• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

قطار تشيخوف في دمشق 

25 نوفمبر 2025
قطار تشيخوف في دمشق 

عمال يعملون على تصليح خطة سكة قطار في بلدة سنجار بريف إدلب عام 2020 | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

د.عقيل سعيد محفوض

في إحدى قصص الأديب الروسي الكبير أنطون تشيخوف، يُساق صياد بسيط إلى المحكمة بتهمة قد تبدو تافهة للوهلة الأولى: سرقة صامولة من سكة الحديد ليستخدمها كثقل لسنارة الصيد. الرجل، في براءته الظاهرة، لا يدرك خطورة فعلته. يقف أمام القاضي مدافعاً عن نفسه وقريته بمنطق يبدو معقولاً من منظوره: “نحن نصنع من الصواميل ثقالات، وليس هناك ما هو أفضل منها، فهي ثقيلة الوزن وبها ثقب”.

عندما يحذره القاضي من أن فعلته قد تتسبب في خروج القطار عن مساره وهلاك الأبرياء، يرد الصياد بثقة مطلقة: “لا قدر الله! أتظن أننا كفرة أشرار؟ نحن نفهم، ولذلك لا نخلع كل الصواميل، بل نترك بعضها دائماً”.

هذا المشهد الأدبي، رغم بساطته الظاهرة، يحمل في طياته عمقاً فلسفياً واجتماعياً يتجاوز حدود النص ليصبح مرآة عاكسة لظواهر معاصرة عديدة.

إن قصة تشيخوف تكشف عن صراع أعمق بين منطقين مختلفين: منطق الحاجة الفردية المباشرة، ومنطق المصلحة العامة والمسؤولية الجماعية. الصياد يرى في الصامولة مجرد قطعة معدنية مفيدة لحاجته الشخصية، بينما يدرك القاضي أنها جزء من نظام أكبر، وأن إزالتها قد تؤدي إلى كارثة.

هذا التباين في الرؤية، هذا الاختلاف في إدراك المصلحة والمسؤولية، نجده متجذراً في المشهد السوري المعاصر بشكل مأساوي. فعندما نتأمل الحوارات الدائرة حول الأزمة السورية، نجد أن كل طرف يتحدث وكأنه يعيش في واقع مختلف تماماً عن الآخر.

تتعدد الآراء وتتباين الرؤى حول المشهد السوري بشكل يدعو للدهشة والقلق في آن واحد. عندما يجري التدقيق في هذه الآراء، يخيل للمراقب أن كل طرف يتحدث عن قضية مختلفة تماماً، وحتى عندما يكون الموضوع محدداً وواضحاً، نجد تبايناً حاداً في الرؤية لا يقبل التوفيق أو الوساطة أو المواءمة أو التكييف!

إن هذا التباين ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، كما هو طبيعي ومتوقع في أي مجتمع صحي، بل هو تناقض جذري في فهم طبيعة المشكلة ذاتها، وفي تحديد أولويات الحل، وحتى في تعريف مفهوم الوطن والمواطنة، ومفهوم سوريا والظاهرة السورية اليوم.

ثمة حالة من الانفصال المزمن والتباعد الحاد تسود المشهد السوري، فالأطراف لا تلتقي على “أرض” مشتركة ولا تتقاسم “سماء” واحدة، ولا يظللهم “سقف الوطن” الذي طالما تغنت به خطابات السياسة.

لقد أصبح السوريون اليوم يعيشون في توازٍ زمني أيضاً: بعضهم ما زال في الماضي، وبعضهم في الحاضر يدافع عن “دولته”، وآخرون يبحثون عن الأمان ورغيف الخبز. ثلاثة تواريخ مختلفة لـ “شعب واحد”، كأن القطار يسير والركاب ينظرون من نوافذ تطل على أزمان متباعدة. هذه المسافة الجغرافية والنفسية بين المتحاورين تنعكس على مداركهم وأولوياتهم ومقاصدهم، مما يجعل الحوار نوعاً من “مزاولة المستحيل”، حتى مع افتراض وجود نوايا حسنة وإرادة صادقة لدى بعض الأطراف.

إن أقصى ما يحدث اليوم على الساحة السورية هو نوع من الحوار أو المداولة لـ  “الشأن العام”، لكنه حوار من نوع خاص: حوار يزيد الفجوة بدلاً من تضييقها، ويحول الاختلاف الطبيعي إلى خلاف عميق، بل إلى صراع محتدم ليس على الأرض فحسب، بل على السماء أيضاً.

لم يعد الحوار يربط بين ضفتين، بل صار جسراً يُبنى من جهة واحدة فقط. الطرف الآخر يرى فيه حبل مشنقة مقدَّم بابتسامة دبلوماسية، فيُمعن في قطع ما تبقى من حبال الثقة، حتى لا يضطر يوماً لعبوره.

هذا التحول المقلق من منطق الحوار البناء إلى واقع الصراع الهدام، المحكوم بمقاصد ضيقة ومصالح فئوية، يذكرنا بالصياد في قصة تشيخوف، الذي يتحدث بضمير الجماعة “نحن” بينما يخدم مصلحته الشخصية، غير مدرك أن فعله قد يؤدي إلى كارثة تطال الجميع.

في هذا السياق المشحون بالتوتر والانقسام، نجد أنفسنا أمام سيناريو مرعب: بعض الأطراف، في سعيها لتحقيق أهدافها قصيرة المدى، تسعى لحل “الصامولة الأخيرة” في سكة القطار السوري، غير مبالية بالعواقب الكارثية التي قد تنجم عن ذلك.

هؤلاء، مثل صياد تشيخوف تماماً، يبررون أفعالهم بمنطق ضيق وقاصر، معتقدين أنهم “يفهمون” ما يفعلون، وأنهم يتركون “بعض الصواميل” لضمان سلامة القطار. لكن الحقيقة المرة هي أن كل صامولة يتم حلها تقرب البلاد خطوة أخرى من الهاوية، من احتمالية خروج القطار عن مساره وتحطمه تماماً.

الأخطر أن بعضنا لم يعد يريد حتى أن يبقى القطار على السكة. صار حلّ الصواميل هدفاً بحد ذاته، ليس لأجل صيد أفضل، بل لأن الانتقام أصبح أغلى من البقاء. في هذه اللحظة يتوقف الصياد التشيخوفي عن كونه بريئاً جاهلاً ويصبح مجرماً واعياً. والمفارقة أن أكثر من يصرخ اليوم: “لا نريد تقسيماً” هو نفسه من قضى السنوات الماضية يبني جدراناً نفسية ومناطق نفوذ وروايات منفصلة ورهانات متعاكسة لا يمكن جمعها في وطن واحد.

إن الدرس المستفاد من قصة تشيخوف، والإسقاط المؤلم على الواقع السوري، هو أن الحلول الجزئية والمصالح الضيقة، مهما بدت منطقية ومبررة من منظور أصحابها، قد تؤدي إلى كوارث جماعية لا يمكن التنبؤ بحجمها أو عواقبها.

ومثلما أن الصامولة لا تشعر بأنها جزء من قطار حتى تسقط، كذلك كثير من السوريين لم يعودوا يشعرون بأنهم جزء من وطن. صار الوطن بالنسبة لهم مجرد خلفية لصورة سيلفي، أو ذكرى طفولة، أو سبب للكراهية. عندما يختفي هذا الشعور، لا يعود فكّ الصواميل جريمة، بل مجرد تنظيف لمكان لم نعد نريده.

أسوأ ما في الأمر أننا صرنا نتحدث عن سوريا بصيغة الماضي: “كانت” بلداً، “كنا” شعباً. المستقبل اختفى من قاموسنا، وبقي فقط الحاضر الثقيل: لحظة نستمر فيها بفك صامولة جديدة كي نؤجل الاعتراف بأن القطار توقف منذ زمن.

إن الخلاص من هذا المأزق يتطلب إعادة تعريف جذرية لمفهوم “المصلحة الوطنية”، و”الارتقاء فوق المصالح الفئوية”، و”البحث عن قواسم مشتركة حقيقية” يمكن أن تشكل أساساً صلباً لحوار وطني جاد وبناء. ولا أعلم: هل لا يزال لهذه الكلمات من معنى في الظاهرة السورية اليوم؟!

ربما لن تكون هناك صامولة أخيرة أصلاً. ربما ينهار القطار تدريجياً، عربات تسقط واحدة إثر واحدة، ويظل الركاب داخل كل عربة يصفقون لأن عربات الآخرين سقطت أولاً. وفي النهاية لن يبقى أحد ليحاسب أحداً، لأن لا أحد سيبقى ليُحاسب. فقط صمت طويل، وصوت معدني أخير يتردد في الوادي: صوت صامولة صغيرة تسقط على حجر ولا يسمعها أحد.

كل يوم يمر دون حوار حقيقي وحلول جذرية هو يوم آخر نقترب فيه من اللحظة التي قد نجد أنفسنا فيها أمام صامولة أخيرة، وقرار أخير بين الحكمة والكارثة.

Tags: أبو محمد الجولانيأزمة الحكم في سورياأزمة الدولة القوميةتشيخوف




آخر المنشورات

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية