د.عقيل سعيد محفوض
الطائفية السورية ليست فقط “عودة إلى الوراء”، ولا “انحداراً”، ولا “عودة المكبوت”، بل هي كشف عن أكثر مدارك وديناميات الوجود الاجتماعي في البلد والإقليم. لكن الحقيقة الأكثر تراجيدية هي أن الطائفية السورية الجديدة تبدو – في جانب مهم منها – عكس ذلك تماماً: الطائفية هي الشكل الأيديولوجي الأكثر تقدماً والأكثر صدقاً والأكثر بؤساً في سوريا اليوم، وقد تكون اليوم هي المُنقذ الوحيد من الحقيقة!
لكن، ما “الحقيقة” التي يتم إنقاذنا منها؟ إنها ليست مجرد رؤية الواقع بموضوعية، بل هي عبء “المسؤولية المشتركة”عن الفشل، والشعور المدمر بـ “العجز المطلق” أمام القوى التي دمرت البلاد، والإدراك المؤلم بأننا لم نعد نملك لغة سياسية فاعلة لمواجهة الاستبداد والموت والخراب.
تُحوِّل الطائفية هذا “العجز الداخلي” أو “الذاتي” إلى “مُعضلة خارجية”؛ هي لا تمنحك حلاً، بل تمنحك خصماً تستطيع أن ترمي عليه كل ثقل الإخفاق والهزيمة، لتعيش مرتاحاً بوهم “الضحية البريئة” أو “البطل المغدور”. بهذا، يصبح الهروب إلى الطائفة “عملاً واعياً”؛ هو استثمار في كذبة تُبقينا على قيد وهم الحرية والكرامة، بدلاً من الموت بجرعة حقيقة زائدة.
لكن هذا “الإنقاذ” هو الأكثر خداعاً. فالطائفية لا تنقذنا من الحقيقة لترشدنا إلى حقيقة أخرى، بل تنقذنا منها لنغرق في وهم أكثر رحابة وأشد فتكاً: وهم أن الكراهية هي المنفذ الوحيد من فخ التاريخ. إنها لا تحل أزمة المعنى، بل تقدم بديلاً سامّاً عنها: معنى جاهزاً ومجانياً، مُعبّأ في عبوات طائفية، يُستهلك بشراهة ويترك وراءه ركاماً أكبر من السؤال الذي كان يحاول قمعه.
نحن لا نهرب إلى الطائفية لأننا جبناء، بل لأن الشجاعة المطلوبة لمواجهة الفراغ الذي خَلَّفَته الأيديولوجيات الميتة والرهانات القاتلة أصبحت ضرباً من الترف المأساوي. وفجأة، صارت الكراهية أسهل من الفهم، والانتماء الأعمى أرحم من التفكير والمساءلة.
والآن، دعوني أشرح لماذا الطائفية هي المنقذ؟
أولاً- الإيديولوجيا الوحيدة التي نجت
القومية العربية ماتت، والبعث مات، واليسار مات، والليبرالية ماتت قبل أن تولد. بقيت إيديولوجيا واحدة فقط لم تكذب يوماً، ولم تتظاهر، ولم تحاول أن تكون “حديثة” أو “إنسانية”: الطائفية. هي لم تعد تخجل ولم تعد تتستر خلف “الوحدة الوطنية” أو “الوطن للجميع”. تقول بكل صراحة: “أنا أكرهك لأنك من طائفة أخرى”.
هذا الصدق الخام هو سرّ قوة الطائفية في زمن ما بعد الحداثة. لا تَعِدُك بالعدالة في المستقبل، ولا الديمقراطية والحريات، بل تمنحك الجحيم الفوري للكراهية كـ “بديل”متاح ومجاني. بهذا تصبح الطائفية هي “الواقع المُفرط” الذي لا يحتاج مرجعية خارج ذاته. هي لا تطلب منك إيماناً صعباً ولا تنظيماً شاقاً، تطلب فقط أن تكون طائفتك شهادة ميلادك الوحيدة الصالحة في سجل الأنقاض، وبالطبع أن يكون حقدك هو هويتك. في زمن انهيار كل السرديات الكبرى، تبدو الطائفية لحظة السخرية السوداء الأخيرة: صريحة، بلا قناع، ولا تطلب منك أن تؤمن بشيء سوى كراهيتك، ولا تحتاج منك سوى جملة واحدة: “أنا من الجماعة”.
ثانياً- الفيتِش الطائفي
يعرف السوريون، ليس كل سوري طبعاً – لكن الكمّ الكافي الذي يصنع المناخ العام، أن المشكلة الحقيقية هي الاستبداد والفساد وأنماط القيم المستقرة في التكوين الاجتماعي، وطبيعة السياسة والدولة، والوضعية الهامشية في النظام الإقليمي والعالمي، والتداخلات والتخارجات الكثيرة في الظاهرة السورية، وأن البُعد السوري هو أقل أبعاد الحدث السوري وزناً وتأثيراً. لكن هذه الحقيقة لا تُطاق؛ تُدمّر النفس وتُسبّب اكتئاباً عميقاً وشللاً وانتحاراً جماعياً بطيئاً.
فماذا نفعل عندما نعجز عن حمل الحقيقة؟ نخترع فيتشاً (Fetish): أمراً ما، واقعاً أو متخيلاً، نتخذه رمزاً أو صنماً رمزياً، يحيل إلى مصدر تهديد أو ما نعدّه كذلك، يحل محل الحقيقة الحقيقية المراد التملص منها، محل الواقع المراد الهروب من مواجهته، ويزيحهما عن الواجهة. والطائفية هي “الفتيش” السوري المثالي لأنها تعطيك عدواً ملموساً (الطائفة أو الطوائف والجماعات الاجتماعية الأخرى) بدل العدو المجرد (مع بقاء تحديد معنى العدو الخارجي مؤجلاً). وتمنحك شعوراً زائفاً بالقوة: “لو طردناهم أو أذليناهم رح نرتاح”. وتقدم متعة فورية مجانية: قبولاً اجتماعياً واسعاً، تعبيراً عن الانتماء والولاء، وبالطبع لايكات وتعليقات وفيديوهات… إلخ. وأهم شيء: تحميك من مواجهة الحقيقة الأخيرة، وهي أنك – وأكثر السوريين وفواعل الحدث السوري – جزء من عملية “تواطؤ” أو “توافق تاريخي” على ما جرى ويجري.
إن الجملة السورية التي تختصر كل شيء اليوم: “أنا عارف إنو جاري من الطائفة الأخرى، ليس هو السبب، لكن لو قتلناه أو هجرناه من منزله أو أذليناه رح أنام مرتاح، ورح أحس إنو في معنى لحياتي، ورح أَحَصِّل لايكات كثيرة، وأُصبح نجماً”. هذا هو “الفتيش” في أنقى صوره. ولذلك الطائفية لن تموت قريباً. لأنها -من هذا المنظور- ليست مرضاً، بل هي الدواء الوهمي الوحيد المتوفر ضد مرض أفظع: إدراك أننا وصلنا إلى النهاية بأيدينا.
ثالثاً- الطائفية هي الشكل الديمقراطي للفاشية
في السابق كانت الفاشية تحتاج زعيماً وحزباً وجهاز دعاية ودولة. اليوم صارت ديمقراطية تماماً: كل مواطن هو هتلر صغير في جيبه موبايل. يكفي أن يصوّر شاب مقطع تحريض ليحصل على 50 ألف إعجاب في ساعة. وتكفي فبركة فيديو يسيء لرمز ديني كي يشتعل البلد. لا حاجة لزعيم ولا تنظيم: الخوارزمية هي الزعيم الجديد، و”الترند”هو الحزب الجديد. هذه فاشية 2.0: فاشية شعبية، فاشية تيكتوكية، فاشية تضحك وهي تقتل. لكن هذه الفاشية ليست مجرد ظاهرة رقمية. إنها مرتبطة بعمق بـ “رأسمالية الكراهية” و”اقتصاد الحرب” الذي يزدهر على الدمار.
إن الطائفية هي الـ “سلعة” الأكثر رواجاً اليوم، لأنها تبرر الاستيلاء على الموارد، وتُشرعن التهجير، وتحمي شبكات الفساد. كل مقطع تحريضي، وكل شتيمة طائفية، ليست مجرد تفريغ للعواطف، بل هي جزء من “دورة إنتاج واستهلاك” للخراب يشارك فيها الجميع. إنها تمنح فواعل القتل سبباً للقتال، والتاجر سبباً للاحتكار، والمغترب سبباً للشعور المزيف بالانتماء.
الطائفية، إذاً، تخدم سياسات الكارثة على أكمل وجه: تُحوّل الضحية إلى أداة تُبقي العجلة مستمرة، وتُسكت سؤال الخبز والعدالة والمساواة بصوت الكراهية العالي. بهذا المعنى، “شعبية” الطائفية ليست ديمقراطية، وممارستها ليست من الحريات وحقوق الإنسان؛ إنها عملية “خصخصة للفاشية” تضمن استمرار الربح للقلة، عبر بؤس الأغلبية الحقيقية.
رابعاً- الطائفية هي الدين الجديد بعد “موت الإله”
عندما ماتت كل السرديات الكبرى: الوطن، والأمة، والديمقراطية، احتاج السوري إلى إيمان جديد. الطائفية قدمت له كل شيء: إله (الطائفة النقية)، شيطان (الطائفة أو الطوائف والجماعات الأخرى)، طقوس يومية (اللايك، الشير، الهاشتاغ)، تضحية (كرامة الآخر وحياته)، جنة (سوريا “نقية” بعد الإبادة والإقصاء والتهجير)، وأهم شيء: شعور بالانتماء في عالم لم يعد فيه شيء يجمع. والأهم – من هذا المنظور – أن هذا “الدين” لا يطلب منك صلاة ولا صياماً ولا زكاة… يكفي أن تنتمي لـ “المِلَّة” وتكره “المِلَل” الأخرى.
إذا قبلنا بهذا التشخيص، وهو خِلافيٌّ على أية حال، فإن السؤال الجوهري ليس: كيف نتخلص من الطائفية؟ بل هو: ماذا سنفعل عندما نرفض هذا الدواء الوهمي؟ أيّ واقع سنُجبر على مواجهته بعد أن نزيح ستار الكراهية المريح؟ هنا يكمن رعب الخيار الحقيقي: إذ إن رفض الطائفية لا يفتح باب الجنة الوطنية، بل يرميك في فضاء من اللايقين، حيث تتحول المشكلة من “عدو خارجي” واضح المعالم إلى فوضى داخلية معقدة. قد تكتشف أنك لا تمتلك لغة سياسية غير الطائفية لتسمية ظلمك، ولا رواية عن ذاتك غير رواية “الضحية” أو “المنتصر الطائفي”. وهذا الفراغ اللغوي والسياسي هو ما يجعل “العودة إلى الحقيقة” بعد الاعتياد على المخدر الطائفي أشبه بعملية انسحاب مؤلمة: أعراضها هي مواجهة العجز، والمسؤولية المشتركة، والضرورة الشاقة لاختراع أمل من لا شيء.
خامساً- العلاج الوحيد!
الطائفية ليست مَرَضَاً، بل هي العلاج الوحيد المتاح اليوم لمرض أخطر: مواجهة حقيقة أن لا شيء ينتظرنا – لا دولة مستقرة، لا عدالة، لا مستقبل، لا معنى. لقد أسعفتنا من السقوط في بئر العدم، وأنقذتنا من الآخر/ الجحيم، بتعبير مستعار من جان بول سارتر. لكن ثمن هذا الإسعاف كان باهظاً: استبدال أزمة المعنى بأزمة الأخلاق. وتتحول الطائفة إلى “كائن مُقدَّس” (Sacred Entity) يُبرِّر كل شيء: خيانة النفس والجار ومعنى الوطن. ويصبح “الخير” هو ما يخدم بقاء الجماعة الطائفية، ويصبح “الشر” هو أي تقارب أو تعاون يتجاوز حدودها.
الطائفية تمنحنا معنى فورياً رخيصاً: أنت لست فقيراً معدوماً في بلد مدمر، أنت “سني مظلوم” أو “علوي مهدد” أو “درزي ميت” أو “كردي علماني انفصالي”… إلخ، هذا هو النعيم الأيديولوجي الذي وُعدنا به؛ أن تُعطى هويتك أهمية تفوق وجودك ذاته. وتمنح “الاعتراف الفوري” الذي حُرم منه الفرد في المجتمع المنهار، مقدمةً له تعريفاً واضحاً لموقعه ودوره (أنت “مظلوم”، “مهدَّد”… إلخ)، وهو نعيم أيديولوجي مُضاد لشقاء الوجود الفردي المعزول.
تُنقذنا الطائفية من اليأس… بإغراقنا في الكراهية. وتقدم الكراهية كـ “طاقة” (Energy of Hatred). هذا هو الوقود الذي يضمن الاستمرارية. الكراهية هي عاطفة قوية ومنظمة، تُبقي على التوتر اللازم لاستمرار الإحساس بالانتماء وبالحرب الأيديولوجية غير المنتهية.
لذلك لا تتعجبوا إذا استمرت إلى الأبد. إنها تمنح صاحبها “الدفء الكاذب” للانتماء في ليل الفراغ الطويل. لكن هذا الدواء المخدر لن يقتلنا فوراً، ولو أنه يفعل على أية حال، بل سيقتلنا ببطء، ببطء يكفي لجعلنا نعتاد على خيانة النفس والجار والوطن والقيم الإنسانية، كما سبقت الإشارة، حتى نكتشف في نهاية المطاف أننا لا نملك سوى حقدنا. وفي هذا المسار الطويل قد نجد (أو يجد البعض) شجاعة أن نرفض السم ونبحث عن علاج حقيقي.
سادساً- العلاج الحقيقي
العلاج الحقيقي ليس في “التظاهر” بالمواطنة، بل في إحياء السياسة المفقودة على قاعدة جديدة: مواجهة مزدوجة وصريحة للتناقض الاجتماعي (بالمطالبة بالعدالة الاقتصادية التي تتجاوز الطوائف) وللتناقض الاستبدادي (بالمطالبة الثابتة بالحرية والكرامة الفردية) وللتناقض الإنساني (بالنظر للإنسان بذاته، بوصفه إنساناً، والمطالبة بالحقوق والحريات) وللتناقض السياسي (بالمطالبة بالمواطنة).
لا خلاص من الطائفية إلا برفض “الفتيش الطائفي” رفضاً قاطعاً، والاعتراف بأن العدو الحقيقي هو السياسات والفواعل والرهانات التي تستثمر في كراهيتنا المتبادلة. وأن رفض “الفتيش الطائفي” لا يتطلب بطولات أخلاقية زائفة، بل شجاعة “إعادة التسمية”. يجب أن ندرك أن اللغة الوحيدة القادرة على اختراق جدار الطائفية هي “لغة الحياة اليومية”: لغة الفواتير، والطعام، والتعليم، والكرامة المهدورة. والعلاج الحقيقي يكمن في إحياء “الاجتماع المدني المفقود”، ليس تحت شعار الوطنية الكاذبة، بل عبر تحالفات الضرورة التي تتجاوز الطوائف للعمل معاً من أجل هدف مشترك ملموس: الخبز والحرية.
إن “المواطن” الوحيد الذي يمكن أن يُولد في هذا الركام هو ذاك الذي يجد مصلحته الحقيقية في أن يعيش جاره بكرامة، لا أن يموت بغيظ. ربما هذا الجيل، الذي لم يختبر الأيديولوجيات الميتة لكنه يعيش جحيم نتائجها، هو القادر على أن يكتشف أن التعايش ليس فضيلة، بل مصلحة حيوية قصوى للنجاة من النهاية البطيئة. ولو أن الأمل به ضعيف أو يتضاءل باستمرار.
في الختام
ربما يأتي يوم نكتشف فيه أن الطريق الوحيد للخلاص هو أن نمرّ بالطائفية حتى نهايتها، نشبع منها حتى نتقيأها، حتى لا يبقى في الحلق غصة تستحق لايكاً واحداً.
وهكذا، تصبح الطائفية الكذبة الأخيرة التي نصدقها كي لا نموت من فرط الحقيقة. هي ليست انحداراً في الهمجية فحسب، بل هي صعود مرعب في أناقة الهروب أيضاً. نحن لا نعود إلى الغابة، بل نبني غابة مبرمجة، ذات خوارزميات تعطي لكل حقد “لايكا” ولكل تعصب “مشاركة”. والخلاص منها لا يبدأ بخطاب محبة زائف، بل بالتعبير عن الملل القاتل منها.
عندما تصير كل شتيمة طائفية مكررة، وكل فيديو تحريضي نسخة مملة من سابقه، وكل هوية مغلقة سجناً ضيقاً للنفس، قد نفتح أعيننا على حاجة أصلية: حاجة إلى قصة عن ذواتنا أكبر من قبر الطائفة، وإلى سياسة تتحدث بلغة الخبز والحرية والكرامة، تلك اللغة التي نسيها الجميع تقريباً لأن صخب الكراهية كان يُغري أكثر. ربما يكون الشفاء الوحيد هو أن تموت الطائفية داخلياً، لا بوصفة أخلاقية، بل من فرط العبث، ومن فرط إدراكنا أنها، في النهاية، لا تقدم حتى متعة الكراهية الحقيقية، بل مجرد “دوبلاج” رخيص لأصواتنا على شاشة سوداء.
جمعة مباركة يا “شعب الله المختار”… هذا الأسبوع؛ الإله هو الطائفة، والأسبوع القادم قد يتغيّر، لكن الشيطان سيبقى هو هو: نحن أنفسنا.





