الجماعة، التي كانت تعتمد سابقاً على مقاتلين تلقّوا تدريبهم في الشرق الأوسط، باتت اليوم تجنّد عناصرها عبر الإنترنت. وبعد أكثر من 6 سنوات على انهيار «خلافة» تنظيم الدولة الإسلامية في الشرق الأوسط، لا تزال علامته من العنف المتطرّف حاضرة، مُلهِمةً هجمات «الذئاب المنفردة» مثل الهجوم الذي وقع على شاطئ بونداي في سيدني.
فالتنظيم، الذي فرض في السابق حكماً إسلامياً متشدّداً في أجزاء من بلاد الشام واعتمد على مقاتلين درّبهم هناك، بات اليوم يجنّد عناصره في الأساس عبر الإنترنت، وكثير منهم استند إلى الحرب في غزة لتبرير أعمال عنف ضد اليهود.
ورغم احتفاظ تنظيم الدولة الإسلامية بجيوب مسلّحة في أجزاء من أفريقيا وآسيا، فإن الهجمات التي يُلهِمها في الغرب ضمنت له استمرار الحضور والانتشار العالمي.
وقالت الشرطة الأسترالية إن الأب والابن، ساجد ونفيد أكرم، اللذين قتل على أيديهما 15 شخصاً كانوا يشاركون في احتفالات «حانوكا» على شاطئ البحر يوم الأحد، كان بحوزتهما في السيارة أعلام لتنظيم الدولة الإسلامية صُنعت يدوياً، إلى جانب عبوات ناسفة بدائية.
وكان مسؤولو الاستخبارات الأسترالية قد دقّقوا في ملف نفيد، الابن، عام 2019 للاشتباه بصلاته بخلية مستلهمة من التنظيم المتطرّف. كما تحقق السلطات في رحلة قام بها الرجلان الشهر الماضي إلى جزيرة في الفلبين سبق أن أعلنت جماعات تمرّد محلية فيها مبايعتها لتنظيم داعش.
ويعتمد التنظيم، الذي بات عملياً قوةً مستنزفة، على آلة دعائية متطوّرة لتجنيد المقاتلين، تتمركز في الغالب حول شبكة من خوادم «الدارك ويب – الانترنت المظلم»، ومنشورات تنتشر سريعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وأدوات للذكاء الاصطناعي، وفقاً لخبراء.
وفي بيان نشره على منبره الإعلامي «النبأ»، لم يتبنَّ تنظيم الدولة الإسلامية هجوم بونداي، لكنه أشاد به واصفاً إيّاه بالبطولي، ولمّح إلى أن المنفّذين استلهما من أيديولوجيته.
وقال هانس – ياكوب شيندلر، المنسّق السابق لفريق مجلس الأمن الدولي المعني بتنظيم الدولة الإسلامية و«القاعدة»: «الفضاء الإلكتروني هو المفتاح بنسبة 100% لهذه الهجمات». وأضاف: «الإنترنت قائم على إثارة الغضب، وهو مثالي لتطرّف تنظيم الدولة الإسلامية الذي يبني خطابه على المظالم».
وخلال السنوات الخمس الماضية، نفّذ «الذئاب المنفردة» 93% من الهجمات الإرهابية القاتلة في الغرب، بحسب «معهد الاقتصاد والسلام»، وهو مركز أبحاث.
ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق عام 2014، وسيطر سريعاً على مساحات شاسعة قبل أن يُقضى عليه تقريباً بعد 5 سنوات في عملية لمكافحة الإرهاب بدعم أميركي.
وقد أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم في سوريا خلال عطلة نهاية الأسبوع، قتلَ فيه مسلّح واحد جنديين أميركيين ومدنياً أميركياً.
وفي الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات الأخيرة، ادّعى منفّذو هجمات «ذئاب منفردة» كثيراً أنهم يتحرّكون باسم التنظيم. وقال مسؤولون إن معظمهم، إن لم يكن جميعهم، تم دفعهم للتطرّف عبر الإنترنت ولم تكن لهم صلات عملياتية بأي تنظيم.
ويمثّل ذلك تحوّلاً كبيراً عن بدايات التنظيم، حين كانت الهجمات تُنفّذ إلى حدّ كبير على يد مقاتلين مخضرمين شاركوا في حملته العنيفة في أجزاء من الشرق الأوسط. فمرتكبو سلسلة هجمات باريس في نوفمبر 2015، التي أودت بحياة 130 شخصاً، كانوا مقاتلين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.
وقالت الشرطة البريطانية إن الرجل الذي نفّذ هجومَ دهسٍ وطعنٍ مميت استهدف كنيساً يهودياً في مانشستر بإنجلترا في أكتوبر، اتصل بخدمات الطوارئ من موقع الهجوم معلناً مبايعته لتنظيم الدولة الإسلامية قبل أن تقتله السلطات. وأضافت أنه كان متأثّراً بـ «أيديولوجية إسلامية متطرّفة».
ويعكس ذلك الهجوم، إلى جانب هجوم بونداي يوم الأحد، كيفية ربط أتباع التنظيم بين أعمالهم العنيفة والحرب الإسرائيلية على «حماس» في غزة. وقد قُتل أكثر من 70,000 فلسطيني وجُرح أكثر من 171,000 آخرين في النزاع، بحسب سلطات الصحة في القطاع، التي لا تحدّد عدد المقاتلين بينهم. وبدأت الحرب بعد هجمات قاتلة قادتها «حماس» في جنوب إسرائيل أسفرت عن مقتل نحو 1,200 شخص واحتجاز 250 رهينة.
وقالت لجنة الاستخبارات والأمن البريطانية في تقرير برلماني نُشر الإثنين إن تنظيم الدولة الإسلامية وجهاديين آخرين «حاولوا استثمار النزاع بين إسرائيل و«حماس»، ووضعه ضمن سرديات جهادية عالمية أوسع لدفع التفاعل مع أجنداتهم الإرهابية»، مضيفةً أن «تشجيع الأفراد على تنفيذ هجمات مرجّح جداً أن يستمرّ».
ولا تزال الهجمات ذات الدوافع الإسلامية المتطرّفة المصدر الأكبر للعنف السياسي في أوروبا بفارق كبير، رغم تنامي إرهاب اليمين المتطرّف. ووفق وكالة إنفاذ القانون التابعة للاتحاد الأوروبي «يوروبول»، شكّلت الأعمال المرتبطة بالجهاديين 64% من جميع قضايا الإرهاب في القارّة عام 2024، انخفاضاً من 74% في العام السابق.
وقال ريتشارد مور في خطاب ألقاه في أيلول/سبتمبر بمناسبة نهاية ولايته على رأس جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية «MI6»: «أتى التهديد أكثر عبر لوحة المفاتيح، من فاعلين محلّيين تطرّفوا ذاتياً – خطر متشتّت ومتشابك شبكياً».
وقد طردت معظم المنصّات الإلكترونية تنظيم الدولة الإسلامية بعد بروزه عالمياً عام 2014، إلا أن التنظيم أتقن «تبديل الأشكال» للتحايل على حملات القمع، وفق مصطفى عياد، المدير التنفيذي في «معهد الحوار الإستراتيجي»، وهو منظمة غير ربحية ترصد المحتوى المتطرّف على الإنترنت.
ويستقرّ جزء كبير من محتواه على مواقع محمية بكلمات مرور ضمن منصّات تخزين بيانات يصعب رصدها، بحسب «تقنية ضد الإرهاب»، وهي منظمة مدعومة من الأمم المتحدة تعمل مع شركات التكنولوجيا والحكومات لمكافحة المواد المتطرّفة على الإنترنت.
وأدّى تحقيق مشترك العام الماضي بين السلطات الإسبانية ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي و«يوروبول» إلى مصادرة خوادم حاسوب في ألمانيا والولايات المتحدة وآيسلندا كانت تخزّن محتوى للتنظيم، بما في ذلك أدلّة لصنع القنابل ومحافظ عملات مشفّرة.
وقال عياد إن أنصار التنظيم ينشئون عادةً حسابات جديدة مع حذف القديمة، ويُنقّحون النصوص لإزالة الإشارات إلى التنظيم أو شعاراته تفادياً للرصد.
وأفاد «معهد الحوار الإستراتيجي» بأن لقطات من هجوم أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنه خارج موسكو عام 2024، وأسفر عن مقتل 137 شخصاً، أُعيد تداولها 73 مرّة على منصّة «إكس» وحصدت 22 مليون مشاهدة قبل حذفها، مضيفاً أن المحتوى لم تنشره حسابات مرتبطة بالتنظيم.
كما حاول التنظيم استغلال انتشار «تيك توك» لتطرّف الشباب وتجنيدهم، بحسب تقرير للأمم المتحدة حول مكافحة الإرهاب صدر في تموز/يوليو.
وعندما دهس مهاجم مستلهم من التنظيم حشداً في نيو أورلينز في رأس السنة الحالية، ما أسفر عن مقتل 15 شخصاً، نشر مقطع فيديو على «فيسبوك» يقول فيه إنه على وشك تنفيذ الهجوم. وانتشر الفيديو على نطاق واسع عبر «تيك توك»، حيث حصدت منشورات تمجّد المهاجم آلاف المشاهدات، وفق المعهد. وألقى شيندلر باللوم في الانتشار السريع لتلك المقاطع على «فشل ذريع للمنصّات» في ضبط المحتوى.
وقالت شركة «ميتا بلاتفورمز»، المالكة لـ «فيسبوك»، إنها أزالت جميع المحتويات التي نشرها المنفّذ وكل ما يمجّد فعله، مؤكّدةً أن «تنظيم الدولة الإسلامية وجميع المنظمات ذات الصلة محظورة على منصّتنا»، ومضيفةً أنها كثيراً ما ترصد «حالات تتبنّى فيها جماعات أو أفراد أساليب جديدة لتجنّب الرصد والتحايل على سياساتنا وآليات الإنفاذ».
من جهتها، قالت «تيك توك» إنها أزالت أكثر من 6.5 ملايين فيديو لانتهاكها قواعدها بشأن المنظمات العنيفة والكراهية خلال النصف الأول من هذا العام، كما أزالت 17 شبكة تروّج للتطرّف العنيف على الإنترنت، تضمّ أكثر من 920 حساباً، في عام 2025.
وبحسب تقرير أممي صدر في شباط/فبراير، بات مجنّدو تنظيم الدولة الإسلامية أصغر سنّاً. وأشار التقرير إلى توقيف شاب يبلغ 19 عاماً في النمسا العام الماضي للاشتباه بتخطيطه لهجوم خلال حفل للمغنّية تايلور سويفت في فيينا، وكذلك توقيف شاب شيشاني يبلغ 18 عاماً أثناء محاولته مهاجمة مباراة كرة قدم أولمبية في فرنسا. كما اعتقلت قوات الأمن في أنحاء أوروبا العام الماضي 25 قاصراً كانوا جزءاً من مجموعات إلكترونية مرتبطة بالتنظيم أثناء إتمامهم خططاً لهجمات متزامنة منسّقة في عدة مدن.
وغالباً ما يبدأ «الاستمالة» عبر الإنترنت بدعاية عامة قبل الانتقال إلى تعليمات دقيقة للهجمات. وقال شيندلر إن لاجئاً سورياً طعن 3 أشخاص حتى الموت في شمال ألمانيا العام الماضي كان قد تابع في البداية محتوى مرتبطاً بتنظيم الدولة الإسلامية على الإنترنت قبل أن يندفع نحو التطرف بفعل حرب غزة.
وأضاف أن الرجل تواصل لاحقاً عبر الإنترنت مع متعاطفين مع التنظيم وشرع في نشر محتوى متطرّف. وبالاستناد إلى نصائح متاحة على الإنترنت، اشترى سكين مطبخ – بدلاً من سكين قد تسترعي انتباه السلطات – وطعن الضحايا في الرقبة لزيادة احتمال وفاتهم، وفق شيندلر، الذي يشغل الآن منصب المدير الأول في «مشروع مكافحة التطرّف»، وهي منظمة غير ربحية.
وأشار تقرير أممي لمكافحة الإرهاب إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية يستخدم على نحو متزايد أدوات الذكاء الاصطناعي للترجمة الآلية للدعاية. كما يستخدم أعضاؤه في آسيا الوسطى الذكاء الاصطناعي لنشر تعليمات لصنع عبوات ناسفة بدائية من مواد منزلية، ولطباعة مكوّنات أسلحة بتقنية ثلاثية الأبعاد (3D) . ثم يُعمَّم المحتوى عبر تطبيقي «تلغرام» و«واتساب»، بحسب التقرير.
وقالت «ميتا»، مالكة «واتساب»، إنه «لا مكان على منصّة المراسلة لمحتوى أو أشخاص يروّجون للعنف أو للنشاط الإجرامي واسع النطاق أو للإرهاب». وأكدت «تلغرام» أن لديها فريق إشراف مخصّصاً «يزيل أي محتوى مرتبط بالطباعة ثلاثية الأبعاد للأسلحة أو تعليمات صنع متفجّرات منزلية».





