المركز الكردي للدراسات
بعد حوالي شهر من توقيع الحكومة السورية اتفاق تعاونٍ سياسيّ مع التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة، أعلنت واشنطن مقتل ثلاثة من أفراد الخدمة العامة في الجيش الأميركي في كمين نفّذه عنصر من قوات الأمن السورية يوم السبت 13 ديسمبر/كانون الأول في مدينة تدمر الواقعة تحت سيطرة قوات وزارة الدفاع.
بشكل متسرّع لا يخلو من الاضطراب تبادلت دمشق وواشنطن روايات متباينة حول منفّذ العملية ومكان وقوع الحادث قبل أن تستقر التصريحات على تحميل تنظيم داعش المسؤولية المباشرة. وكانت واشنطن قد حسمت على الفور هويّة منفّذ العملية عبر القول بانتمائه لتنظيم داعش، وأنهت بذلك تضارب التصريحات الأوّلية لمسؤولي سلطة دمشق الذين وجدوا صعوبة في الإقرار بوجود خلل أمني وتسلّل لعناصر التنظيم داخل المؤسسة الأمنية الوليدة. غير أن الهجوم خلّف أسئلة حول عدم توحيد الرواية بين واشنطن ودمشق الذي يكشف ضعفاً في التنسيق المعلوماتي والأمنيّ، كما أن ما جرى صار بحاجة لتقييمات جديدة للتعامل مع خلايا التنظيم وتنقية المؤسسات العسكرية والأمنية من العناصر المتطرّفة والمتسلّلة، وقد تبدأ الانتقادات لطريقة تعاطي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومبعوثه الخاص توم برّاك مع السلطة السورية الجديدة بالظهور حال تكرار الهجمات على أفراد الخدمة في مناطق سيطرة دمشق.
تضارب في التصريحات الأولية لسلطة دمشق
بصورة مسرعة صرّح الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن “منفذ الهجوم الذي تعرضت له قوات الأمن السورية وقوات أميركية قرب مدينة تدمر أثناء تنفيذ جولة ميدانية مشتركة، لا يملك أي ارتباط قيادي داخل الأمن الداخلي ولا يعدّ مرافقاً للقيادة” (1). وخلال تصريحه هذا الذي جاء بعد ساعات من وقوع الهجوم وضع الناطق الرسميّ اللوم على القوات الأميركية العاملة وذلك بقوله: “إن قيادة الأمن الداخلي كانت قد وجهت تحذيرات مسبقة للقوات الشريكة في التحالف الدولي حول معلومات أولية تشير إلى احتمال وقوع خرق أو هجمات من قبل تنظيم داعش، إلا أن هذه التحذيرات لم تؤخذ بالاعتبار”. لا يمكن التحقّق فيما إذا كانت قيادة الأمن الداخلي قد أبلغت الجانب الأميركي حول هذه المعلومات، ثمّ ما الخطوات التي كان على دمشق اتباعها لمحاولة إبطال، أو التصدّي، لما وصفته بالخرق الحاصل في صوف قواتها، إذ إن الخرق حصل ضمن عديد قوّاتها وكان بالإمكان معالجة الموضوع قبل أن يتخذ منحاه الدامي، علاوةً على ذلك تحدّث البابا حول قرار يقضي بفصل منفّذ الهجوم “لولا أن التفجير حصل في يوم السبت الذي هو يوم عطلة إدارية”.
من منظور عملياتيّ، وبمعزل عن “المسؤولية التقصيرية” لقوات دمشق الأمنيّة، فإن رمي المسؤولية على الجانب الأميركي قد يُعتبر علامة على الاضطراب الذي أصاب وزارة الداخلية في الساعات الأولى لوقوع الهجوم، وفي حال صحّة ما قاله الناطق السوري فإن المساءلة داخل القوات الأميركية العاملة في الأراضي السورية ومرحلة إعادة التقييم اللاحقة ستحاول تقديم تقرير يوضّح وجود “تحذير” سوري من عدمه.
خلال الساعات الأولى لم تحدّد دمشق انتماء المهاجم سواء كان عضواً في تنظيم داعش، أم مجرّد شخص “يحمل فكراً متطرّفاً” على ما قاله نور الدين البابا، أم عضواً سابقاً في هيئة تحرير الشام حافظ على أفكاره السابقة المتشدّدة التي اشتغلت عليها الهيئة قبل وصولها إلى السلطة، الأمر الذي يضعف من مصداقية رواية السلطة السورية التي تحدّثت عن وجود “تحذير” مسبق للقوات الأميركية. لكن، في اليوم التالي عدّلت دمشق على روايتها، وأفادت وزارة الداخلية، وفقاً لرويترز (2)، بأن منفّذ الهجوم كان منتمياً لتنظيم داعش، وأنها بناء على ذلك قامت بإلقاء القبض على 5 مشتبه بهم في عملية إطلاق النار على قوات أميركية وسورية في تدمر، وأن العملية “جاءت بالتنسيق الكامل مع جهاز الاستخبارات العامة وقوات التحالف الدولي، واستناداً إلى معلومات استخبارية دقيقة”. فيما الملاحظ في بيان الداخلية السورية غياب مسألة التحذير المسبق التي تحدّث عنها الناطق باسم الداخلية السورية.
هل ساهمت واشنطن في تعديل الرواية السورية؟
مدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب طوق نجاة لحكومة دمشق، إذ صرّح للصحفيين أمام البيت الأبيض ردّاً على مقتل ثلاثة من أفراد الجيش الأميركي في تدمر السورية أن “الولايات المتحدة سترد على تنظيم الدولة الإسلامية إذا تعرضت قواته لهجوم آخر” (3). مردفاً أن الحادث نجم عن “كمين”، ولعل مفردة “الكمين” كانت كفيلة بإبعاد الشبهات عن الخلل القاتل داخل المنظومة الأمنية لسلطة دمشق وهي ذات المفردة التي تبنّتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، خاصة أن الرئيس الأميركي زاد على تعليقه هذا ما كتبه في منصّة تروث سوشيال بأن الرئيس السوري أحمد الشرع “يشعر بغضب شديد واستياء بالغ إزاء هذا الهجوم”.
تصريحات وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، وممثل الرئيس الأميركي في سوريا توم براك، اتجهت أيضاً إلى اعتبار داعش من يقف خلف الهجوم، وبالتالي تبرئة ساحة السلطات الأمنية السورية. ومن الملاحظ أن إدارة ترامب ونتيجة لاحتضانها الكبير للشرع لا يمكن أن تسارع إلى توجيه اللوم للقيادة السورية، إذ سترتد الانتقادات نحوها بعد أن فتحت أبواب البيت الأبيض للرئيس السوري الانتقالي في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ودفعت باتجاه الإلغاء المشروط لعقوبات قيصر، خاصة وأن من بين شروط رفع العقوبات يأتي شرط اتخاذ دمشق “خطوات ملموسة في مكافحة التنظيمات الإرهابية”، ولعلّ هجوم تدمر قد يقود باتجاه مراجعة مسألة جدارة دمشق في مكافحة التنظيمات الإرهابية التي ظهرت ضمن صفوف قوّاتها نفسها ما سيشكّل خطراً على سلامة القوّات الأميركية العاملة في سوريا بعد إعلان انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة داعش.
أسئلة ما بعد الهجوم
ينتظر المراقبون للشأن السوري التقييمات التي ستجريها قيادة البنتاغون للأوضاع في سوريا، ومقارنة ما جرى في تدمر بعد شهر على إعلان تعاون دمشق مع التحالف الدولي لمحاربة داعش، مع نتائج تحالفها الأسبق والمتواصل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، خاصةً أن منفّذ العملية كان عضواً في قوّات الأمن السورية، وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين وسوريين، ووفقاً للصحيفة فإنه “رغم تعهد المسؤولين الأميركيين بمواصلة التعاون مع القوات السورية، يرى بعض المحللين أن الهجوم قد يعقّد جهود تعميق العلاقات الأمنية، إلى أن ينجح الشرع في فرض سيطرة أفضل على قواته”(4)، فمن الواضح أن تعدّد الفصائل المكوّنة لوزارة الدفاع يحتاج إلى إعادة ضبط وهيكلة والتدقيق في هويّة المنضوين إلى صفوف قواتها، ذلك أن إمكانية انضمام متطرّفين أو أعضاء في تنظيم داعش إلى الجيش السوري باتت أسهل نتيجة صعوبة التفريق بين الأفراد المنضوين لطبيعة تشابه المناهج العقائدية في المؤسسة العسكرية والأمنية الوليدة. إضافة إلى تعجّل دمشق في عملية تشكيل جيش فئوي بعديد قوّات أكبر، الأمر الذي يفسح المجال لانضواء مقاتلين جدد دون تدقيق وفحص أمنيّ. وعلاوة على ذلك تتجاهل دمشق مسألة الفصل في ملف المقاتلين والضبّاط الأجانب في صفوف وزارة الدفاع وإمكانية أن يشكّلوا عامل خطر دائم في أكثر المؤسسات حساسية.
يبدو أن حادثة الهجوم ستترك خلفها أسئلة حول جدارة دمشق في إدارة ملف محاربة داعش والقاعدة والجهاديين الأجانب وقدرتها على “تنقية” المؤسسات الأمنية والعسكرية من العناصر المتطرّفة، وكذلك قدرتها على العمل بصورة منفردة في كامل الأراضي السورية بمعزل عن دعم قوات سوريا الديمقراطية، لا سيّما في البادية وريف دير الزور والمناطق الحدودية الشرقية. وبطبيعة الحال لن يغيب عن ذهن البنتاغون وصنّاع القرار في واشنطن التذكير بأهمية تطبيق اتفاقية 10 مارس/آذار للوصول إلى شكلٍ أمني أمثل للتعامل مع مخاطر تنامي قدرات داعش والاختراقات التي قد تحققها داخل المؤسسات الأمنية الجديدة. ويبقى السؤال الرئيس: ماذا لو تكرّر هجوم تدمر في مناطق أخرى أو تكرّر استهداف القوات الأميركية أثناء العمليات المشتركة مع القوات الأمنية السورية؟ ثم هل ستتحمّل إدارة ترامب دفع فاتورة الثقة المفرطة بقدرة الشرع على إدارة المرحلة الانتقالية بمعزل عن وجود شركاء سوريين آخرين، خاصة أن طبيعة أخطاء سلطة الشرع قد تصبح مكلفة على الولايات المتحدّة وقوّاتها في سوريا؟





