د.طارق حمو
لم يجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو على متن الطائرة الرئاسية عائداً من قمة مجموعة العشرين التي استضافتها جنوب أفريقيا، في ردّه على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول “إيقاف إسرائيل للتمدّد التركي في سوريا”، سوى اللجوء إلى “المحاججة الأخلاقية” فيما يتعلق بالحرب في غزة، والإشارة إلى الانتهاكات الإسرائيلية، وبناءً على ذلك وصف نتنياهو بـ “مجرم يرتكب الجرائم أمام الجميع دون خجل”، ومن ثم تكرار أن “لا أطماع لتركيا في سوريا”، وأن أنقرة “قادرة على حماية أمنها القومي”.
وكان نتنياهو قد أعلن في اجتماع للمجلس الوزاري (الأمني) المصغّر يوم الخميس 20 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري بأن “إسرائيل قد منعت تركيا من دخول وسط وجنوب سوريا”، ونُقل عنه في تصريحات إذاعية قوله “منعنا دخولهم إلى جنوب سوريا. كانوا يريدون الدخول بالقرب من حدودنا. قلت إن هذا لن يحدث. ولم نُرِد أيضاً دخولهم إلى وسط سوريا عند قاعدة تي-4، وقد قصفنا ذلك المطار بالفعل”. كما استبعد نتنياهو حصول تركيا على طائرات إف 35 المتطورة من الولايات المتحدة الأمريكية، وأعلن بأن بلاده ستواصل التمسك بعقيدة التفوق العسكري في عموم المنطقة. وجاء كلام نتنياهو هذا بعد يوم واحد من جولة قام بها مع قادة عسكريين بارزين لمواقع متقدمة في عمق الجنوب السوري. وبعد ساعات قليلة من تلك الجولة الميدانية حلّق سرب طيران إسرائيلي فوق سوريا. وقالت وسائل إعلام محلية سورية إن “طائرات حربية إسرائيلية اخترقت أجواء الجنوب السوري وعبرت من القنيطرة وجبل الشيخ حتى غرب دمشق، ثم إلى محافظة حمص وحماة”. كما أشار التلفزيون السوري إلى أن “سرب الطيران التابع للجيش الإسرائيلي اقترب من لواء إسكندرون شمالاً، مخترقاً مناطق فوق ريف حماة الغربي ومن ريف اللاذقية وريف إدلب الجنوبي والشرقي”.
حدثت كل هذه المستجدات قبل التطوّر النّوعي المتمثل في العملية الإسرائيلية في قرية “بيت الجن” بريف دمشق في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، والتي قالت إسرائيل بأنها جاءت لاعتقال مطلوبين أعضاء في “الجماعة الإسلامية”، وهو ما أسفر عن مواجهات مع الأهالي، أدت إلى مقتل 20 شخصاً واصابة 24 آخرين، فضلاً عن اصابة 6 من الجنود الإسرائيليين بينهم ضابط. واتهمت أوساط في الحكومة الإسرائيلية الحكومة السورية المؤقتة بالتورط في عملية مقاومة دورية الجيش الإسرائيلي، مشيرة إلى أن العناصر التي اشتبكت مع الجنود الإسرائيلين، تابعة مباشرة للأمن العام. ويوحي هذا المستجد برفض الدولة العبرية لمجمل العملية الجارية في “تأهيل” سلطة دمشق وتسويقها، كما ويشكل رداً على مواقف دمشق الأخيرة “المتشددة”، من خلال “فرض شروط مسبقة” على تل أبيب، قبل الذهاب في التوقيع على أي اتفاق أمني يخص المناطق التي توغل فيها الجيش الإسرائيلي بعد سقوط نظام بشار الأسد. كذلك تظهر عملية التوغل “التغيير” في المقاربة الإسرائيلية من الحالة السورية، والذي يقوم على المزيد من المراهنة على القوة الخشنة والاقتدار العسكري على حساب دبلوماسية الاتصالات واللقاءات، وفرض الأمر الواقع على دمشق وحلفائها بقوة السلاح.
وبالعودة إلى كلام رجب طيب أردوغان حيال تصريحات بنيامين نتنياهو، فمن المهم القول بأن الردّ التنظيري التركي على الفعل الإسرائيلي، واستخدام مفردات تصعيدية مثل “مجرم الحرب” لا يبدو غريباً على رجل مثل أردوغان اعتاد اقتناص الفرص وممارسة هوايته في التثوير وتسجيل المواقف لأغراض تحشيدية، انتخابية بالدرجة الأولى، لكن أيضاً لتحقيق وترسيخ صورة البطل المنقذ على مستوى العالم الإسلامي. كما اعتاد أردوغان على التراجع خطوات عديدة للوراء عند تلمّس خطر الاصطدام مع قوّة إقليمية أكبر. وكلام أردوغان هنا لا يخرج عن الإطارين الآنفين، فهو جرّب عملياً الاقتراب من المحاذير الإسرائيلية عبر محاولة إقامة وتأهيل قواعد عسكرية في الداخل السوري (حماة وحمص)، وتلقى الردّ العملي المباشر من تل أبيب على شكل قصف جوي إسرائيلي آتى على كل ما تمّ بناؤه. وترى إسرائيل بأن سوريا هي ساحة الاحتكاك والمواجهة المحتملة بينها وبين تركيا، وأنها لن تسمح لتركيا بأن تستحوذ على سوريا وتحلّ محلّ إيران، وهي بالتالي غير راضية عن دور “العرّاب” الذي تلعبه أنقرة في بناء وتدريب الجيش السوري الجديد، فضلاً عن تسويقها لسلطة أحمد الشرع ذات الخلفية الجهادية (هيئة تحرير الشام)، عربياً وإسلامياً وغربياً، وتدخل أردوغان لدى الفواعل المهمة لتقديم هذه السلطة كحليف قادر على لعب دور إيجابي، بكفالة ورعاية من تركيا، وهو ما أدى فعلاّ إلى تحقيق شيء من “الإنجاز”، وظهور “توافقات بين موسكو ودمشق حول جلب قوات روسية إلى المناطق الجنوبية المتاخمة لإسرائيل”، فضلاً عن لقاء الرئيس السوري المؤقت بالرئيس الأمريكي في واشنطن، والتسويق الذي حصل هناك والذي “جعل الشرع يعود منتفخاً من واشطن” على حدّ قول نتنياهو. وكرد فعل أولي أعلنت إسرائيل بأن المفاوضات مع سلطة دمشق قد وصلت لطريق مسدود، وأنها لن تنسحب من المواقع التي احتلتها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وستحتفظ على وجودها العسكري في قمة جبل الشيخ والمنطقة العازلة في الجولان.
وكانت ملامح الصدام التركي – الإسرائيلي قد ظهرت عقب الحرب الإسرائيلية ضد حركة حماس في قطاع غزة، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتهجير داخلي وحصار خانق. أرادت تركيا أن تقود “جبهة الرفض الإسلامية” ضد إسرائيل، لكن الأساس كان خوفها من مشروع التغيير/التأسيس الإسرائيلي الذي بات يلوح في الأفق مع خوض الدولة العبرية المواجهة على عدة جبهات (غزة، لبنان، سوريا، إيران، اليمن)، والحديث المستمر عن تغيير الخرائط في المنطقة وتشكيل “شرق أوسط جديد”. فهمت تركيا تمظهرات القوة الإسرائيلية التي تمثّلت في ضرب حركة حماس واجتياح قطاع غزة، وإلحاق ضربات قاصمة بحزب الله اللبناني وتصفية قادته من الصف الأول والثاني، ومن ثم تدمير جيش النظام السوري السابق، وضرب قدرات الحوثيين، وأخيراً الهجوم الواسع على إيران، وما رافق ذلك من تدمير البرنامج النووي واغتيال العلماء والباحثين القائمين عليه، وتصفية قادة الصف الأول في الجيش والحرس الثوري الإيراني. أحسّت أنقرة بأن النيران الإسرائيلية باتت تقترب منها، وبرز السؤال واضحاً: ماذا لو هاجمت إسرائيل بما تمتلكه من قوة تركيا؟. تركيا التي يحكمها تحالف إسلامي – قومي، والراغبة في الزعامة وتوطيد “قرن تركيا”، أعلنت في السنوات الماضية عن مشاريعها الإقليمية التوسعية، التي تؤمِّن لها نفوذاً وحضوراً في المنطقة والعالم (العثمانية الجديدة، الوطن الأزرق، الميثاق الملي…إلخ) ولكنها باتت اليوم على وشك الاصطدام مع إسرائيل التي تديرها حكومة يمينية، تُؤمِن بأن القوة الخشنة والاقتدار العسكري هي اللغة الوحيدة الصالحة للتخاطب في منطقة تعجّ بالرافضين لإسرائيل والغاضبين منها، وتعلن صراحة بأن إستراتيجيتها القادمة هي منع ظهور قوة عسكرية قادرة على تهديد الدولة العبرية، وأنه لا بدّ من “تغيير الخرائط” و”إعادة رسم وتشكيل المنطقة” لضمان بقاء تل أبيب متفوقة ومتفردة بهذا التفوق. وجاءت الضربة الإسرائيلية في أبريل/نيسان 2025 لقواعد برية وأخرى جوية داخل سوريا، كانت أنقرة تخطط لتأهيلها والتموقع فيها في إطار اتفاق التعاون مع السلطة الجديدة في دمشق، كرسالة واضحة وتذكير بالخطوط الحمراء الإسرائيلية.
في شهر يناير/كانون الأول 2025 صدر تقرير في إسرائيل عن لجنة تسمّى “فحص ميزانية الأمن وبناء القوة”، المعروفة باسم “لجنة ناغل”، على اسم رئيسها يعقوب ناغل، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، أوصى الحكومة الإسرائيلية بالاستعداد لحرب محتلمة مع تركيا، وركّز على مخاطر النفوذ الإسرائيلي في سوريا والتحالف بين أنقرة والسلطة الجديدة في دمشق. ورغم إشارة التقرير إلى الساحة السورية بوصفها مكمن الخطر، وأنها يمكن أن تتحول إلى ميدان مواجهة بين تركيا وإسرائيل، إلا أن المخاوف الإسرائيلية في حقيقة الأمر تتجاوز الحالة المحلية السورية، وتعود في أصلها إلى الطموحات التركية في مجمل الإقليم، والتدخلات العسكرية في سوريا والمنطقة، ورفع لواء المشاريع التوسعية الكبيرة، وبناء الميليشيات وتبنّي خطاب زعامة ديني وطائفي يحرّض على الدولة العبرية. ولأجل هذه المخاوف أدرجت “لجنة ناغل” تركيا على رأس الأطراف التي تشكل تهديداً على إسرائيل، حينما أشارت إلى مواطن الصراع المحتملة التي ستواجهها الدولة العبرية في المستقبل المنظور. وكانت اللجنة قد اقترحت، بعد تقييم شامل لحالة إسرائيل وتوازنات القوة والنفوذ، وطبيعة التحالفات في المنطقة، زيادة ميزانية الجيش إلى ما يقارب من 4,1 مليار دولار سنوياً، لتحديث الآلة العسكرية الإسرائيلية والتوسّع في ميادين الاستخبارات والحرب الإلكترونية، بحيث تكون الريادة والتفوق دائماً للجيش الإسرائيلي (انظر: طارق حمو: تغيير الخرائط.. مشروع إسرائيلي يربك حسابات تركيا وإيران. المركز الكردي للدراسات 27 يوليو/ تموز 2025).
والحال بأن تركيا عاجزة عن مواجهة ومجاراة إسرائيل في سوريا وفي عموم المنطقة. فالدولة العبرية تسدّ أمامها كل المنافذ، وبدأت فعلاً تستخدم القوة الخشنة في التعامل مع الطموح التوسعي التركي في “سوريا الجديدة”، بما في ذلك تدمير المواقع والقواعد التي تنوي أنقرة بنائها والتمركز فيها. وفي الحين الذي تمنع فيه تل أبيب أي اقتراب تركي من المناطق الداخلية والجنوبية من سوريا، ترسل الطائرات الحربية للتحليق والمناورة في أقصى الشمال السوري، وتحديداً بالقرب من لواء الإسكندرون. وتعزيزاً للموقف العدائي وحالة الرفض كانت الحكومة الإسرائيلية قد منعت أي مشاركة عسكرية تركية في القوة الدولية المكلّفة بالحفاظ على الاستقرار في غزة. وفي الوقت الذي تتحدث فيه مصادر عن نوايا يبيّتها بنيامين نتنياهو(الذي يستعد لدخول انتخابات لا سبيل له للنجاة فيها سوى من خلال تعزيز تحالفه مع القوى اليمينية ولوبيات المستوطنين، فضلاً عن رغبته في البقاء زعيماً منتخباً يقود المرحلة، وبالتالي الهروب من شبح الملاحقة من قبل المحكمة الجائية الدولية)، في شنّ هجمات (وحروب) جديدة على عدة محاور وجبهات معادية لإسرائيل (إيران، اليمن، وربما العراق)، ومواصلة ضرب وتفكيك كل من منظمتي حزب الله (مؤخراً اغيتال القيادي العسكري البارز هيثم الطبطبائي)، وحماس (تصفية القادة العسكريين الميدانيين، واعتقال مسلحي الحركة المتحصنين في الأنفاق)، فإن هناك مخاوف تركية حقيقية من أن تؤدي أي حرب واسعة جديدة في المنطقة إلى تغيير التوازنات وإعادة رسم خارطة القوة، وربما تفكيك بعض الدول وعلى رأسها إيران، وبروز واقع جديد، قد يؤثّر في الدور التركي، ويضعف من نفوذ وحضور تركيا الإستراتيجي في المنطقة.
الواضح أن عقيدة الجيش الإسرائيلي تضع تركيا على رأس التهديدات، وما الزيادة الحاصلة في ميزانية الإنفاق العسكري وضمان التفوق التكنولوجي، إلا لاحتواء ومواجهة تركيا، بالإضافة إلى إيران طبعاً، والتي ظهر من خلال حرب ال 12 يوماً (النزال الأول بين الدولة العبرية والجمهورية الإسلامية) بأنها مخترقة لدرجة كبيرة ومكشوفة تماماً أمام جبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية. ويرجع الموقف الإسرائيلي من تركيا إلى عقيدة التأسيس الجديدة بعد 7 أكتوبر 2023، والقرار الإستراتيجي بعدم السماح لأنقرة بالإحلال مكان إيران، سواء في سوريا عبر تأهيل الجيش السوري الجديد، أو من خلال رعاية المنظمات الإقليمية المسلحة المعادية لإسرائيل، والتي تريد تركيا لها أن تكون “جبهة الصدّ الأمامية”في مواجهة الدولة العبرية. والأرجح أن المرحلة القادمة ستشهد تنافساً إسرائيلياً – تركياً أكبر، سيتعدّى محاولة تل أبيب التضييق على أنقرة من خلال الضغط على واشنطن وسواها للحيلولة دون تسليم تركيا أسلحة حديثة (طائرات إف 35)، وتوطيد التحالفات العسكرية مع خصوم ومنافسي تركيا في المنطقة(اليونان وقبرص)، وفرض واقع ميداني في سوريا من خلال استخدام القوة الخشنة، والمضي قدماً في “إحباط” الخطط التركية الرامية لتوسيع النفوذ وتوطيد الحضور، من خلال مواصلة ضرب الحركات والجماعات المسلحة وإضعافها، فضلاً عن إبقاء الخيارات مفتوحة ضد النظام الإيراني (الذي باتت إسرائيل تعي أهميته بالنسبة لتركيا)، بما في ذلك خيار إسقاط هذا النظام، ومايلي ذلك من تبعات وتداعيات مثل تفكّك الجغرافيا الإيرانية الحالية وبعثرتها على مناطق وأقاليم إثنية، وهو السيناريو الذي يشكّل كابوساً وجودياً لتركيا.





