فراس سراقبي
منذ ما سُمي بـ«الربيع العربي» عاشت منطقة الشرق الأوسط حالة مأساوية في تاريخها المعاصر. فهناك وضع كارثي من الخراب العمراني ودمار للمدن وللحياة الاجتماعية عموماً، كما حدثت مجازر جماعية ذات بعد طائفي وديني: الإبادة بحق الإيزيديين على يد «داعش» في العراق وسوريا؛ الإبادة الطائفية بحق كل من العلويين والموحدين الدروز على يد القوات التابعة لـ «الحكومة الانتقالية» في سوريا؛ إبادة أكثر من 800 مدني إسرائيلي بحسب وكالة «فرانس برس» (وهو ما لم يحصل بحق اليهود منذ الحرب العالمية الثانية) على يد حركة «حماس» خلال ما سُمّي بعملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر وما تلاه من مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين في الهجوم الإسرائيلي المضاد الذي استمر قرابة عامين. كما أن هناك عاملًا مشتركًا لكل تلك الإبادات الجماعية: الهوية.
بشكلٍ متزامن مع تلك الكوارث والإبادات، ينشط نوع من خطاب الهويات في هذه المنطقة بكثافة، يحمل في عمقه خصائص ذات بُعدٍ واحد، وغالبًا ما تكون إقصائية عنيفة، وهذا يحدث سواء على مستوى سياسات الحكومات، أو على مستوى التنظيمات المحليّة، خصوصًا المسلحة منها. كما تدعم أطراف إقليمية (على رأسها تركيا وإسرائيل)، ودولية (الولايات المتحدة الأمريكية ودول من الاتحاد الأوروبي) هذا الخطاب الهوياتي، وذلك في مسعى للصراع حول النفوذ في المنطقة، بعد تفكيك تحالفات إيران والميليشيات التابعة لها، أو ما كان يُسمّى بـ«محور المقاومة».
فهل من الممكن العثور على بدائل خارج منطق الصراع القاتل للهويات؟ وما هي آليات إنتاج هذه البدائل التي قد تُفضي إلى قيم ومشتركات جديدة أقل عنفًا ودمارًا؟
«عَرْقنة» الهوية
خلال الحرب الأهلية السورية «في طورها الثاني»، كما يسميها البعض، برز سؤال الهوية الوطنية على نحو مختلف لدى القوى السياسية والمجتمعية في سوريا. ففي البلد الذي فككته الحرب، يجري التخاطب من قبل السلطة الحالية وجمهورها بلغة «المظلومية» و«ردة الفعل» على ما جرى خلال الحرب الأهلية «في طورها الأول»، كما تُطرح نماذج في الحكم باعتبارها حلولًا للواقع الجديد، مثل الفيدرالية واللامركزية وغيرها.
في الحقيقة، ما حصل من مجازر بحق العلويين والدروز منذ سقوط نظام الأسد كان غالبًا بسبب موروث الهوية الوطنية الذي بدأ يتشكل منذ الاستقلال، والذي يُعبَّر عنه من خلال مفهوم الأكثرية الدينية، والمرتكز في العمق على الإقصاء والاستبعاد لأي اختلاف. فالدولة، في حالتنا، تُنتج هويتها الوطنية المنحازة دينيًا وقوميًا عبر سياساتها وجهازها الأيديولوجي (نظام التعليم والإعلام والأعياد الرسمية والمدونة القانونية ودستور الدولة… إلخ).
تبدو الهوية الوطنية السورية أنها تعطي امتيازًا في الحكم لجماعة محددة (المسلمون العرب السنّة) بذريعة الغلبة العددية المرتبطة بالدين والقومية تارة، أو عبر سردية المظلومية السنيّة التي يُزعم أنها كانت نتيجة حكم نظام الأسد الأب والابن تارة أخرى.
وحتى مقولة «واحد، واحد، الشعب السوري واحد» خلال فترة ما سُمّي بـ«الثورة السورية» في سياق «الربيع العربي»، كانت تخفي الكثير من القمع والعنف، وهذه «الواحدية» ليست إلا تعبيرًا قمعيًا لمظاهر الاختلاف والتباين لشعوب ومجتمعات سوريا.
ولكن لنفهم كيف تتحول الهوية إلى نظام رمزي عنيف يبرّر القتل، علينا أن نحدد معنى الهوية وكيف تتشكل.
تنشأ الهوية عبر الربط بين جهتين مختلفتين في معادلة اجتماعية واحدة: ١. «أنا» أنتمي إلى صفات فرديةٍ معينة (الذات الفرديّة). ٢. «نحن» وجودنا الاجتماعي يعبّر عن انتماء جماعي (الذات الجمعيّة). كل إحالة فردية إلى صفة معينة ترتبط بشكل أو بآخر بما هو موجود خارج الذات الفرديّة، أي ترتبط بذات أعلى منها وأكثر شموليةً، وهي الذات الجمعيّة.
ونتيجة هذا الترابط بين المستويين الفردي والجماعي، تتشكل الهوية على أساس أنها بناء اجتماعي/ثقافي يتبلور في واقع سياسي معين، ولكن ماذا لو أصبح هذا البناء الاجتماعي/الثقافي هو أساس الفعل السياسي الفئوي داخل المجتمع؟
في هذه الحالة، قد يؤدي هذا البناء إلى الرغبة في التعبير عن إرادة ذاتية للهوية، وذلك للمطالبة بشرعية فئوية وبحقوق خاصة (نحن الأكثر عدًّا، وأصحاب الحق في الحكم، لأن هويتنا الدينية تحتل مرتبة أعلى من باقي الهويات). وتسمّى هذه المرتبة، على سبيل المثال، في المدونة القانونية السورية «الدين الأشرف» وهو الإسلام. وفي سياق الثقافة السياسية العربية عمومًا يكون الإسلام هو «دين الدولة»، ومصدرًا للتشريع القانوني والآداب العامة وقيم المجتمع.
وبالمحصلة، ستكون مقولة «نحن أولًا» هي أساس المعارك الخطيرة للهويات؛ فقد تصبح تلك المقولة أساسًا للحق السيادي والشرعية، مما يعني أسبقية الحقوق (والتي تأخذ منحًى جهوِيًا في هذه الحالة) على أي تواصل عقلاني ونقاش اجتماعي أوسع.
يشير مفهوم «عَرْقنة» الهوية إلى إضفاء بُعدٍ بيولوجي على ما هو بناء اجتماعي/ثقافي، فتصبح الهوية وكأنّها حصيلة عملية وراثية جينيّة (تمامًا كما يرث الإنسان لون بشرته أو عينيه)، بدلًا من أن تكون واقعة اجتماعية/ثقافية؛ ونتاج اختيارات فرديّة حرّة ذات أبعاد مركّبة؛ وعملية معقدة من التنشئة الاجتماعية، أي يقوم مفهوم «عَرْقنة» على تقويض أي ديناميكية فرديّة أو تفاعل اجتماعي، مقابل التأكيد على الحتمية الوراثية للهوية. وخطورة هذا الفهم للهوية أنه يقوّض أي حق فردي في التعبير أو تغيير المعتقد من جهة، كما أنه يُعبّر عن نزعة جوهَوانية واختزالية للهوية من جهة أخرى.
قد تصبح عملية «عَرْقنة» الهوية مبرّرًا للاضطهاد، أو حتى للقتل الجماعي والإبادة، طالما أن «جميع» من ينتمون إلى هوية معينة، بحسب منطق هذا المفهوم، هم تلقائيًا يحملون بشكل جماعي ذات الخصائص المحددة لهم مسبقًا، وبالتالي خطاب الـ«نحن أولًا» ضد الـ«هم» يكون المحرّك الفعلي للمعارك القاتلة على أساس الهوية، أو حتى يكون المبرّر للمجازر الجماعية والإبادة. ففي منطقتنا يعاني الكثيرون من عملية «عَرْقنة» الهوية، حيث يفقد الإنسان في العديد من الحالات حياته بعد سؤاله عن انتمائه.
ومن المهم في هذا السياق تحديد ما تعنيه كلمة «إبادة». فبحسب تعريفات الأمم المتحدة لمفهوم الإبادة الجماعية، تشير الإبادة إلى التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة إثنية أو دينية، وذلك من خلال قتل أعضاء من الجماعة؛ إلحاق أذى جسدي أو روحي بأعضاء من الجماعة؛ إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يُراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.
ألا يمكن النظر إلى الحقوق في بلداننا (خصوصًا الحق في الحياة، والحق في التعبير) من خلال اعتبارها فردية بالدرجة الأولى؟ من جانب آخر، أليس من الأفضل اعتبار الجرائم المرتكبة جرائم لها فاعلها المتعيّن (من الناحية القانونية/القضائية على الأقل) وذات خلفية أيديولوجية، وليست جرائم مبنية على أساس الهوية التي يولد عليها الفرد؟ ألم يتم إبادة الإيزيديين على أساس هذه «عَرْقنة» لهويتهم الدينية؟ فيبدو أن عقلية «داعش» كانت تسير وفقًا لنمط سياسي حديث جدًا، حتى لو كانت تعتمد على نصوص تراثية دينية؛ أي أنها كانت تشتغل بحسب المنطق التالي: نحن «الأمَّة الإسلامية» المتجسدة في «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، و«نحن» فقط أصحاب السيادة والشرعية، وهؤلاء الإيزيديون هم جماعة عرقية/دينية يجب استعبادها أو إبادتها.
تتشابه «داعش» مع النمط الأيديولوجي القومي الذي كان مترسِّخًا في عمق أنظمة البعث (صدام حسين والأسد)، والقائم بالأساس على توحيد «الأمّة» في «وطن عربي» واحد، بكل ما يحمل هذا «الوطن» من إقصاء وتهجير ومجازر بحق الأقليات والقوميات الأخرى (ما حصل للأكراد في سوريا مثلاً خلال عملية تهجير الفلاحين الكرد على يد نظام البعث فيما يُعرف بـ«الحزام العربي» في محافظة الحسكة).
كما أن «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقًا)، والتي اندمجت، بعد سقوط نظام الأسد، في السلطة الحالية في دمشق، هي الوريث الأيديولوجي لفكر الأمة الأحادية المتجسدة في الدولة، والمستعدّ دائمًا لارتكاب المجازر بحق الأقليات الدينية والقوميات الأخرى.
حرب الخطابات
بعد سقوط النظام وهروب بشار الأسد في شهر ديسمبر من العام الماضي، ظهرت في سوريا بعض الأغنيات الشعبية التي تستند إلى التاريخ، ففي إحدى تلك الأغنيات نجد عبارات مثل: «أنعم الله على بني أمية» و«سنّة نحن الهوية، سنّة من بني أمية». وبغض النظر عن جهل الكثير من هؤلاء بالتاريخ الذي يتغنون به، إلا أن عملية هذا الاستدعاء التاريخي تتشابه مع عناصر من الفاشية والنازية، وذلك عبر العودة التاريخية لإمبراطوريات أوروبية سابقة، ومن ثم تمجيدها كنوع من الاستعلاء للهوية التي يعيدون إنتاجها على نحو إقصائي وعنيف.
القيام بالعودة إلى التاريخ بهذه الطريقة يتم عبر ما نسميه بالخطاب التاريخي/السياسي؛ أي إن هذا الاستدعاء التاريخي في إنتاج الهوية هو تصنيع أيديولوجي/خطابي صرف، بحيث تصبح الهوية أداة أيديولوجية للمعارك السياسية في الحاضر. ولكن كيف تتشابك الخطابات مع السلطة؟ وكيف تكون هذه الخطابات/الأيديولوجيات المعتمدة على التاريخ هي المبرّر لعمليات الإبادة؟
في محاضرته الشهيرة «يجب الدفاع عن المجتمع» في الكوليج دو فرانس، يتحدث ميشيل فوكو عن تطور أنماط السلطة السيادية وخطابها عن الشرعية، في ظل التحولات التاريخية لممارسة السلطة وعلاقتها بالمعرفة. فقد نشأ الخطاب الفلسفي/القانوني في مرحلة سابقة على الخطاب التاريخي/السياسي، وتلك النشأة تحمل بُعدين أساسيين:
- الذات التي تُنتج الخطاب الفلسفي/القانوني، وهي ذات الفلاسفة والقانونيين
- كونيّة ومعياريّة الحقيقة
في القرن السابع عشر والثامن عشر، ومع بداية تشكّل السلطة الانضباطية، بحسب الفيلسوف الفرنسي أيضا، ظهرت صراعات اجتماعية/سياسية داخلية في بريطانيا وفرنسا، حيث قامت هذه الصراعات على أساس التشكيك بحاديّة ومعياريّة الخطاب الفلسفي/القانوني.
أصبح مفهوم الحقيقة، بعد هذه المرحلة من الصراعات، مرتبطًا بالمواقع الاجتماعية والمصالح السياسية، كما تبيّن أن القوانين غير محايدة بدورها، فتحوّل الخطاب التاريخي/السياسي إلى جبهة مضادة للرواية الرسمية التي يقدمها الخطاب الفلسفي/القانوني.
في القرن التاسع عشر، ظهرت السلطة الحيوية، وأصبحت أساس سياسات الدولة الحديثة، لكن فوكو يريد أن يكتب تاريخًا مضادًا للرواية القانونية الرسمية، لذلك يعود ويستخدم الخطاب التاريخي/السياسي لكتابة ما يسميه بـ«التاريخ المضاد»، وهو لا ينفي أهمية الخطاب الفلسفي/القانوني، ولكن يحاول أن يكشف ما يسكت عنه هذا الخطاب.
يوجّه يورغن هابرماس نقدًا لنظرية فوكو حول السلطة، حيث يرى عالم الاجتماع الألماني أن فوكو يجعل من الحقيقة مرتبطة بعلاقات السلطة والخطاب، بدلًا من إمكانية تواجد الحقيقة خارج تلك العلاقات؛ أي بدلًا من أن ترتبط السلطة بالحقيقة، وليس العكس. إذا كانت الحقيقة دائمًا مرتبطة بخطاب السلطة، فلا يمكن تحديد أي معيار عام، أو صيغة قانونية مشتركة يمكن اللجوء إليها.
استعمل النازيون الخطاب التاريخي/السياسي خلال حكمهم، وتزامن هذا الخطاب مع «عَرْقنة» الهوية الألمانية والهوية اليهودية على حدّ سواء، وذلك لتبرير الإبادة الجماعية لليهود. خلال ما يُعرف في ألمانيا بـ«صراع المؤرّخين»، وقف هابرماس في وجه أطروحات بعض المؤرّخين الألمان، ومنهم إرنست نولته، فهذا الأخير حاول التخفيف من فظاعة الإبادة النازية بحق اليهود عبر أطروحته «النظرية الشمولية». فقد دافع هابرماس عن استثنائية وفرادة الإبادة التي وقعت بحق اليهود على يد النازيين، واعتبرها إبادة لا يمكن مقارنتها بأي حدث آخر. وقد كان الدافع إلى ذلك هو الخوف من عودة أشباح الأيديولوجيا النازية، وضرورة عدم تكرار الكوارث التي نتجت عنها خلال الحرب العالمية الثانية.
على الوجه النقيض من مفهوم «فرادَة الحدث» الذي دافع عنه هابرماس بما يتعلق بالهولوكوست، هناك مفهوم آخر يمكن تسميته بـ«نَسْبَنة الأحداث» (جعل الأحداث نسبيّة) أو بالألمانية Relativierung der Ereignisse، ويعني فهم حدث معين من خلال مقارنته بأحداث أخرى، أي فهم الحدث في سياق تاريخي أوسع. فمثلاً يتم مقارنة الجرائم النازية بالستالينية، ممّا يجعل الإبادة التي قام بها النازيون بحق اليهود حدثًا غير استثنائي (نزع الفرادة عن الإبادة)، بمعنى تصبح الإبادة حدثًا عاديًا عندما يتم فهمها في سياقات تاريخية أوسع.
في سوريا، على سبيل المثال، تستخدم السلطة الحالية مفهوم «نَسْبَنة الأحداث» عندما يتم تحميلها المسؤولية عن الإبادة الطائفية التي قامت بها بحق العلويين في الساحل السوري وبحق الدروز في محافظة السويداء؛ فتارة تدّعي هذه السلطة أن ما حصل لم يكن سوى «حالات فردية» قامت بها «عناصر منفلتة» تابعة لها، وتارة أخرى نسمع تصريحًا لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، يقول فيه إن ما حصل في السويداء كان «فخًا وقعنا فيه جميعًا».
يعمل مفهوم «نَسْبَنة الأحداث» من خلال اتجاهين محددين:
- تعميم الفعل على «الجميع» بحيث تبدو الأحداث وكأنها وقعت بين أطراف متساوية في القوة.
- توزيع المسؤولية والضحايا على هذه الأطراف بهدف تمويه الحدث وإخفاء الفاعلين الحقيقيين. ولذلك يقوم هذا المفهوم على مفارقة: جعل «الجميع» مسؤولًا بهدف عدم تحديد أي مسؤول بعينه، أي إخفاء المسؤول الحقيقي من خلال القول إن «الجميع» هو مسؤول.
وفي العودة إلى تصريح الشيباني، نجد في كلامه هذه «نَسْبَنة للأحداث» التي وقعت في مدينة السويداء، عندما نسب الحدث إلى «الجميع»، وذلك للتهرّب من المسؤولية القضائية أمام المحاكم من جهة، ولتمويه الحدث والتخفيف من فظاعة الجريمة (الإبادة الطائفية) التي قامت بها القوات التابعة للسلطة الحاكمة من جهة أخرى. وبسبب تمويه الحدث وعدم تحديد المسؤول من خلال الحديث عن «الجميع»، ستتكرر الجرائم الطائفية، طالما أن هناك ماكينة أيديولوجية تبريرية تشتغل وفق منطق الاتجاهين السابقين لـ«نَسْبَنة الأحداث». فكما قامت داعش بالإبادة بحق الإيزيديين، قامت أيضًا السلطة الحاكمة في دمشق بالإبادة الطائفية بحق العلويين والدروز. وستبقى هذه الإبادات تتكرر طالما يتم تمويه الحدث والفاعلين، أي طالما لا نعتبر أن الإبادة الطائفية حدث له فرادته واستثنائيته؛ وله مسؤولون متعينون عنها؛ وأيديولوجية تبريرية خاصة (ربما من الممكن أن نضيف أيضًا أن للإبادة مجتمعها أو جمهورها القادر دائمًا على إنتاج وإعادة إنتاج حركات سياسية وأنظمة حكم مستعدة دائمًا للإبادة).
سعى هابرماس إلى ربط الهوية الألمانية بمفهوم «الوطنية الدستورية» (Constitutional Patriotism)، وبفكرة التعاقد الاجتماعي القانوني، بحيث لا يرتبط الوجود السياسي للشعب بهوية قومية أو عرقية تسبق هذا التعاقد القانوني أو التواصل العقلاني.
قد يفيد في بلداننا مفهوم «الوطنية الدستورية» في إنتاج كيانات سياسية بعيدًا عن الأيديولوجية القومية العربية والإسلام السياسي، فهذه الأيديولوجيات مترسِّخة في البنى الثقافية والسياسية لكيان الدولة العربية، أي أصبحت أساس الشرعية والسيادة للدول مثل سوريا والعراق. وما نراه اليوم من خراب للمجتمعات أو قمع للحريات في هذه الدول، هو غالبًا من نتائج سيطرة الأيديولوجيا القومية العربية والإسلام السياسي على حكم هذه المجتمعات.
كانت الأيديولوجيا النازية تعتمد بشكل أساسي على معاداة السامية، ولولَا معاداة السامية لم يكن هناك من تبرير لإبادة اليهود.
في الثقافة السياسية العربية المعاصرة يهيمن الخطاب التاريخي/السياسي، ويأخذ هذا الخطاب شكل الصراع العنيف للهويات في أغلب البلدان، ومن دون أن نقوم بتفعيل عقل تواصلي ينتج لنا خطابًا فلسفيًا/قانونيًا مشتركًا، قد نبقى عالقين في دوامة العنف.
الخطاب الفلسفي/القانوني يتطلب تواصلًا وحوارًا عقلانيًّا بينيًّا/ذاتيا (Intersubjektive)، نتبادل عبر هذا الحوار الحجج والأفكار داخل الحيّز العام للمجتمع، لننتج فيما بعد قيَمًا مشتركة عامة. فلا يمكن للصراعات الداخلية الدموية أن تهدأ ما دمنا نعجز عن إنتاج هذا النمط من الخطاب العقلاني. ولعل الخطوة الأولى في بناء هكذا نوع من الخطاب هي ترسيخ الاعتراف بحق الآخر في التعبير والحياة؛ إذ من دون هذا الاعتراف لا يمكن للحياة الاجتماعية الحديثة أن تتشكّل أصلاً. فالهدف هو استمرار الحياة وبقاء المجتمعات، لا دمارها أو التضحية بها تحت أي ذريعة كانت من قبيل «الثورة» أو «القضية».





