شورش درويش
قرأت تركيا ارتدادات السابع من أكتوبر 2023 بصورة مغايرة عن قراءة نظام بشّار الأسد الذي عوّل على نجاة إيران وحزب الله والاحتفاظ برأسه ونظامه تالياً رغم تعرّض حلفائه لهزائم متتالية ونكسات عميقة. تمثّل يقين أنقرة بأن العالم المحيط بإسرائيل سيتغيّر، وأن من لا يستجيب للتغيّرات العميقة سيجرفه الطوفان، ولأجل ذلك ألحّ الرئيس التركي أردوغان دون كلل وفي مناسبات عدة على مقابلة الأسد، لكن كل ذلك مرّ دون جدوى وبدى أقرب للعبث الدبلوماسي في مقابل عناد الأسد الذي ظنّ أن هذه التصريحات المتتالية ما هي سوى خديعة أو تصريف لأزمة داخلية تركيّة تعصف بعدوّه اللدود (أردوغان)، فوق أن هذا المسار السوري التركي الغامض قد يؤثّر على التحالف التاريخي بين دمشق وطهران وموسكو، فضلاً عن أن التقارب العربي غير المشروط مع الأسد عزّز من موقعه الداخلي والإقليمي في مواجهة تركيا، وقد يكون هذا التقارب إحدى المشكلات التي أشعرت الأسد بفائض قوّة وبالتالي عدم رغبته بالمضي في مصالحة أنقرة تحت أي شرط.
استمرّ الأسد في الإصرار على قراءة المشهد بشكل خاطئ لضعف مجسّاته السياسية داخل أروقة السياسة التركية، ولم يربط الحرص التركي على إنقاذه والمغريات المقدّمة له بأنها جاءت مع انتقال أنقرة من طور التوسّع ولعبة التوازن التركي – الإيراني إلى طور حماية المصالح التركية في المنطقة كخطّة أملاها كسر حكومة بنيامين نتنياهو لكل ما هو متوقّع، وبالنظر إلى التفوّق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي منذ عملية البيجر وصولاً للضربات الدقيقة والمميتة لقيادات حزب الله والحرس الثوري في لبنان وسوريا. بلغت الإغراءات التركية حدوداً غير مسبوقة. وزير الدفاع التركي، يشار غولر، صرّح وضوحاً في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أي قبل سقوط نظام الأسد بحوالي شهر، بأن “الجيش الوطني السوري سيكون جزءاً من مستقبل سوريا”. وقد فُهم من هذا التصريح بأن حظوظ الدمج بين الفصائل الموالية لتركيا، عدا هيئة تحرير الشام، مع جيش الأسد هو أمر قابل للتحقيق، إذ ستصبح تلك الفصائل جزءاً من مقدّرات الأسد العسكرية تحت يافظة التصدّي للتغوّل الإسرائيلي.
من منظور براغماتيّ، وربما دفاعيّ هذه المرّة، بدا أردوغان حريصاً على مسألة التلاقي مع الأسد حول خطّة بديلة تتمثّل بوراثة تركيا للدور الإيراني المتآكل في سوريا، واستبدال محتمل للعمامة الإيرانية بالطربوش التركي. وعليه، فإن أنقرة يمكن أن تشكّل درع حماية جديداً لنظام الأسد في غياب الدور الإيراني. وفي السياق نفسه فسّر أردوغان جهود بلاده لتحسين علاقاتها مع سوريا ومصر مطلع سبتمبر/أيلول 2024 بأنها ترمي إلى “تشكيل خط تضامن ضد التهديد التوسّعي (الإسرائيلي) المتزايد”، بمعنى أن الصراع مع الأسد أصبح ثانويّاً في مواجهة الصراع المحتمل والأهم مع إسرائيل وعلوّ كعب تل أبيب في المنطقة والتأييد الأوروبي والأميركي العريض لحكومة نتنياهو وإجراءاتها العسكرية والأمنية الاستثنائية.
لعب فارق الخبرة والتقدير والمعلومات دوره في معرفة أردوغان أن سوريا بدون الأسد ستكون أكثر انقساماً وهشاشة، وأن الضربات الإسرائيلية لن تتوقف، وستكون تلك الضربات أقرب لقلم يرسم حدود وشكل السلطة ومناطق توزّع النفوذ. وفيما عرفه أيضاً كان أن البديل لن يكون أحد رجال تركيا في قصر الشعب، وأن الزمن الإيراني الذي سينقضي سيأخذ معه حضور تركيا المبنيّ على فكرة التوازن بين روسيا وإيران من جهة، وبين الولايات المتحدة وحلفائها في سوريا، ومن بينها تركيا، من جهة أخرى، إذ طالما قدّر الأتراك أن وجود الإيرانيين على الأراضي السورية كان نقطة تفاضل في صالحهم، فبموجب هذا التواجد والنفوذ سُمح لتركيا بالسيطرة على المليشيات المناوئة للأسد، واحتلال أراضٍ سورية، وإقامة شكل للتوازن الإستراتيجي.
بكلمات أخرى: ربّما عرف الأتراك أن بديل الأسد سيخضع بصورة ما للإملاءات الأميركية والإسرائيلية، وأن الانخراط التركي في جهود الإطاحة بنظام الأسد لن يمكّنهم في نهاية المطاف من التحكّم بسوريا واتخاذها مخفراً أمامياً لردع إسرائيل أو حتى الاحتفاظ بدورها السابق في ظل حكم الأسد والنفوذ الإيراني الواسع. مرّ كل ذلك ولم يفهم الأسد كيف يفكّر الأتراك بعد السابع من أكتوبر، أو ما الذي يدفعهم لاستجداء الاجتماع به والتوصل إلى حلول وسطى.
بالمثل، ثمة ضعف سوريّ لاحق في قراءة السياسة التركية. يبدو أن الرئيس المؤقّت أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، لا يدركان عمق التغيّرات الطارئة على الإستراتيجيات التركية، فهما يعتقدان أن تركيا بإمكانها تثبيط حضور قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ودفعها للقبول بإملاءات دمشق قبل حلول العام القادم، وأن المجابهات العسكرية على خطوط التماس مع قسد، يمكن أن تشكّل أداة فعّالة لتركيا ودمشق على حدّ سواء، كبديل ثالث عن كلٍّ من الحرب الموسّعة وتجميد الصراع. واقعياً، لا يمكن للمناوشات والتحشيدات على خطوط التماس أن تشكّل أي فارق على المدى الطويل، ذلك أن قسد يمكن لها أن تتكيّف مع هذا النمط من معارك الإشغال والضغط، فيما ستزيد مثل هذه الأعمال العدائية من تصلّبها وارتيابها من نوايا دمشق.
لم تقرأ سلطة الشرع، شأن نظام الأسد، التبدّلات التركية بعناية مطلوبة؛ ومن جملة ذلك طبيعة عملية السلام بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، وكل ذلك في ضوء ما قاله مؤسِّس العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، من أن تركيا إن لم تسعَ لحل مشكلاتها فإنها “ستحبس نفسها في الأناضول”، والحال، أن سعي تركيا لئلّا تصبح حبيسة الأناضول يحتّم عليها التصالح مع العالم الكردي في داخلها وفي محيطها، والمعنى هنا أن صمود عملية السلام الكردية التركية، يعطّل الحرب التركية على قسد، وإن تواترت لغة التهديد التركية صعوداً وهبوطاً تجاهها.
لم تستوعب دمشق بعد أن تركيا غير قادرة على شنّ حرب وتدخّل رابع في سوريا بدون موافقة أميركية، إذ إن “الخلطة” الأميركية لإدارة الأوضاع في سوريا تقوم على مبدأ: القليل من تركيا والقليل من إسرائيل في مقابل الكثير من التفاعل السياسي الداخلي. إن إفساح المجال أمام التغوّل العسكري التركي سيؤدي بالضرورة إلى تغوّل إسرائيلي مقابل، وبالتالي تفكيك سوريا بشكل أسرع، وتحوّلها لبؤرة صراع إقليمي مستدام يرهق واشنطن.
يمكن كذلك التنبّه لفكرة توسيع “المجال الحيوي” التي تتحدّث عنها أصوات تركية، ومفادها: إذا لم يكن من الممكن حكم سوريا وتطويع حكّامها، فإن أفضل صيغة هي توسيع نطاق السيطرة في سوريا لخلق توازن مع تل أبيب، ولعلّ حلب تقف في مرمى الأهداف التركية، ولأجل ذلك يلاحظ توزّع المليشيات السورية الموالية لها، والمنخرطة شكلياً في وزارة الدفاع، على طول حدود محافظة حلب الإدارية وفي داخلها.
خلال الأسبوع الفائت شهدت حلب توتّرات أمنية على خلفية فرض حصار على حيي الأشرفية والشيخ مقصود ورفع السواتر الترابية لتطويقهما ثم اندلاع مواجهات مسلّحة. لا تبدو دمشق مكترثة بالحفاظ على خطوط اتفاق الأول من أبريل/ نيسان الماضي الذي أفضى لتخليق حالة تعايش بين قوى الأمن الداخلي (الأسايش) والأمن العام. ولعله من المفيد التذكير بأن افتعال حرب على الأحياء الكردية سيكرّر خطأ السويداء، فإذا كانت الانفعالات والغضب قد دفعت سلطة الشرع لارتكاب المجازر في السويداء، وما استجرّ ذلك تدخّلاً جراحياً إسرائيلياً أفضى لبسط سيطرة تل أبيب على كامل الجنوب السوري، فإن الحرب وعدم قدرة السلطة على ضبط الأوضاع في حلب قد يعني تدخّلاً تركياً بذريعة ضبط الأوضاع فيها، وربما بتفويض أميركي، لتصبح سوريا وفق هذا المنظور خاضعة لسلطتين، إسرائيلية في الجنوب وتركية في الشمال الغربي.
ليس من قبيل الاعتباط أو الصدفة الكتابةُ باللغة التركية فوق بعض الدوائر الرسمية بحلب، وقد سبق لدولت بهجلي أن وصف حلب بأنها “تركيّة حتى النخاع” وأنها “الولاية التركية الـ 82″، كما سبق لأردوغان أن عبّر للصحفي التركي المعروف جنكيز تشاندار مطلع حركة الاحتجاجات السورية عام 2011 بأن بلاده لن تقف متفرّجة، فلها في سوريا “حلب والقامشلي”. وإذا لم تكن هذه التصريحات ومثيلاتها الصادرة عن قادة الرأي ومنظّري الطورانية والباحثين عن توسيع “المجال الحيوي” التركي كاشفة لفهم الخطوات التركية المقبلة في سوريا، فإننا أمام سلطة تفتقر إلى المجسّات التي يمكنها من خلالها معرفة الخطط التركية البديلة عن الاستحواذ على كامل الأراضي السورية.
يبدو أن سلطة الشرع التي خسرت الجنوب السوري لأنها لم تفهم كيف تفكّر إسرائيل، ستخسر مناطق أخرى في الشمال الغربي لأنها لم تفهم جوهر السياسة التركية، والأهم أنها تظنّ على نحو خاطئ أن المشاكل الداخلية السورية يمكن أن تبقى محصورة في الداخل وبمنأى عن أي تدخّل خارجيّ، وهذا محض أوهام.





