د.طارق حمو
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، وفي نبرة استشراقية متعالية ومتعجرفة، وسم منطقة الشرق الأوسط بأنها تخلو من الدولة، وأنها في واقع الأمر ليست إلا مجموعة من “القرى والقبائل والدول القومية التي أنشأها سايكس وبيكو”، وأنه من “الوهم رؤية 27 دولة مختلفة فيها 110 مجموعة إثنية تتفق على مفهوم سياسي”. ولعل هذا الكلام الواضح والبيّن هو “درّة” استخلاصات باراك، التي خرج بها بعد تجربته “الطويلة” في غياهب ودهاليز السياسة في منطقة الشرق الأوسط!. الرجل مبعوث المؤسسة الأميركية وممثلها في الشرق الأوسط (على الأقل في تركيا وسوريا ولبنان)، أجهدته تركيبة مجتمعات الشرق الرافضة للديمقراطية ولآليات صنع السياسة وإدارة الدولة، ولكل من المشاركة والتوافق، وفهم أخيراً مكمن الخلل، فأطلّ بهذا التصريح الصادم في قسوته، ولكن العميق في تحليله واستبطانه لتاريخ وتراث وعقلية الشرق الأوسط وشعوبه/قبائله المختلفة!
والحال فإن توم بارك المراهن على سلطة “هيئة تحرير الشام” في سوريا، والتي جاءت بعملية عسكرية لا تزال ظروفها وملابساتها مجهولة ومسكوت عنها، لفظ ما يجول في خاطره وما يعتقده في سريرته حول شعوب ومكونات الشرق الأوسط. قبائل وطوائف متصارعة بعيدة عن الفهم المعاصر للدولة، لا يصحّ حكمها إلا بانتداب ووصاية. هذا هو فهم ومذهب باراك ويقينه الإيديولوجي الاسستشراقي، وهو الذي ينحدر أجداده من منطقة “جبل لبنان” الشامية العثمانية، والذين انطلقوا مهاجرين إلى أميركا/الأرض الجديدة هرباً من جور العثمانيين والحروب الداخلية ومن صراع الطوائف والمذاهب والأديان. الرجل الذي يتهم شعوب المنطقة بالقبائلية والبعد عن روح الدولة وآليات الإدارة والديمقراطية، لا يزال أسير تلك الحقبة التاريخية، وبالتالي فهمه و”إدارته” لأمور هذه الشعوب يقوم على التأصيل القبائلي والطائفي، الذي لا يمكن ضبطه إلا بإرادة قوة انتدابية هي هنا بلده الولايات المتحدة الأميركية، وعبر التحالف مع “شريك” مركزي يمثّل “القبيلة الأكبر” هو هنا في الحالة التركية سلطة حزب العدالة والتنمية، وفي الحالة السورية فصيل “هيئة تحرير الشام”، الذي اعترف به باراك على أنه هو الدولة، وأوكل إليه مهمة “توحيد” القبائل والقرى السورية في دولة مركزية واحدة، قادرة على تشكيل عنوان موحد، وبهذا يصبح لديه رقم هاتف معلوم يستطيع أن يتصل به باراك، أو خلفه، حينما يريد أن يتحدث مع دمشق.
من جهتها تبدو سلطة دمشق سعيدة بهذا الاقتراب والفهم الأميركي “الشامل” و”الشمولي” للأمور. فباراك يؤيد فكرها الرافض للاعتراف بالخصوصيات والمكونات السورية ضمن إطار لامركزي، وها هو ورغم كل تركة “هيئة تحرير الشام” الدامية في الأشهر العشرة الماضية، بدءاً من مجازر الساحل بحقّ المكون العلوي السوري، ومروراً بتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، وتالياً مجازر ريف دمشق والسويداء بحقّ المكون الدرزي السوري، وفي الوقت الحالي الانتهاكات والتحضيرات لمجازر بحقّ المكون الكردي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، لا يزال يراهن عليها، في كونها هي الأقدر على الحفاظ على وحدة سوريا (مع أو بدون مناطق من الشمال تحتلها تركيا، ومحافظات الجنوب الثلاث حيث السيطرة والاقتدار الإسرائيلي؟ لا فرق!)، وهي الأقدر على ضبط الداخل، والتفاوض مع أميركا وحلفائها، وبالتالي تقديم تنازلات بالجملة و”باكيتات” كاملة على حساب سيادة سوريا، ومصالح ومستقبل شعبها. وهنا تبدو سلطة “هيئة تحرير الشام” المعلوم تاريخها، ممسوكةً من رقبتها، لكي تصبح مطواعة أميركياً وتقبل أن تكون “سلطة تحت الطلب” تنفّذ كل ما تُؤمَر به، على أن تُترك لتحكم سوريا، بدون أي تهديد بإزاحتها، أو تلويح بفتح ملفات قادتها القديمة.
ولكي تتم هنا الوظيفية، أو يتم ما تظنه السلطة “تخادماً”، وهو في حقيقة الأمر خدمة ملزمة من جانب واحد، يمضي فصيل “هيئة تحرير الشام” في غمرة تشكّله ومخاض تحوّله إلى “الدولة” في التنازل عن أغلب وأهم ثوابت “المنطلقات النظرية” للفكر الجهادي التي نشأ بها وتكوّر حولها، وجذب بها الشباب المتحمس طيلة السنوات الطويلة الماضية، لصالح توطيد حكمه والمضي قدماً في مصادرة أجهزة الدولة ومؤسساتها والتمكين فيها. ما يحدث الآن من استحواذ “هيئة تحرير الشام” على مفاصل الدولة السورية و”الإحلال” فيها، يتم عبر تشكيلة واسعة من الإجراءات العملية المدعومة والمؤصّلة شرعاً بفتاوى وتوجيهات من شرعيي الهيئة. ثمّة تفهم واضح من جانب العقل المشرّع في الهيئة بأن ما يتم الآن من “مظاهر” و”سياسات” خارجة عن نسق الفهم الجهادي السلفي، هو في حقيقته، وفي الباطن، تقيّةٌ وجزءٌ من عملية التمكين التي لا بدّ منها، وهو لا يمسّ الثوابت، لكونه يندرج في الفرعيات التي يجوز الأخذ والردّ فيها، حسب الزمان والمكان، وضمن اجتهاد شرعي مقرون ومدعوم بتراث الفقه وبحوادث التاريخ الإسلامي. ومن هنا يأتي إعطاء السلطة الأولوية للجهاد ضد “العدو القريب” بدلاً من الجهاد ضد “العدو البعيد”، والذي هو في عرف الجماعات الجهادية تسلسلاً: الولايات المتحدة الأميركية والغرب وإسرائيل.
تفسّر السلطة مفهوم “العدو القريب” وفق رؤيتها الجديدة بأنه يقوم على إزاحة خصومها داخل الخارطة السورية. ومن هذا الفهم بطشت بالعلويين السوريين في مجازر الساحل، ولا تزال تبطش بهم في حوادث تصفية وقتل واختطاف وسبي هنا وهناك (خاصة في ريفي كل من حماة وحمص، وهو ما يبدو عملية تطهير عرقي صامتة، ولكن ممنهجة)، بينما تصادر دور وأملاك العلويين في مدينة دمشق، وتفصل الآلاف منهم من وظائفهم بحجج مختلفة، وتضيّق على آخرين عبر نقلهم إلى أماكن بعيدةٍ عن مناطق سكنهم. كما لا تزال تحاصر السويداء بعد الهجوم الكبير عليها والذي أسفر عن مقتل الآلاف من الدروز السوريين، وسبي واغتصاب العشرات، فضلاً عن أعمال النهب والسلب، وحرق المضافات والمزارات وتدنيس الأضرحة والمقابر، وإهانة كبار السن عبر حلق شواربهم ولحاهم. في عرف السلطة تم تأديب “العدو القريب” في كل من الساحل والسويداء، ولم يبقَ سوى عدو آخر هو: شمال شرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية والمكون الكردي. أولئك الذين تواصل الآلة الإعلامية للسلطة، مدعومةً بترسانة الإعلام العربي الموجّه، تشويه صورتهم وإغراق المتلقي العربي بكميات هائلة من الأخبار المزيفة والافتراءات والأكاذيب، بغية حشد الصفوف واستنهاض الهمم، للتحرّك ضدهم، وتالياً تبرير كل الجرائم التي ستحدث، في حال تحرّكت جحافل السلطة في عملية إبادة وتطهير عرقي جديدة مشابهة لعملية الهجوم على محافظة السويداء، والتي لم يوقفها سوى القصف الإسرائيلي المهين للقصر الجمهوري وهيئة الأركان العامة، وطبعاً مقاومة أهل السويداء، الذين ذادوا عن أرضهم وعرضهم بكل بسالة.
تعي السلطة بأن الجهاد ضد “العدو القريب” يحتاج إلى خزان بشري من جهاديين يقومون على السمع والطاعة، وأمراءِ حربٍ مجرمين قادرين على تحريك “الفزعات”، وشيوخِ دينٍ طائفيين يطلقون دعوات “النفير العام”، وهذا لن يتم إلا إذا نجحت السلطة في السيطرة على المكون العربي السنّي السوري، وهو ما يحصل الآن بمعية الإعلام العربي وأدوات و”مراكز قوى” تحركها الدولة التركية، ولكنه يصطدم برفض الأغلبية العربية السنيّة السورية، وخاصة من أهل المدن والحواضر الكبيرة، لعقيدة وسياسة “هيئة تحرير الشام” التي ساهمت في خلق تصدّعات كبيرة في المجتمع السوري، وفرضت لونها وتفسيرها السلفي على أهل المدن، وهم من الأشاعرة والصوفيين، فضلاً عن الترييف الكبير الذي حصل للمدن الكبرى فغيّر من طبيعة الحياة فيها، وانتزع قطاع الاقتصاد والأعمال من يد الطبقة المدينية السنيّة ووضعه في يد جماعات ريفية ميزتها الولاء المطلق للسلطة ليس إلا. إنه هذه المرة صراع طبقي وحضاري كامن تجاهد السلطة في التقليل من آثاره المستقبلية عبر الإبقاء على الحظر المفروض على الأحزاب السياسية الوطنية، واستبعادها من المشهد، كونها الإطار الأوسع للحضور والحراك السني، وكذلك عبر المزيد من التحريض الطائفي والضخّ الإعلامي الذي يجهد في حشر العرب السنّة كلهم في “بلوك” واحد، بوصفهم هم “حاضنة الحكم” وهم من “يقودون البلاد”، وهم، كلهم أيضاً، مستهدفون من المكونات السورية الأخرى، أو من “حلف الأقليات” التي تنزع عنها السلطة الوظيفية الجهادية صفة الوطنية السورية، وتُفرزها في خطابها التخويني اللاوطني بوصمها: “فلول” و”انفصاليين”، و لاحقاً “صليبيين”!





