د.طارق حمو
يمكن اعتبار الكلام الذي قاله زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان عند لقائه مع ابن شقيقه البرلماني عمر أوجلان في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وذلك بعد عزلة فرضتها عليه الحكومة التركية دامت 44 شهراً، خلاصة رؤيته لتركيا ولعلاقة الدولة بالكرد فيها، واستشفافاً لمآلات استمرار الصراع المسلح الدائر بين الطرفين منذ عام 1984. عمر أوجلان نقل عن الزعيم الكردي تحليلاً للمتغييرات التي بدأت تعصف بالمنطقة وتأثيراتها على تركيا، في رسالة لكل الأطراف المعنية، سواء كانت تركية تراهن على الخيار العسكري في قمع الشعب الكردي ومواصلة إنكار هويته وهضم حقوقه، أو كردية تراهن على الكفاح المسلح أسلوباً وحيداً لانتزاع الحقوق الكردية وإرضاخ تركيا. أوجلان قال إنه في حال تمسك الدولة التركية بسياسة الإنكار والصهر القومي حيال الكرد والمراهنة على المزيد من الحرب والحسم العسكري، فإنها ستبدأ في الاضمحلال والانزواء داخل الأناضول، أي ستخرج من جغرافيا كردستان، لكن بعد أن تتعرض المنطقة كلها “من بغداد إلى دمشق، ومن دمشق إلى الموصل ومن الموصل إلى أربيل” إلى العشرات من الحروب المماثلة لما شهدته غزة، بمعنى حدوث مجازر مروّعة تتصدّع بعدها تركيا وتتقسم.
أراد أوجلان الإشارة إلى حالة الانسداد التي تشهدها تركيا، والناتجة عن العقلية القومية الضيقة القائمة على إنكار الهوية الكردية ورفض الاعتراف بوجود مكون ثانٍ مؤسس للجمهورية، لافتاً إلى الشطر الأول من السيناريو الكارثي الذي ينتظر تركيا في حال بقائها رافضة للتغيير ومصرّة على الاحتكام للقوة والبطش في محاربة الكرد داخل وخارج حدودها الرسمية. قال أوجلان إن المواجهات والحروب ستمتدّ في تركيا وجوارها، وستشتعل المنطقة، ولن تنتهي هذه الحروب إلا بخروج تركيا منهكة وضعيفة وربما تخسر مساحات من جغرافيتها الحالية وتضطرّ للانكماش والانزواء في الأناضول، وكل ذلك جرّاء رفضها للسلام ومساعي الحل السياسي الديمقراطي ومواصلتها التعويل على الحلول الحربية وتغليب منطق السلاح. وزاد بأن أطرافًا خارجية ستتدخل في حال إصرار تركيا على رفض دعوات الحل والتسوية، وأن قوى كردية يمكن أن تظهر وتختار التعاون مع الخارج. هذا الكلام وجّهه أوجلان إلى العقل التركي القومي المتعصب، الذي لا يزال يرى في الكردي “ملفاً أمنياً” يشكل خطراً على تركيا ووحدتها، والذي بات يتخبّط في عماء عصبيته وزهوه وهو يرى التحولات الكبرى تحدث في المنطقة، من جهة الحضور العسكري الأميركي الذي يثبّت المتغيّرات الجارية في الخرائط، ومن جهة التصعيد والاقتدار الإسرائيلي (آنذاك كانت إسرائيل قد ضربت بنى وهياكل حركة حماس في غزة، واغتالت إسماعيل هنية، ودمّرت قوة حزب الله، وفجّرت في كوادره أجهزة البيجر، واغتالت رموز قوة الرضوان، وقتلت زعيم الحزب حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين) الذي شكّل صدمة لتركيا ومشاريعها في الهيمنة والتمدّد في مناطق النفود (العثمانية الجديدة، الميثاق الملي، الوطن الأزرق… إلخ)، والتي كانت تريد تحقيقها بالاستناد على التفوّق و”التنمّر” العسكري!
خاطب أوجلان عقل الدولة التركية ومن يعتبر نفسه “الوطني العابر للمصالح الحزبية” صاحب الدولة والحامي لها، ونقل له احتمال التفكك والانكماش إلى داخل منطقة الأناضول الضيقة، وبالتالي خسارة مساحات شاسعة من الجمهورية التركية. ضرب أوجلان على عصب القائمين على “ستاتيكو” الجمهورية التركية وحرّاس الدولة وحدودها، لكن أيضاً صبّ ماءً بارداً على أولئك الطامحين في التمدّد وإحياء المشاريع الإمبراطورية المتخيّلة، من تلك التي يقولون إنها ستُتوِّج تركيا قوة كبرى في المنطقة. وضع أوجلان هؤلاء على “كرسي الحقيقة” في مواجهة واقع يتشكّل ويبدّد كل أحلامهم في التوسع وجعل “تركيا كبيرة”، بل ويهدّدهم بالتحجيم والتقهقر وفقدان أجزاء من دولتهم. واقع يتحدّد معالمه على وقع ضربات آلة الحرب الإسرائيلية التي باتت منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 منفلتة بدون رادع، تقصف وتدمّر وتمضي في رسم حدود النفوذ والسيطرة، واضعة ملامح خارطة “شرق أوسط جديد”. أفهمَ أوجلان القائمين على الدولة بأن المعادلات تتغيّر بسرعة وأن “قرن تركيا” لن يكون إلا من خلال إعادة التحالف التاريخي القديم بين الكرد والترك، المكوّنين المؤسّسين للجمهورية، ومن خلال الاعتراف بهوّية وحقوق الشعب الكردي ورفع المظالم التي حاقت بأبناء هذا الشعب منذ مائة عام من عمر الجهورية الأحادية التي قامت على إنكار هوّيتهم وحقوقهم ومارست سياسات الصهر القومي بشتى الطرق والأساليب، تارةً من تلك المرنة (الثقافية)، وطوراً من تلك الخشنة (الإبادات والمجازر)، وبالتالي وجوب التخلي عن عقلية “تجفيف البحيرة كلها للقضاء على الأسماك”، كما قال الروائي الكردي/التركي الكبير يشار كمال ذات مرة.
كردياً، أعلمَ أوجلان الأصوات الكردية التي ترفض الحوار والتفاوض وفق استراتيجية “السلام والمجتمع الديمقراطي” التي طوّرها وقدّمها كترياق خلاص لتركيا والكرد معاً، بأن سيناريو المواجهات والحرب الذي ربما ينتهي شطره الثاني بتفكيك تركيا وتراجع سيطرة الدولة إلى داخل الأناضول (وهو ما يخلق انتشاء لدى هذه الأصوات)، لن يحدث إلا بعد انتهاء/استكمال الشطر الأول من هذا السيناريو، وهو وقوع مذابح ومجازر مهولة توازي “خمسين غزة”، يكون ضحاياها ملايين الكرد الأبرياء في تركيا وجوارها. ينطلق الكرد المعارضين لمرحلة الحوار والتفاوض، من أصحاب الاتجاهين الآنفين، من سرديات قديمة وثابتة، لا تراعي التغييرات وموازين القوة، بل تذهب في رهان ساذج على الخارج، عكس الحركة الكردية التي تعتمد على قواها الذاتية وعلى إمكانات الشعب الكردي. يخاف هذا الاتجاه من “ذوبان” القومية الكردية و”ضياع” كردستان في بنى الدولة التركية، دون أدنى معرفة بفكر أوجلان وطريقة وتاريخ إدارته للصراع مع تركيا، ودون أي إلمام وإطلاع على اليقظة القومية التي أحدثها نضال حزب العمال الكردستاني وأفكار ورؤى وتعليمات أوجلان في كردستان. والمراقب للحالة الكردية في تركيا، سيلاحظ مدى التطوّر والتصاعد الكبير للأحزاب الكردية التي تشكل الواجهة السياسية للكردستاني، ويكفي أن نعلم بأن الحزب الكردي الرئيسي سابقاً كان مضطراً للتحالف مع الأحزاب اليسارية والديمقراطية التركية للدخول إلى البرلمان، ليقينه بأنه لن يتخطى حاجز 10% ( تم تخفيض الحاجز إلى 7% عام 2022)، أما الآن فهو يتجاوز الحاجز بكل سهولة، ويمثّل الأغلبية البرلمانية المطلقة في ولايات كردستان، كما ويمتلك ثالث أكبر كتلة برلمانية في عموم تركيا. أوجلان هو صاحب فكرة تشكيل حزب الأقاليم الديمقراطية (DBP) عام 2014، وهو الحزب المحلي المنوط به تنظيم صفوف الكرد في ولايات كردستان والإشراف على رعاية الثقافة واللغة الكردية. ويرفد هذا الحزب شقيقه الحزب الأكبر: حزب المساواة والديمقراطية للشعوب (DEM Parti) بالأصوات الكردية، عبر التركيز على الشرائح الكردية ذات التوجّه القومي الصرف داخل وخارج الكتلة الصلبة المعروفة، والإشراف على الاتصالات مع الأحزاب الكردية القومية الصغيرة والتشاور معها، وإقامة التحالفات الموضعية في الانتخابات المختلفة. كما وينشط الحزب في الاتصال مع القطاعات الاجتماعية والقوى التي استطاعت أحزاب الدولة استمالتها والتأثير فيها (شرائح من المكون العربي، وعشائر كردية اشترت الدولة ذمم رؤسائها وآغاواتها، وحواضن مسلحي حماة القرى… إلخ) لضمان أصواتها وإشراك نخبها في الحراك السياسي الكردي. وكان لهذا الحزب المحلي الدور الكبير في تحقيق فوز تاريخي لحزب الشعوب الديمقراطي (الذي تم حظره لاحقاً) في الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو/ حزيران 2015، عندما حصل الحزب على 50 مقعداً برلمانياً في 14 ولاية كردية، مقابل 9 فقط لحزب العدالة والتنمية الحاكم. تعي الحركة الكردية أن مسألة الوجود التاريخي والجغرافي لكردستان من الثوابت التي ينبغي أن تتوطَّد في وعي وحياة الكرد، وكذلك في عموم الحالة السياسية والثقافية والاجتماعية في كل تركيا، وأن تتحوّل لمسلَّمة مقرّ بها. وقد لجأ أوجلان إلى تضمين مصطلح “كردستان” في عناوين كل مرافعاته الفكرية التي تحدث فيها عن المجتمع الديمقراطي وعن الأمة الديمقراطية.
يعتبر أوجلان الكفاح المسلح وسيلة للضغط على الدولة التركية لكي تغير من سياساتها تجاه الكرد وتقبل بالحوار والتفاوض، وليس هدفاً بحدّ ذاته. وقد دأب أوجلان منذ عام 1993 على الإعلان عن وقف إطلاق النار من جانب واحد لمرّات عديدة، مرفقاً ذلك بمبادرات سلام تقوم كلها على إيجاد حلول سياسية للقضية الكردية في دولة ديمقراطية لكل مكوناتها، وإنهاء المقاربة الرسمية القائمة على الإنكار والتعامل الأمني الحربي. راهن أوجلان دائماً على التعايش المشترك وإعادة تعريف للعلاقة التاريخية بين المكونين الكردي والتركي، رافضاً كل المشاريع الخارجية ومحاولات بعض القوى استخدام الكرد كأدوات للنيل من تركيا أو الحصول على تنازلات منها. ولعلّ المقابلة التي أجراها الصحفي التركي فاتح ألتايلي مع أوجلان عام 1997 (التي تم الكشف عنها مؤخراً بعد 28 عاماً من الحظر) توضّح حقيقة الثوابت التي تمّسك بها أوجلان وحزب العمال الكردستاني منذ البداية، وهي السلام والحل الديمقراطي والتعايش المشترك، بشرط الاعتراف والإقرار بالهوية والحقوق. في تلك المقابلة قال أوجلان لقادة تركيا آنذاك: “حزب العمال الكردستاني ليس عائقاً أمام السلام. ليبدأ الحوار وسنعمل على إسكات السلاح من الغد”. ومن هنا فإن سردية أوجلان لم تتغير، فهو يتحيّن الفرص لإسكات صوت السلاح ودفع الدولة إلى الحوار والحل، لبناء دولة حقوق ومواطنة. دولة تعترف بالمكونين الرئيسيين اللذين أسّسا الجمهورية، وكانا لألف عام في تحالف وتعاون، يشتركان في نفس الجغرافيا وفي نفس التاريخ.
ليس صحيحاً بأن حزب العمال الكردستاني خسر المعركة عسكرياً، أو أنه ضعف وتراجعت قدراته في المقاومة والصمود، وقبل بما أملته عليه تركيا مضطراً. هذه سردية قاصرة يكذِّبها الواقع. فالدولة التركية هي التي بادرت بالاتصال مع أوجلان ودعته للحوار والحل السلمي، معترفة به كممثل عن الكرد، ومقرّة بفشل سياساتها الحربية ( دعوة دولت بهجلي في البرلمان التركي في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، والتي دعا فيها أوجلان للقدوم للبرلمان والحديث أمام كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب والإعلان عن إنهاء الكفاح المسلح، وحديث نعمان كورتلموش رئيس البرلمان التركي عن خسارة تركيا 2 ترليون دولار في حربها ضد الكردستاني). فأوجلان والحزب قادا الحرب بثبات واقتدار رغم التضحيات الكبيرة، للوصول لتلك اللحظة التي تطلب منهما الدولة الحوار وتعرض عليهما الحل السلمي والتخلي عن السلاح، وهو ما كانا يعرضانه طيلة السنوات السابقة. وعملياً وميدانياً فقد تماسك حزب العمال الكردستاني باحترافية واضحة أمام الهجمات التركية، واستنبط أساليب جديدة لحرب العصابات الخاطفة، كما وعمل على تحصين مواقعه، مؤسّساً لشبكة واسعة ومعقّدة من الأنفاق والمخابئ في جبال قنديل، مكّنت مقاتليه من التحرّك بمرونة وسلاسة وتسديد ضربات خاطفة ومباغتة للمواقع والمعسكرات والقواعد العسكرية التركية، والعودة مجدّداً إلى معاقلهم. كما حقّق الكردستاني اختراقين مهمّين للتدابير الأمنية التركية المشدّدة، موجهاً ضربتين محكمتين في قلب الداخل التركي. الاختراق الأول كان في اقتحام مقاتلين من الحزب لمقرّ مديرية الأمن القريب من مبنى البرلمان التركي في منطقة (كزلاي) في العاصمة أنقرة في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والثاني جاء بعده بعام عندما تمكّن مقاتلان من اقتحام مقرّ الشركة التركية لصناعة الطيران والفضاء (توساش) في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2024. وجاء الهجومان كرسالة لأنقرة لإثبات قدرة الحزب على الضرب في أكثر الأماكن تحصيناً وحساسية في العمق التركي، وباستخدام طرق وأساليب لا يمكن لاستخبارات الجيش والحكومة رصدها. ويبقى التحوّل/الإنجاز الأهم عسكرياً للكردستاني هو إعلانه في احتفالات عيد نوروز القومي الكردي عام 2024 عن تمكّنه من امتلاك تقنية قادرة على إسقاط المسيّرات التركية من كافة الأنواع (Akinci Bayraktar, TB2, ANKA S) من تلك التي كانت تُعتبر فخر الصناعة العسكرية التركية، وجنت أنقرة من وراء بيعها مئات ملايين الدولارات. استنباط الكردستاني لتقنية قادرة على تحييد مسيّرات الجيش التركي سدّد ضربة لطموحات الصناعات العسكرية التركية، ودفع العديد من الدول والمنظمات إلى إعادة النظر في فعالية وكفاءة سلاح المسيّرات ومجمل إنتاج الصناعة العسكرية التركية. فقد السلاح التركي رونقه وسمعته، وبدأت جهات عديدة تتردّد في اقتناء سلاح طوّرت منظمة مسلحة مضاداً له، وأثّرت في فاعليته وقدرته على التخفي والتدمير.
لا شكّ أن تخلي حزب العمال الكردستاني عن العمل المسلح والتحوّل إلى العمل السياسي في تركيا، وبدء الدولة في تغيير قوانينها وإدخال إصلاحات دستورية، ووقف حملات القمع والمنع والملاحقة والتضييق وفتح الدعاوى، ووضع حدّ لمصادرة البلديات في ولايات كردستان عبر تعيين أوصياء عليها، ورفع القيود المفروضة على العمل التنظيمي، وإطلاق سراح آلاف السياسيين، سيضاعف من قوّة الكرد ومن حضورهم السياسي في مناطقهم التاريخية وفي عموم تركيا، عبر الاعتماد على الأصوات الكردية أولاً ( أكثر من 7 مليون كردي في اسطنبول وحدها، يرفدون الحزب السياسي الكردي بنصف مليون صوت تقريباً)، وعلى التحالف الداخلي مع القوى الديمقراطية التركية، حيث يركّز أوجلان دائماً على وجوب بناء جبهة وطنية على مستوى البلاد، قادرة على إحداث التحول الديمقراطي وبناء دولة المواطنة والقانون، ومحاربة الفساد الذي تقوده أوليغارشيات الحرب ومراكز قوى تسيطر على الاقتصاد والإعلام، وبالتالي التمكن من تخليص البلاد من حالة التبعية للخارج ومن رهاب التقسيم. هدم الفكر القومي العنصري، وبناء الهوية التعددية من خلال مشروع أوجلان “السلام والمجتمع الديمقراطي” سينقذ تركيا وشعوبها من مخطط “تغيير الخرائط”، وسيمنحها الحرية والأمل، كذلك سيعيد تصحيح العلاقة التاريخية التي تمتدّ إلى ألف عام بين الكرد والترك، وبناء الجمهورية على أساس تحالف وحضور المكونين المؤسّسين. إلى أن يحصل ذلك، أو حتى لو بدأ ذلك يتحقّق، فإن أوجلان يعتبر النضال من أجل السلام وتحقيق المجتمع الديمقراطي مستمرّاً دون وهن أو انقطاع، والمرحلة الحالية تحتاج إلى يقظة واستعداد من الجميع، وإلى ثبات كل كردي في مواقع النضال والمقاومة، كما “يقف الجندي يقظاً وحذراً وثابتاً في خندقه”، على ما نقل عنه ابن شقيقه البرلماني الشاب عمر محمد أوجلان.





