• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

من الجولاني إلى الشرع.. الغاية تبرّر التحوّل

27 نوفمبر 2025
من الجولاني إلى الشرع.. الغاية تبرّر التحوّل

أبو محمد الجولاني في إدلب بتاريخ 7 فبراير 2023 | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

شورش درويش

لا يمكن العثور على تاريخ محدّد لبدء تحوّل أحمد الشرع المفصلي من عدوّ نظريّ للغرب إلى “حليف” على ما يشاع قوله في إعلام السلطة السوريّة الجديدة. ما تزال هذه المسألة عرضة للتكهّنات ذلك أن مسار التحوّلات التي خاضها قبل وصوله إلى السلطة تعكس مقدرة على الانتقال من معسكر إلى آخر، إن لم نقل التحوّل من نهجٍ إلى آخر، مع الاحتفاظ بالأدوات القديمة ذاتها، ولعل مسألة “التحوّلات” شدّت إليه الملاحظين الغربيين ودوائر صنع القرار في لندن وواشنطن.

تتناول هذه المادّة التحوّلات الأولى التي عصفت بالجولاني، وقدرته على تطوير تقنيات للبقاء، والاستفادة من الدرس الأفغاني، ثم استرساله في التحوّل نزولاً عند رغبة الولايات المتحدة. غير أنّ تلك التحوّلات كلّها لم تكن تعني متاركة الماضي والتخلّي عن صورة الجهاديّ السابق؛ فالشرع نفسه صرّح مطلع الشهر الجاري أنه يعتزّ بتاريخه ولا يخجل من أيّ مرحلة تاريخيّة مرّ بها، ربما لأنه يرى أن “قصّة النجاح” المباعة في الغرب، تبدأ بسيرة جهاديّ قارع القوّات الأميركية في العراق، ثم تموضع في صفوف الجهاد المحلّي الذي ساهم نفسه في توطنيه وجعله جهاداً أقلّ اتصالاً بالجهاد العالمي، وصولاً إلى تمكّنه من السلطة والرغبة في الاحتفاظ بها.

لا تتناول هذه المادّة تاريخ أحمد الشرع بقدر ما تحاول رصد التحوّلات وتخمين المآلات وفق خطّ بياني متصاعد يبدأ مع الانشقاق عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وصولاً إلى تغيير اسم جبهة النصرة وليس انتهاءً باستقاء التجربة الأفغانية لا سيّما عام 2016 المفتاحي، والشروع في التواصل مع واشنطن ولندن والخوض في عملية “التأهيل” ثم محاولة التأقلم مع المطالب الأميركية. ولضرورة التحقيب كان لزاماً كتابة الاسمين بحسب كل مرحلة (أبو محمّد الجولاني، وأحمد الشرع) على ما درجت عليه الكتابات التاريخية والسياسية والسوسيولوجيّة التي تبدّل أسماء الأشخاص بحسب ما كانوا عليه وما تحوّلوا إليه لاحقاً، وهو ما يعني أن كتابة اسم “الجولاني” لا يحمل أيّ حكم قيمة.

 التحوّلات الأولى

 اتضحت قدرة أبو محمد الجولاني/أحمد الشرع على التحوّل وتبديل الولاءات العميقة مذ أقدم على فكّ ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة وتشكيله تالياً “جبهة فتح الشام” معلّلاً ذلك أنه نزولٌ عند رغبة ” أهل الشام في دفع ذرائع المجتمع الدولي”، وقبل ذاك قدرته على فكّ ارتباطه بأبي بكر البغدادي والخروج عن طاعته بعد أشهر على وصول الجولاني للحسكة في أغسطس/آب 2011 لتأسيس الجناح السوري لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق رفقة ستة آخرين كان من بينهم أنس خطّاب (أبو أحمد حدود)، وأبو ماريا القحطاني (نائب الجولاني)، وإياد الطوباسي (أبو جليبيب) الذي سينشق عن النصرة فيما بعد ليشكل تنظيماً قاعدياً لم يعش طويلاً بمسمّى “حرّاس الدين”.

خلال صدامه الطويل مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وخسارة التخوم الشرقية، لا سيما دير الزور، انحاز زعيم القاعدة أيمن الظواهري وقام بتدعيم موقف أبي محمد في ظل مطاردة الأخير من قبل البغدادي، وبلغت حدود التدعيم إرسال ما لا يقلّ عن عشرين من كبار قادة القاعدة سرّاً إلى سوريا، كانوا قد قدموا من أفغانستان وباكستان واليمن والسعودية وأوروبا، وكل ذلك لأجل “تعزيز مصداقية” النصرة  مع تنامي حضور داعش، ويمكن استنتاج أهمية الجولاني من خلال النظر إلى قائمة الأسماء التي جاءت إلى سوريا، خاصة أحمد سلامة مبروك (أبو فرج المصري) الذي انخرط منذ السبعينيات في الجهاد وتنقّل بين مصر وأفغانستان واليمن والسودان والقوقاز وأذربيجان. ولعلّ أهمية هذا الرجل كُشف جزءٌ منها مع تمكّن وكالة المخابرات المركزية (CIA) من الاستيلاء على كمبيوتره الشخصي ليوصف الرجل بأنه “حجر رشيد القاعدة”، فضلاً عن أن التدعيم شمل تصريحات متكرّرة لأيمن الظواهري وأخرى منتظمة داعمة لموقف الجولاني كالتي أدلت بها شخصيات مثل أبي منذر الشنقيطي (صاحب رسالة “يريدون دعشنة الجهاد”)، وأبي محمد الطحاوي (المتذبذب في انتقاداته لداعش)، وأبي زهرة الزبيدي، وآخرين.

رفض الجولاني ما ورد في رسائل البغدادي المتكرّرة التي طالبه فيها بتقديم البيعة والطاعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، وأهمها تلك الرسالة التي أرسلها في 8 فبراير شباط 2013، فجاء رفض الانصياع بعد 36 ساعة، مع سلسلة أوامر أرسلها الظواهري يطلب فيها ترك البغدادي والمتحدث باسمه السوري طه صبحي فلاحة (أبو محمد العدناني ) سوريا والعودة إلى العراق، لكن كل ذلك مرّ دون جدوى، وبدا أن الصدام حتميّ، وهو ما تحقّق بحلول نهاية 2013، ولأجل ذلك شحذ الظواهري كل طاقة “التحالف الدولي للقاعدة”  من قيادات ومنظّرين لأجل دعم قضيّة الجولاني في وجه تنمّر داعش وتوسّعها الأفقي. من وجهة نظر واقعية يمكن النظر إلى الصراع بأنه كان صداماً بين فريق “النخبة” الذي تمثّله القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق بوصفه التيار الأشد راديكالية وقابلية للخروج على الظواهري نفسه وهو ما تحقّق في نهاية المطاف، أي أن الصراع كان يتجاوز الجولاني إلى ما هو أعمق: الحفاظ على تنظيم القاعدة من التآكل والانشقاقات.

نجا الجولاني من مطاردات داعش، لكنه بقي في دائرة الاستهداف إلى الدرجة التي حتّمت إرسال البغدادي نائبه حجي بكر الملقب “فارس كواتم الصوت” إلى سوريا لمعالجة العصيان المديد بوسائل التنظيم المعروفة وإرسال موالين له للتجسس على الجولاني. لقي بكر حتفه دون أن يَعرف عناصر “الجيش الحر” الذين قتلوه أهميته في يناير/كانون الثاني 2014 بتل رفعت. وربما لو قيّض لبكر (ضابط المخابرات العراقية السابق والبارع في بناء هرميات للتنظيم والخلايا) العمل في ريف حلب وإدلب والاقتراب أكثر من معاقل الجبهة الجديدة لكان قد حقق تقدّماً لا يمكن تقدير أثره على المشهد الجهادي العام في سوريا.

مثّل خروج الجولاني على خط وسلطة البغدادي أوّل التحوّلات التي ساهمت في تغيير مصيره، رغم أن الاختلافات الجوهرية والإيديولوجية خلال فترة الشقاق، فالصدام، لم تكن واضحةً وبدا أن التمييز بين التنظيمين صعبٌ بالنظر إلى تشابه الممارسات والخطابات، بل إن النصرة نفسها كانت تعلي من شأن محاربة الاتجاه “البراغماتي” داخل التنظيم. يرى تشارلز ليستر في هذا الشأن أنه “مع الكشف التدريجي عن هوية النصرة كتنظيم يتبع للقاعدة، أصبحت شخصيات القيادة أكثر استعداداً للدعوة العلنية إلى الشريعة الإسلامية وتوبيخ أي شخص له صلات بالغرب، بينما تمّ تهميش البراغماتيين نسبياً مثل أبو ماريا القحطاني وصالح الحموي (…) وتجلّى هذا التحوّل القيادي العلني والتشدّد المتزايد بشكل أوضح في إدلب”، فضلاً عن ذلك كانت الغاية الفضلى للجولاني وفق رسالة صوتية مسرّبة، يعتقد أنها سرّبت عمداً، هي إقامة “إمارات إسلامية” في سوريا.

ضمن المرحلة الأولى التي تضمّنت الانفكاك، ثم النجاة من داعش، والظفر بتأييد القاعدة وحصرية دعمها، كان ثمّة ميل لدى الجولاني لكسب ودّ السوريين والبحث عن حواضن شعبية والتحوّل تالياً إلى مرحلة توطين الجهاد والتقرّب مع الجماعات السلفية السورية و”إزاحة الكتل العسكرية القوية كأحرار الشام وفصيل نور الدين زنكي”، لكنّ ثمن التحوّل لم يكن سهلاً فقد ساءت العلاقة بالقاعدة وانتهت بإعلان فكّ ارتباط الجبهة عنها في نهاية المطاف، الأمر الذي دفع الظواهري  في تسجيل صوتي إلى رفض “نكث البيعة”، واعتبر أن “بيعة النصرة السرّية” كانت من “الأخطاء القاتلة”، مشدّداً على أن “البيعة بين القاعدة وبين كل من بايعها عقد ملزم يحرم نكثه ويجب الوفاء به”، بل إن الظواهري بدأ ينسج الحديث عن مظلومية يتعرّض “الإخوة المتمسكين بالبيعة ووصل الأمر لحدّ القتال والاعتقال”، فيما تداولت وسائل إعلام نية الظواهري تكليف حمزة بن لادن بتأسيس فرع للقاعدة في سوريا.

بعد خمس سنوات، اختار أبو محمد الجولاني أن يعتبر بيعة القاعدة شكلية بعد أن استفاد منها في التصدّي لهيمنة داعش على المشهد الجهادي، وفي هذا يتقاطع مع أبي مصعب الزرقاوي الذي أبقى على بيعته لأسامة بن لادن شكلية، أو لنقل بأنه جعل من تنظيمه العراقي لا مركزياً إلى حدّ بعيد. بيد أنّ الجولاني، بخلاف الزرقاوي، ذهب إلى أقصى ما يمكن، وأجاد اختيار اللحظة المناسبة لفكّ ارتباطه والمتمثّلة بتراجع تهديد داعش النسبي تحت الضربات المتواصلة للتحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية، وانهماكها تالياً بحماية معاقلها ما جعل فكّ ارتباطه أقلّ كلفة، رغم محاولات توسّع داعش في ريف حماة. ويضاف إلى سلّة العوامل التي دفعت الجولاني لفكّ ارتباطه بفكرة الجهاد العالمي، وضع التحالف الدولي الجهاديين الأجانب لا سيما “تنظيم خراسان” في بنك أهدافه أسوةً بداعش. وظهر إلى ذلك دور “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” الذي انتقد في أبريل/نيسان 2014 إعلان “جماعة النصرة مبايعة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ودعاها للعودة إلى صفوف الجيش الحر”، وهو ما عنى وجود قطبة مخفيّة في مسألة الدعوة لفكّ الارتباط بالقاعدة، ذلك أن الاتحاد العالمي الذي يتخذ من الدوحة مقرّاً له كان على صلة بما يجري إعداده في المطبخ الدولي فيما خصّ تواجد القاعدة في سوريا، وقد يكون هو أحد الأطراف الناصحة للنصرة في هذا المسار الذي بدا إجباريّاً ومفاده: إمّا فكّ الارتباط بالقاعدة، أو التلاشي على ما حلّ بداعش.

 ثمة جانب آخر لا يقلّ أهمية، سنبيّنه لاحقاً، ساهم في انتقال الجولاني إلى فكرة توطين الجهاد والابتعاد عن القاعدة تنظيمياً وهو اكتشاف أثر السوريين المعارضين للأسد، والقوى الإقليمية الداعمة لهم، في الضغط على الغرب لأجل التفريق بين داعش والنصرة/القاعدة اللذين وضعتهما واشنطن في سلّة واحدة.

والحال، مرّت تحوّلات الجولاني: الانقلاب على داعش، ثمّ فكّ الارتباط بالقاعدة، بصعوبة بالغة، لتبدأ مرحلة ثالثة من التحوّلات في مواجهة خصوم وفاعلين محلّيين جدد أقل قدرة عسكرية وتنظيمية وإيديولوجية من خصوم الأمس.

الجهاد المحلّي بوصفه إحدى تقنيات البقاء

واجه الجولاني بعد فكّ ارتباطه بالقاعدة في 28 يوليو/حزيران 2016 حركات تمرّد داخلي وانشقاقات في صفوف الجبهة. استلزمت معالجة الاضطراب الداخلي مزيجاً من التواصل مع الكتل الغاضبة وجلسات حوار حملت اسم “والصلح خير”، وليس انتهاءً بتحييد بعض الخارجين عليه واعتقال البعض الآخر بعد وصفهم “برؤوس الفتنة” مثل سامي العريدي وإياد الطوباسي وأبو همام السوري. كانت مهمّة وقف استنكاف القاعديين عن العمل مع الجبهة ووقف انتقال المقاتلين لصفوف داعش، شاقةً وتحتاج إلى تكتيكات متنوّعة. فيما تمثّل التحدي  اللاحق في التصدي لتشكيل “حرّاس الدين” القاعديّ على يد مجموعة ممن جرى اعتقالهم سابقاً وأُطلق سراحهم. لم يكن هذا التحدي صعباً، ذلك أن الجبهة التي صار اسمها “هيئة تحرير الشام” نجحت في توسيع قاعدتها حين جمّعت إلى جانب فتح الشام، عدة فصائل مثل حركة نور الدين زنكي، وجبهة أنصار الدين، وجيش السنة، ولواء الحق.

من منظور براغماتي توجّهت النصرة إلى تعزيز فكرة الجهاد المحلّي (توطين الجهاد)، لكنّها أبقت على أدوات الجهاد العالمي وعلى الجهاديين الأجانب والخطاب المتشدّد قائماً، وبدأت بتوسيع مناطق نفوذها والتقرّب من الحواضن الاجتماعية عبر التركيز على الشأن الداخلي وتقديم الخدمات كما كان معمولاً به في دير الزور قبل أن تخرج عن سيطرتها، وفي حلب حين جرى التركيز على تأمين مواد الإعاشة والمحروقات.

في شكل ما ستختفي الرؤية البصرية للنصرة (الهوية البصرية) مثل “قبّة الصخرة”، وسيتوقّف الجولاني بعد سنوات عن توجيه الإدانات للغرب وتركيا ووصف ما يجري في سوريا بأنه “جزء لا يتجزّأ من صراع عالمي كانت تقدّم فيه النصرة نفسها على أنها مكوّن في معركة تاريخية طويلة بين الإمبريالية والعالم الإسلامي“. وأجرت هيئة تحرير الشام إجراءات فكرية وتكتيكية بين الأفراد المنتمين لدائرة القاعدة وأخواتها بشكل خاص، ولأجل تعزيز موقعها البراغماتي أصدرت الهيئة بياناً في يونيو/حزيران 2018 بعنوان “الجهاد والسياسة الشرعية بين الثوابت  والمتغيّرات” استخدمت فيه لأول مرّة عبارة “المصالح المعتبرة”، فقبلت الهيئة مخرجات اتفاق سوتشي 2018، ووجّهت الشكر لتركيا بعد الاتفاق الروسي التركي في 8 مارس/آذار، بذا ضيّقت الهيئة دائرة الإدانات وباتت تؤيّد مشاريع تثبيت خطوط الاشتباك وخفض التصعيد للتفرّغ أكثر لحماية تجربتها ومواصلة التوسّع الداخلي على حساب الفصائل المعارِضة المتهالكة.

لكن، قبل هذه التحوّلات في الخطاب والممارسة، بدت النصرة مدينةً للمعارضة السورية المدعومة من تركيا وقطر، لمعارضتها تصنيف الولايات المتحدة جبهة النصرة منظمةً إرهابية. خلال مؤتمر أصدقاء سوريا المنعقد في 12 ديسمبر/كانون الأول 2012 بمراكش المغربية وبمشاركة 120 دولة، بدا أن نقطة الخلاف المحورية هي جبهة النصرة، إذ اعترض الإخوان المسلمون والجيش الحر والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة على تصنيف الولايات المتحدة جبهة النصرة “منظّمة إرهابية”، ولأجل تثبيت موقفها الرافض للتصنيف الأميركي الرامي لإقامة حدّ فاصل بين معارضة الأسد وبين تنظيم القاعدة، ذهبت المعارضة المدعومة من قطر وتركيا بعد يومين على مؤتمر مراكش للتظاهر تحت مسمّى “جمعة كلّنا جبهة النصرة”. شكّل هذا التضامن المحموم صدمة لإدارة أوباما وشركائها الغربيين، إذ لم تلقِ تلك المعارضة بالاً للطبيعة الدموية لهجمات النصرة التي بدأت في 23 يناير/كانون الثاني 2011 بالهجوم على مقرّات للمخابرات السورية بكفر سوسة، وبالاعتماد على الانتحاريين والعبوات الناسفة في المناطق المأهولة بالسكان. ذكّرت الهجمات الأولى للنصرة الولايات المتحدة بما جرى في العراق خلال العقد الدامي الذي أعقب سقوط نظام صدام حسين، فوق أن خطاب النصرة بعد عملية كفر سوسة بدا شديد الوضوح حيث دعت الجبهة في شريط مصوّر إلى “تطبيق الشريعة الإسلامية في نهاية المطاف كنظام حكم”.

بخلاف داعش التي سعت إلى تحطيم منافسيها المحلّيين، أقامت النصرة تحالفات تكتيكية وعلاقات بينيّة مع بعض الفصائل المتشابهة معها  في المنهج العام الداعي إلى تطبيق الشريعة، لكن تغوّل النصرة داخل المشهد “الثوري” دفع البعض إلى التشكيك بجدوى مثل هذا التحالف، وفي بحث كتبه حمزة المصطفى (وزير الإعلام السوري الحالي) جرى توجيه انتقادات لاذعة للجماعات المتعاملة مع جبهة النصرة، واتهامها بقصر النظر عندما غضّت الطرف “عن نشاطها وممارساتها، وفي بعض الأحيان عندما حاولت إدماجها في الثورة، أو التصدي لمنتقديها. تعاملت بعض قوى الثورة بانتهازية وبراغماتية مع موضوع الحركات الجهادية (…) ما أدّى إلى تزايد تغلغل هذه الحركات ونفوذها ميدانياً”.

والحال أن التعشيق بين المعارضة السورية المرعيّة إقليمياً والنصرة أمّن درعاً للأخيرة في مواجهة الانتقادات الغربية، ووضع النصرة في موقع مغاير لداعش، ولأجل المحافظة على هذا الموقع والمسار الطويل الذي بدأ في مراكش، نجح الجولاني في تقديم نفسه كأحد مكوّنات الثورة رغم بقائه مرتبطاً بالقاعدة، واستفاد من التفاعلات الحاصلة في أستانا منذ عام 2017 وأن تصبح مناطق نفوذه جزءاً من جهود تهدئة اشتغل عليها الأتراك والروس. كل ما جرى خلال مرحلة التعويم السورية الإقليمية للنصرة فالهيئة حمل معه مفارقة عكست براغماتية هزيلة وانتهازية أبدتها القوى المعارضة المدافعة عن النصرة والتي خسرت مواقعها واندثرت مع سقوط النظام، في مقابل براغماتية مكلفة اختارها الجولاني لكنّها وضعته في دائرة الاهتمام الغربية أسوةً بطالبان التي فاوضتها واشنطن في الدوحة. كانت روسيا وإيران ونظام الأسد يعتقدون أن وجود هيئة تحرير الشام في قلب المشهد المسلّح في ضفّة المعارضة وسيلة للجم تطلّعات التغيير التي سعت إليها واشنطن، إلّا أن العكس وغير المتوقّع هو الذي تحقّق في نهاية المطاف.

أفغانستان وسوريا: تقاطع السياق 

قبل سقوط نظام الأسد ووصول الوافدين الجدد إلى قصر الشعب، جرت في الدوحة مفاوضات مارثونية بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، بدا دونالد ترامب جادّاً في مسار سحب قوّاته من أفغانستان ووقع اتفاقاً في فبراير/شباط 2020 بعد أن كانت المفاوضات السرية قد بدأت في يوليو/تموز 2018. أكمل جو بايدن ما تم الاتفاق عليه بالشكل الذي أفضى إلى انسحاب أميركي في أغسطس/آب 2021 وانهيار حكومة أشرف غني ووصول طالبان إلى السلطة في نهاية المطاف.

لم يكن التفاوض أمراً سهلاً بالنسبة للحركة، وقد استصحب خلافات داخلية، ففي تقرير للأمم المتحدة جرى الحديث عن انقسامات داخلية، على ثلاثة مستويات: انقسام بين اللجان العسكرية والسياسية، وانقسام بين فصائل طالبان المؤيّدة والمعارضة لتنظيم القاعدة حول مسألة قطع الارتباط بالجماعة المسلّحة العابرة للحدود، فيما كان الانقسام الثالث بين أعضاء المكتب السياسي في قطر المقسوم إلى معتدلين ومتشدّدين.

ما يهمّ هنا أن عملية التفاوض ونجاحها شكّلت عامل إلهام للحركات الجهادية، ففي سوريا احتفلت هيئة تحرير الشام بما وصفته انتصار طالبان، وبالمثل هنّأت كتيبة الإمام البخاري الأوزبكية الحركة، غير أن عامل الإلهام في تجربة هيئة تحرير الشام تمثّل في التواصل مع الغربيين وقبول مبدأ التفاوض، فعندما تولّى الملا أختر محمد منصور زعامة الحركة سمح ببدء المفاوضات المباشرة بين الحكومة الأفغانية السابقة وحركة طالبان، وجلس طرفا النزاع عام 2016 قرب العاصمة الباكستانية إسلام آباد بمشاركة أميركية وصينية، لكن اغتيال منصور في 21 مايو/أيار 2016 في قصف أميركي قرب الحدود الباكستانية الإيرانية أوقف كل شيء. لم تكن مسألة التفاوض مع واشنطن أمراً سهلاً بالنسبة لطالبان، ومن الطبيعي أن التواصل مع الصحفيين ووكالات الاستخبارات الغربية لم يكن أمراً هيّناً بالنسبة لتحرير الشام، وفي مثال طالبان والهيئة يُلاحظ أن عام 2016 كان مفصلياً في سيرة الجماعتين، إذ مثّل البداية الفعلية لإمكانية تخلّص الجماعتين من وطأة تنظيم القاعدة. في المقابل أكّد السفير الأميركي السابق في دمشق، روبرت فورد، بأن تأهيل الشرع جاء “تتويجاً لمسار طويل بدأ منذ أن أعلن الشرع عام 2016 انفصال تنظيمه عن القاعدة”. يبدو أن هذا المسار أصبح أوضح بعد نجاح مفاوضات الدوحة بين طالبان وواشنطن، وبذلك يصبح حديث فورد عن لقاءات ثلاثة جمعته بالشرع عام 2023 بعد دعوته من قبل منظمة بريطانية غير حكومية، أمراً مقبولاً، لكن لا يمكن الجزم بأن التأهيل قد جرى خلال الجلسات الثلاث فقط، إذ لا بدّ من وجود لقاءات أسبق على هذا التاريخ وأخرى جرت بعدها لم يشارك فيها فورد.

وعليه، يمكن القول بأن تحوّلات طالبان، والانتقال من رفض التفاوض مع الحكومة الأفغانية ثم مع الولايات المتحدة، أو ما يمكن تسميته بـ “العدمية السياسية”، إلى البراغماتية المتوّلدة من فكرة قبول مبدأ التواصل مع الولايات المتحدة، ساهمت كعاملٍ إضافيّ في وضع تحرير الشام والشرع في مكانهما الحالي في وقت لاحق.

هل يمكن الاسترسال في التحوّل؟

بعد أقل من عشرة أيام على سقوط نظام الأسد، وصلت بعثة دبلوماسية أميركية إلى دمشق وقامت بسلسلة من الاتصالات التي انطلقت فعلياً مع سقوط الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول. والتقت مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف بمجموعات سورية من ضمنها الإدارة الجديدة. وقال أنتوني بلينكن، وزير خارجية إدارة بايدن، إن ما سمعه من هيئة تحرير الشام “أمر إيجابي”، رأت إدارة بايدن أن “الجزرة” التي يمكن تقديمها للوافدين الجدد إلى قصر الشعب هي رفع اسم الهيئة من قوائم الإرهاب، غير أنّ المسألة تعدّت ذلك بأشواط مع وصول ترامب للبيت الأبيض.

أوحى تفاعل واشنطن مع عملية “ردع العدوان” بأن ما يجري هو جزء من خطّة تستوجب التخلّص نهائياً من الوجود الإيراني في سوريا بشكلٍ يدفع حكومة بنيامين نتنياهو إلى تقليص مساحة حربه الإقليمية. فيما كرّر نتنياهو القول بأنهم هم من أسقطوا نظام الأسد. من وجهة نظر سببية، ساهمت الحرب الإسرائيلية على الأذرع الإيرانية في المنطقة بإضعاف نظام الأسد، فالضربات المكثّفة لقيادات الحرس الثوري وحزب الله في سوريا ومنع تدخّل المليشيات الشيعية في عملية تدعيم قوّات الأسد منذ معركة حلب كانت أشبه “بلمسة ميداس” التي تحتاجها قوات ردع العدوان.

بدا أن للنصر آباءً كُثر. فترامب عزا مسؤولية التخلّص من الأسد لأردوغان بصورة توحي بأن لتركيا دوراً في التنصّل من اتفاقيات أستانا وسوتشي المبرمة مع الروس، فيما أعطى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع  دوراً لروسيا في عملية إسقاط النظام بحديثه عن وجود تواصل خلال معركة ردع العدوان. وعزا ترامب لولي العهد السعودي الدور الأوّل، وبدرجة ما لقطر وتركيا، في مسألة منح السلطة الجديدة فرصة للحكم.

خلال اللقاء الأوّل الذي عقد بالرياض في مايو/أيار الماضي، كثّف ترامب مطالباته، لكن بإفراطٍ في البراغماتية وانعدام للحساسية تجاه السوريين وحقهم في المشاركة السياسيّة، إذ طلب من الشرع بعض المطالب ذات الطابع الإكزوتيكي (الغرائبي) مثل الانضمام إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، أي أنه طلب من الشخص الذي كان يضع قبّة الصخرة إشارةً بصريّة لجماعته ويقول في وقت سابق لمقاتليه عام 2018 “بهذه الروح… لن نصل إلى دمشق فحسب، بل سنكون في القدس، بإذن الله”. زاد ترامب إلى قائمة طلباته المقتضبة مساعدة الولايات المتحدة في منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية و”تحمّل المسؤولية” عن مراكز احتجاز تنظيم داعش في شمال شرق سوريا، وهي ذات المطالب التي ستتكرّر في لقاء واشنطن في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني. بهذه الصورة، تكون هذه المطالبات هي “السهل الممتنع” الذي لا يمكن لسلطة الشرع أن تقبله ولا يمكن لها أن ترفضه.

لم تُثِر دمشق مسألة انضمامها للتحالف الدولي لمحاربة داعش، بل إن إعلان الانضمام أعلنته السفارة الأميركية لدى سوريا. أرادت السلطة السورية أن يمضي الأمر دون منغّصات داخلية وحصول انشقاقات فكرية، إلّا أن أقطاباً في السلطة أبدت معارضتها لمثل هذا التعشيق مع قوات التحالف وفي مكانٍ ما مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شريكة التحالف. من ذلك ما قاله أبرز الوجوه الجهادية، عبدالله المحيسني، بأن “الاتفاق سياسيّ”، وبالمثل قال وزير العدل مظهر الويس إن “طبيعة التعامل المطروح اليوم في واقعه يأخذ شكل التنسيق والتعاون الأمني المعلوماتي، وليس تحالفاً عسكرياً مفتوحاً بالمفهوم الشرعي أو السياسي التقليدي”، وبذات المعنى تحدّث وزير الإعلام حمزة المصطفى في منشور له عبر منصة “إكس” بأن الاتفاق سياسي ولا يتضمن حتى الآن أي مكونات عسكرية. قد تكون مثل هذه التصريحات تعبيراً عن اختلافات في الرؤى الشرعيّة، أو محاولة لامتصاص غضب الرافضين لأي اقتتال بين “أخوة المنهج” والتقليل تالياً من طبيعة الالتزامات التي تمليها عمليّة الانضمام للتحالف وعملية “العزم الصلب”. لكن، ومهما يكن من أمر فإن تعدّد الرؤى يعبّر عن قدرة أقطاب السلطة على تصدير خلافاتها إلى الرأي العام على شكل تعليقات وتبريرات دون أيّ توضيح قطعيّ من جانب رأس السلطة.

على أيّ حال، يبدو أن جولة تحوّلات جديدة سيبدأها الشرع فيما يخصّ مكافحة الثلاثي: داعش، القاعدة، المقاتلون الأجانب، وهو ما يعني أن مسألة توطين الجهاد عبر احتواء المجاهدين الأجانب قد  تتسبّب في مشكلات عميقة داخل بيت السلطة نفسه، على ما حصل عام 2016 مع فكّ الارتباط بالقاعدة. لكن، ثمة وجهات نظر تذهب إلى احتمال أن تصبح محاربة داعش أحد الأسباب التي “تتيح زجّ المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب الحكومة، لا سيما بعد ضمهم إلى الفرقة 84 وجلّهم من المقاتلين الأجانب، في الحرب المقبلة”. بيد أن من شأن تحقق مثل هذا السيناريو، أي إطفاء النار بالنار، أن يدفع قوّات التحالف الدولي للاستنكاف عن العمل مع السلطة السورية التي تقدّم المقاتلين الأجانب إلى قلب مثل هكذا مواجهات.

تبدو مهمّة الشرع مستحيلة إذا حاول اتباع تكتيكات إدلب للتخلّص من داعش والقاعدة، ومن وطأة المقاتلين الأجانب وتواجدهم بين صفوف قوّاته على ما قالته تجربته مع تمرّد عمر أومسين ومخيم فردان “معسكر الفرنسيين” بالقرب من حارم شمال غربي سوريا، كما أن الحاجة للمقاتلين الأجانب لم تنتهِ بعد إذ قد يصار إلى إعادة استخدامهم للتخلّص من خصومه المحتملين كما حدث إبان مجازر الساحل والسويداء.  كما أن واشنطن التي تبدو متفائلة، حتى اللحظة على الأقل، بمثل هذا المسار الذي يحتاج تحقّقه، بعيداً عن التفاؤل، إلى وجود جيش احترافي بعقيدة وطنية، وإلّا ستصبح مسألة ضمّ دمشق للتحالف الدولي أقرب لعملية تجميل اشتغلت عليها مكاتب “العلاقات العامّة”، ولن يكون لها مفاعيل في ساحة مواجهة داعش والقاعدة ومن وصفهم القرار 2799 الصادر عن مجلس الأمن يوم السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي “بالإرهابيين الأجانب”.

 

 

 

Tags: أبو محمد الجولانيأحمد الشرعالجماعات الجهادية في سوريا




آخر المنشورات

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية