وول ستريت جورنال
يتقدم مقاتلو تنظيم القاعدة بسرعة نحو العاصمة باماكو في دولة مالي بغرب إفريقيا، وسط مخاوف متزايدة من أن تسقط المدينة في أيديهم، ما سيجعل مالي أول دولة في العالم تُدار بالكامل من قبل تنظيم مصنَّف إرهابياً من قبل الولايات المتحدة.
يأتي هذا التقدّم السريع للجهاديين في إفريقيا بعد استيلاء جماعات إسلامية على السلطة في كلٍّ من أفغانستان وسوريا، لكن في حال سقوط باماكو، فستكون هذه أول مرة يتمكن فيها فصيل تابع للقاعدة، لا يزال على اتصال مباشر مع قيادتها المركزية، من تحقيق مثل هذا الإنجاز.
ويقول خبراء أمنيون إنّ المسلحين يقتربون أكثر فأكثر من العاصمة، لكنهم ربما ينتظرون بعض الوقت قبل تنفيذ تحرّك حاسم. فقد بدأ المتمردون بحصار المدينة ومنع وصول الغذاء والوقود إليها، ما تسبّب في نقص حاد في الإمدادات حتى بالنسبة للجيش، بحسب مسؤولين محليين وأوروبيين ومقاطع فيديو نشرها الجهاديون.
تشير تقارير استخباراتية أوروبية إلى أن جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» – وهي تحالف جهادي أُعلن عن تأسيسه عام 2017 بعد اندماج عدة فصائل تابعة للقاعدة – تراهن على السيطرة التدريجية بدل الهجوم المباشر. يقول الباحث رافاييل بارينس من «معهد أبحاث السياسة الخارجية» في فيلادلفيا: «كلما طال الحصار، اقتربت باماكو أكثر من الانهيار».
وقد أعلن التحالف منذ تأسيسه الولاء لتنظيم القاعدة، وتلقى مقاتلوه تدريباً في صناعة المتفجرات وغرس الإيديولوجيا من قيادات القاعدة في منطقة أفغانستان – باكستان، وفقاً لمسؤولين غربيين وأفارقة.
في الثلاثاء الماضي، تعرضت عشرات شاحنات الوقود لكمين أثناء نقلها الإمدادات إلى العاصمة. وظهر في مقاطع مصوّرة مقاتلون يرتدون سراويل مهترئة وعمائم يخرجون من الأدغال، يشعلون النار في أول شاحنة ويستولون على الباقي.
أما القاعدة العسكرية الكبرى في منطقة كاتي القريبة – وهي المعقل الأبرز للسلطة العسكرية الحاكمة – فلم تتمكن من التدخل، إذ قال شهود إنّ الجنود هناك ينتظرون الوقود منذ ثلاثة أسابيع دون أن يصلهم شيء. وعلّق بارينس قائلاً: «إنها حلقة مفرغة؛ فهزيمة التنظيم تتطلب عمليات برية ودعماً جوياً، لكن كليهما يعتمد على تدفق الوقود».
أصبح الوقود محور الصراع، إذ ارتفع سعر اللتر الواحد في باماكو إلى نحو 2000 فرنك إفريقي (3.55 دولاراً)، بحسب المواطن إبراهيم سيسي، الذي قال: «اليوم لا شيء في المضخات… ننتظر أياماً للحصول على البنزين».
ردّت الحكومة بإغلاق المدارس والجامعات لمدة أسبوعين، وإيقاف بعض محطات الكهرباء بسبب نقص الوقود. وقال رئيس الوزراء عبد الله مايغا الأسبوع الماضي: «حتى لو اضطررنا للبحث عن الوقود سيراً على الأقدام أو بملعقة، سنفعل».
يمتدّ تمرّد القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية عبر مساحة شاسعة من غرب إفريقيا تشمل النيجر وبوركينا فاسو ومالي في منطقة الساحل القاحلة، ويتقدّم تدريجياً نحو دول أكثر استقراراً على ساحل خليج غينيا مثل بنين وساحل العاج وتوغو وغانا.
ويزداد القلق في الأوساط الغربية من احتمال أن يتمكن تنظيم القاعدة، وهو الأقوى بين الفصائل الجهادية في غرب إفريقيا، من السيطرة الفعلية على مالي أو بوركينا فاسو.
ويبدو أن مالي، ذات الـ 21 مليون نسمة ومساحة تعادل ثلاثة أضعاف مساحة ولاية كاليفورنيا، أقرب إلى السقوط أولاً.
لقد أثبت الإسلاميون في سوريا وأفغانستان قدرتهم على الانتصار في حرب استنزاف تنتهي بانهيار الأنظمة من الداخل. وتقول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» إنها تسعى لتكرار نموذج طالبان التي دخلت كابل بعد أن تركها الجيش الأفغاني. كما تعتبر السيطرة على دمشق في ديسمبر الماضي من قِبل فصيل سوري سابق تابع للقاعدة «نموذجاً» لاستراتيجيتها، وفق تقرير أممي في يوليو.
بدأ التمرّد في مالي عام 2012، ثم تولّى قيادته إياد أغ غالي، وهو قيادي طوارقي سابق اشتهر سابقاً بحبه للموسيقى قبل أن يتشدد ويحظرها في المناطق التي يسيطر عليها.
ورغم أنه مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا يزال أغ غالي حراً طليقاً، فيما تمددت جماعته من شمال مالي إلى مشارف العاصمة. ولم تتمكن القوات الأجنبية المدعومة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة من وقف تقدمه.
وبينما كان الجيش المالي يشعر بتصاعد الخطر، انقلب على الحكومة المدنية عام 2020، ثم أطاح بقيادته نفسها عام 2021، في سلسلة انقلابات تبعتها أخرى في بوركينا فاسو والنيجر.
طردت السلطة العسكرية في باماكو القوة الفرنسية متعددة الجنسيات واستعانت بمرتزقة مجموعة فاغنر الروسية، لكن هؤلاء فشلوا أيضاً في إخماد التمرد.
بل إنّ حملة القمع الواسعة التي نفذتها القوات الروسية وحلفاؤها الماليون أدت إلى انضمام عدد متزايد من السكان المحليين إلى القاعدة أو الاحتماء بها، وفق منظمات حقوقية وشهادات قادة مجتمعيين.
يقول سيدو باه، تاجر ماشية نجا من مجزرة مورا عام 2022 التي قُتل فيها أكثر من 500 مدني على يد مقاتلي فاغنر: «سواء تحت حكم الجيش أو القاعدة، لا حرية هنا».
بعد مقتل شقيقه على يد الجيش العام الماضي، فرّ باه إلى قرية خاضعة للجهاديين، حيث أجبر الرجال على حضور الصلوات وجمع الضرائب من الماشية والمحاصيل. واليوم يعيش في المنفى، يعمل في ورش بناء لكسب قوت يومه.
في مطلع هذا العام، أرسلت روسيا قوة جديدة من جنودها تحت إشراف مباشر من جيشها النظامي، لكنهم يفتقرون إلى الخبرة القتالية في تضاريس مالي الوعرة. فوقعوا في كمائن متكررة سمحت للمسلحين بالاستيلاء على أسلحة جديدة والاستعداد لمرحلة السيطرة على العاصمة.
ولمواجهة الأزمة، طلبت السلطة الحاكمة دعماً إضافياً من موسكو. وفي الأسبوع الماضي، وعد وفد روسي زائر بتزويد مالي بـ 200 ألف طن من النفط والغذاء.
من جانبها، أجْلت الولايات المتحدة بعض دبلوماسييها من السفارة في باماكو، وحذّرت رعاياها من البقاء في البلاد، داعيةً إلى مغادرتها فوراً.
وفي يوليو، زار رودولف أتالا، مستشار مكافحة الإرهاب في إدارة ترامب، مالي لعرض المساعدة الأميركية، لكنه لم يُدلِ بأي تعليق لاحق. كما ذكرت تقارير أن إيريك برينس، مؤسس شركة «بلاك ووتر»، على تواصل مع المجلس العسكري المالي لتقديم دعم أمني محتمل.
ويرى خبراء أمنيون أوروبيون أن النظام المالي لن يسقط فوراً لأن المسلحين سيجدون صعوبة في السيطرة على المدن الكبرى، لكنهم يتوقعون أن أي حكومة مستقبلية، إذا سقطت السلطة العسكرية، قد تضطر إلى التفاوض مع الجهاديين، مشيرين إلى أن زعماء محليين أبرموا بالفعل هدنات محلية مع «نصرة الإسلام والمسلمين» في وسط البلاد.
في الأثناء، يوسّع المسلحون قبضتهم على المناطق الريفية، ويفرضون ضرائب على تجارة الذهب والمخدرات العابرة لإفريقيا من أميركا اللاتينية إلى أوروبا.
أما الماليون القادرون على المغادرة، فبدأ كثير منهم بالفرار إلى دول الجوار مثل السنغال وساحل العاج. ويقول مغتربون إن مطار باماكو لا يزال مفتوحاً حتى الآن، فيما تحاصر القاعدة الطرق المؤدية إلى الخارج، مانعةً الآلاف من الانضمام إلى 334 ألف لاجئ مالي مسجَّلين لدى الأمم المتحدة في دول الجوار.
عنوان المقال المنشور في الصحيفة:





