المركز الكردي للدراسات
نقلاً عن مجلة فوربس
جاء الهجوم الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أميركيين في وسط سوريا، ويشتبه بأن تنظيم «داعش» نفّذه، بعد نحو شهر فقط على انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي ضد «داعش».
ويشير مقتل الجنود الأميركيين في مرحلة مبكرة جداً من العمليات والدوريات المشتركة مع الجيش السوري الجديد، إلى خطورة التسرّع في دمج الحليف الأميركي الراسخ وطويل الأمد ضد «داعش»، أي «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية، في هذا الجيش الوطني الجديد.
ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، نفّذ مسلّح من «داعش» كميناً في مدينة تدمر السورية أسفر عن مقتل الأميركيين الثلاثة. وأفادت وسائل إعلام رسمية سورية بأن عنصرين من الجيش السوري كانا برفقة الأميركيين أُصيبا أيضاً، وقد جرى قتل المهاجم. وأظهرت مقاطع فيديو طائرات مقاتلة أميركية من طراز «F-16» وطائرات هجومية من طراز «A-10» وهي تحلّق فوق تدمر وتطلق شعلات مضيئة في استعراض للقوة.
من جانبه، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» الذي يتخذ من المملكة المتحدة مقراً له، بأن المهاجم كان عنصراً في قوات الأمن السورية الجديدة. وفي ختام تقريره المقتضب، دعا المرصد «وزارتي الدفاع والداخلية» في سوريا إلى التخلّص من عناصر النظام السابق وأولئك الذين يحملون «فكر داعش».
لطالما نشطت فلول «داعش» في المناطق الصحراوية وسط سوريا حول تدمر، التي تضم آثاراً رومانية شهيرة سبق للتنظيم أن سيطر عليها. وإلى جانب إلحاقه أضراراً بأجزاء من الموقع الأثري خلال الحرب الأهلية، استخدم «داعش» المدرّج الروماني الجميل مسرحاً لعمليات إعدام مروّعة صوّرها لأفلامه الدعائية.
وكانت «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة قد سيطرت على آخر ما تبقّى من أراضي «الخلافة» المعلنة للتنظيم في سوريا في مارس 2019. ومنذ ذلك الحين، انتقل التنظيم إلى العمل السري ولا يزال يشكّل تهديداً محتملاً. وأصبحت الصحراء الوسطى ملاذاً له، إذ تقع خارج نطاق سيطرة «قسد»، التي تحكم وتدير مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، وكذلك خارج سيطرة دمشق، ما يجعلها أرضاً مثالية لتنفيذ هجمات خاطفة ثم التواري.
وبعد وقت قصير من دخول الشرع التاريخ بصفته أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض في 10 نوفمبر، أصبحت سوريا جزءاً من التحالف الدولي ضد «داعش». وكان التحالف والجيش السوري الجديد قد تعاونا قبل ذلك التاريخ، وإن على نطاق محدود.
بدأت الولايات المتحدة شنّ ضربات جوية ضد «داعش» في سوريا في سبتمبر 2014، من دون تنسيق مع النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد، سلف الشرع. وفي وقت مبكر، وجدت الولايات المتحدة أن الكرد السوريين، الذين صمدوا في وجه حصار «داعش» الوحشي والمتواصل لمدينة كوباني الكردية الحدودية، كانوا أفضل حليف ميداني متاح ضد التنظيم. وانتشر عدد محدود من القوات الأميركية في شمال شرق سوريا عام 2015، وهو العام نفسه الذي تأسست فيه «قسد» متعددة المكونات. ومن هناك، وبوجود بري أميركي محدود ودعم جوي، تمكّنت «قسد» من السيطرة على العاصمة الفعلية لـ«الخلافة»، مدينة الرقة، في أكتوبر 2017، ثم على آخر جيوب «الخلافة» الإقليمية في مارس 2019.
وقدّمت «قسد» في هذه المعركة تضحيات قُدّرت بنحو 11,000 مقاتل ومقاتلة. وفي المقابل، فقدت الولايات المتحدة أقل من 12 جندياً خلال الفترة نفسها. إضافة إلى ذلك، وفّرت «قسد» حماية فعلية للقوات الأميركية خلال الدوريات ضد فلول «داعش»، ما أتاح لواشنطن الحفاظ على وجود عسكري خفيف نسبياً في سوريا لم يتجاوز 2,500 جندي لفترات طويلة، في تناقض صارخ مع الأعداد الهائلة التي نُشرت والخسائر الكبيرة خلال حرب العراق بين 2003 و2011.
وعندما حاول الرئيس دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى، سحب القوات الأميركية بالكامل من سوريا في أكتوبر 2019، عبّر جنود أميركيون قاتلوا وعملوا إلى جانب «قسد» علناً عن شعورهم بالخجل لاضطرارهم إلى التخلي عن شريك موثوق إلى هذا الحد. وفي نهاية المطاف، تحوّل الانسحاب إلى تقليص للقوات، مع بقاء القوات الأميركية في البلاد حتى اليوم. وإلى جانب وجودها في مناطق شمال شرق وشرق سوريا الخاضعة لسيطرة «قسد»، تحتفظ الولايات المتحدة بقوات في قاعدة التنف الكبيرة جنوب غرب البلاد قرب الحدود مع العراق والأردن.
ومع رحيل الأسد، أقامت الولايات المتحدة علاقات مع خلفه وبدأت العمل مع دمشق ضد «داعش» للمرة الأولى، ما قلب معادلة استمرت عقداً كاملاً بالنسبة إلى «قسد». وخلال العام الذي تلا سقوط الأسد، أصرت واشنطن على ضرورة دمج القوات الكردية في الجيش السوري الجديد بأسرع وقت ممكن.
الاندماج في الجيش السوري
وقّع القائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي، اتفاقاً مع الشرع في مارس، تعهّد بموجبه بإنجاز الاندماج الكامل بحلول نهاية هذا العام. غير أن هذه العملية واجهت عقبات كبيرة بعد المجزرة التي طالت الدروز في جنوب سوريا في يوليو، وهم حلفاء للكرد. وتبدي قيادة «قسد» تحفّظات جدية حيال نوايا الشرع وحيال الحضور الإسلامي الواسع داخل قوات الأمن السورية الجديدة. فإلى جانب الدروز، ارتكبت هذه التشكيلات المنفلتة أيضاً مجازر بحق أعداد كبيرة من أبناء الطائفة العلوية في المحافظات الساحلية السورية في وقت سابق من مارس.
أصدرت تركيا، التي شنّت عدة عمليات عسكرية عبر الحدود ضد القوات الكردية، تصريحات علنية حذّرت فيها «قسد» من تفويت المهلة المحددة لنهاية العام. غير أن هجوم السبت يُظهر، على الأرجح، أن الاندماج المتسرّع قد يكون عامل عدم استقرار. فقوات الأمن السورية الجديدة تتكوّن من عناصر سابقين في «هيئة تحرير الشام» التي حلّها الشرع، ومن جماعات إسلامية سنية أخرى. وعلى عكس «قسد»، ركّزت هذه التشكيلات أساساً على قتال قوات النظام السابق وميليشياته خلال سنوات الحرب الأهلية الطويلة. وهي، في الحد الأدنى، تفتقر إلى الخبرة في مواجهة تهديد من طراز «داعش».
وتصرّ قيادة «قسد» بقوة على أن تحافظ على هياكل الوحدات القائمة خلال عملية الاندماج. غير أن الشرع كان قد أصرّ سابقاً على حلّ «قسد» بالكامل وانضمام عناصرها السابقين إلى القوات المسلحة الحكومية كأفراد. وقد يعرقل ذلك الجهود الأمنية، ولا سيما أن المهاجم الأخير كان، بحسب التقارير، عنصراً جرى تجنيده على عجل في قوات الأمن الجديدة. فالجيش السوري الناشئ قد لا يمتلك القدرة على إجراء عمليات تدقيق سريعة في الخلفيات، ولا يتمتع بالقيادة المتمرّسة نفسها التي تمتلكها «قسد».
تملك «قسد» خبرة تمتد لعقد كامل في قتال «داعش»، إضافة إلى تدريب متقدّم قدمته لها الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب. وكان عبدي قد قال بالفعل إن وحدات مكافحة الإرهاب الخاصة المرتبطة بـ«قسد» يمكنها قريباً قتال «داعش» في عموم سوريا للمرة الأولى بعد اندماجها، بما في ذلك موقع كمين السبت في البادية السورية. وقد يؤدي الاندماج المتسرّع، الذي يفرض على «قسد» أولاً حلّ وحداتها، إلى خلق فراغ أمني في المناطق التي تسيطر عليها حالياً، وهو فراغ سيسارع «داعش» بلا شك إلى استغلاله.
وقد يتيح نهج أكثر تدرّجاً تمديد المهلة الحالية لبضعة أشهر، في وقت تساعد فيه الولايات المتحدة على ردم الفجوة بين حليفها التاريخي «قسد» وشريكها الجديد في دمشق. وقد يشمل ذلك إعادة انتشار وحدات «قسد» المتخصصة في مناطق مثل وسط سوريا لتنفيذ دوريات مشتركة إلى جانب القوات الأميركية والسورية، بهدف بناء الثقة ووضع آليات تعاون قبل استكمال الاندماج.
إن اندماجاً سلساً يمكن أن يسهم في بناء جيش سوري أقوى وأكثر احترافية، قادر على توفير الأمن والاستقرار في أنحاء البلاد، ما يمهّد الطريق لانسحاب أميركي منظّم على النحو الذي تطمح إليه إدارة ترامب.
في المقابل، قد يؤدي الاندماج المتسرّع إلى تدهور أمني وإلى نتيجة مشابهة إلى حد كبير لما أعقب الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، حين سحبت الولايات المتحدة قواتها لتضطر إلى العودة مجدداً في منتصف عام 2014 لمواجهة تصعيد غير مسبوق للعنف نفّذه تنظيم «داعش»، شمل إبادة جماعية بحق الإيزيديين في العراق.





