلية لحلّ أزمة الملف النووي الإيراني، قبل أن تفشل واشنطن هذه المساعي وتشجّع تل أبيب على ضرب سفن المساعدات التركية لغزة بعد أسبوعين من ذلك لدفع رئيس الوزراء التركي لـ “الانضباط في الخط”.
منذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر بتاريخ 3 يوليو 2013، وما تبعه من سقوط حكم حركة النهضة في تونس، بدأت ظاهرة تراجع الحركة الأصولية السنية الإخوانية. وما نشهده الآن بعد حرب ما بعد 7 أكتوبر 2023 في غزة يشي بأن حكم حركة حماس قد دخل مرحلة الخريف، فيما نجد صعوداً للحركة السلفية وتشجيعاً لها من بعض دول الخليج في الجنوب اليمني، وهي قوة رئيسية هناك، ثم هناك ظاهرة دعم واشنطن والرياض لوصول (هيئة تحرير الشام) إلى حكم دمشق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وهي آتية من التيار السلفي – الجهادي، وفي اليمن نجد الإخوان المسلمين، ضمن (التجمع اليمني للإصلاح)، يجدون أنفسهم بمواجهة السلفيين المدعومين من أبوظبي، وفي سوريا يجد الإخوان المسلمون أنفسهم بعيداً أو في تناءٍ سياسي عن حكم (هيئة تحرير الشام).
ربما كان تأييد قيادة التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين لإيران في حرب حزيران/يونيو 2025 مع إسرائيل وأميركا مؤشراً جديداً على الاستمرارية المتينة لعلاقة الأصوليتين السنية والشيعية، وهو ما نرى له ظواهر في علاقة (الجماعة الإسلامية) في لبنان مع حزب الله، الأمر الذي ترجم باشتراكهما عسكرياً في حرب خريف 2024 بلبنان ضد إسرائيل، ثم العلاقة المتينة بين الحزب الإسلامي العراقي، وهو الفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب الدعوة، تلك العلاقة التي لم تهتزّ منذ الستينيات حتى الآن رغم كل التوترات الشيعية – السنية التي شهدها العراق في مرحلة صدام حسين وما بعدها. وهناك مرويات شفوية نقلها شيوعيون عراقيون كانوا في دمشق قبل 2003 بأن الحزب الإسلامي وحزب الدعوة كانا في حالة غير معلنة من التوحد التنظيمي – السياسي بفترة الستينيات.
هذه الاستمرارية المتينة لعلاقة الأصوليتين السنية والشيعية، التي وصل عمرها لما يقارب نصف قرن من الزمن، تدفع للتفكير حول ما إذا كانت تلاقياتهما أبعد من سياسية، لتمتدّ إلى حقل الفكر، حيث يشتركان في رؤية فكرية واحدة لمبادئ الإسلام، ولحاضر المسلمين، وللغرب الأميركي – الأوروبي وإسرائيل، وتجاه العلمانية والشيوعية، ويحملان برنامجاً واحداً لـ “الصحوة الإسلامية” و”الحلّ الإسلامي”، رغم استمرار خلافهما على خلافات الصحابة إن كانت “خلافات سياسية بشرية” كما تقول الأصولية السنية، أو أنها خلافات “إيمانية” كما تقول الأصولية الشيعية.
والأرجح أن السياسة لا تنتج طاقة كافية لاستمرارية هذه الديمومة في التلاقي السياسي بين أصوليتين لهما امتدادات تنظيمية عابرة للحدود وتخضع لـ “مرشد واحد” عند كل منهما، بل إن هذه الديمومة في التلاقي السياسي ناتجة عن وجود منظومة فكرية واحدة عندهما.
السؤال الآن: كيف ستكون علاقة جماعة الإخوان المسلمين مع إيران في المستقبل، في ظل توتر علاقة الغرب مع الجماعة، وفي مرحلة استهداف واشنطن لطهران في عالم ما بعد 7 أكتوبر 2023؟





