المركز الكردي للدراسات
تناقلت العديد من المنصات والمواقع الإلكترونية تصريحات منسوبة إلى الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع نشرتها صحيفة “ملييت” التركية، حملت تهديدات لمنطقة شمال وشرق سوريا ولقوات سوريا الديمقراطية. ويمكن تثبيت عدة نقاط من تصريحات الشرع للصحيفة التركية، والتي هي في مجملها اتهامات وتهديدات طالت قوات سوريا الديمقراطية، مرّة على لسان الشرع نفسه، ومرّة أخرى نقلها الشرع على لسان الدولة التركية:
ـ إن تركيا ستتحرك عسكرياَ ضد قوات سوريا الديمقراطية في حال عدم تحقيق “الاندماج” حتى شهر ديسمبر/كانون الأول القادم.
ـ وجود “أجنحة” داخل قوات سوريا الديمقراطية ترفض اتفاق 10 مارس/آذار.
ـ وضع شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية يشكّل “تهديداً للأمن القومي” لكل من تركيا والعراق.
ـ المجتمع السوري يرفض مناقشة الأنظمة الفيدرالية ويعتبر كل المطالب في اللامركزية تمويهاً و”أشكالاً مختلفة” من الانفصالية.
الواضح من خلال النقاط الآنفة، بأن الشرع وسلطته ماضون في التهرّب والتنصّل من تطبيق اتفاق 10 آذار، وهم أول من انتهكوه عندما أصدروا في 13 مارس/آذار الإعلان الدستوري الذي لم يُشر إلى اتفاقية 10 مارس/آذار، ولا إلى ما ورد فيها من اعتراف بالحقوق الدستورية وحقّ المواطنة للمجتمع الكردي، فضلاً عن احتكاره للسلطة، وبالتالي انتهاك المادة الأولى التي تقول بضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناءً على الكفاءة وبغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية. كما وشهدت الفترة التي تلت التوقيع بين الشرع والجنرال مظلوم عبدي على الاتفاق، سلسلة من الانتهاكات لأغلب بنود الاتفاق، وخاصة البند الثالث والذي أكد على وقف إطلاق النار في كافة الأراضي السورية، حيث نفّذت السلطة هجمات بحقّ المكون الدرزي في صحنايا وجرمانا بريف دمشق في نهاية شهر أبريل/نيسان، كما شنّت هجوماً كبيراً على السويداء في منتصف يوليو/ تموز، أسفر عن مقتل وجرح الآلاف من المدنيين الدروز.
على صعيد القضية الكردية في سوريا، لم تقدّم السلطة شيئاً لطمأنة المكون الكردي، بل على العكس رفضت مخرجات مؤتمر وحدة الصف الكردي الذي انعقد في القامشلي نهاية شهر أبريل/نيسان، وعدّته “خطراً على وحدة البلاد”، وهي لم تقبل حتى الآن استقبال وفد يمثل الجانب الكردي. وميدانياً لم يحدث أي تطوّر إيجابي فيما يتعلق بإعادة دور وأملاك وبساتين المواطنين الكرد في كل من عفرين و سري كانيه/ رأس العين وتل أبيض إليهم، ولا تزال المجموعات المسلحة التابعة لما يسمّى بـ “الجيش الوطني السوري”، الذي يُعتبر رسمياً جزءاً من الجيش السوري، موجودة في تلك المناطق، ويسيطر عناصرها على أملاك المواطنين الكرد. كما يتعرّض حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب إلى حصار ومضايقات، وتطلق قوات النظام المسيّرات فوق الحيين بهدف ترهيب المواطنين.
كذلك تلجأ هذه المجموعات إلى قطع الطرق وخطف المواطنين الكرد على الهوية، ومن ثم طلب فدية مالية كبيرة مقابل إطلاق سراحهم. كما وتضيّق السلطة نفسها على المواطنين الكرد في المدن السورية الداخلية الكبيرة مثل حلب ودمشق، وغالباً ما تكون التهمة “الموالاة لقوات سوريا الديمقراطية”!
ولم تكتفِ السلطة بتغليب لغة القوة واللجوء إلى العمل العسكري بحقّ العديد من مكونات الشعب السوري، وهو ما عنى رهانها على الحلّ العسكري بدلاً من الحوار والتفاوض والتسويات السياسية، بل استخدمت لغة تحريضية وعدوانية في وسائل إعلامها، مكيلة شتى أنواع التهم بحقّ شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية. لقد فتحت السلطة منابرها الإعلامية أمام الأصوات المحرّضة، من تلك التي تطالب بالحرب الأهلية والعمل العسكري ضد شمال وشرق سوريا، وتمضي في تأليب المكونات ضد بعضها البعض، مما خلق جواً مسموماً، غابت فيه لغة العقل والتهدئة والمصالحة ودعوات الحوار والتفاوض وخفض التصعيد، وخفتت الأصوات التي تدعو إلى التوافق الوطني وإجراء المزيد من اللقاءات الثنائية، سواء في شمال وشرق سوريا أو في العاصمة دمشق.
يتبيّن من تصريحات الشرع لصحيفة “ملييت” التركية رفضه لكل صيغ اللامركزية والزعم بأنها ستؤدي إلى الانفصال، وأن الشعب السوري يرفضها. وهذا يعني إصراره وسلطته على نظام شديد المركزية في سوريا ورفض المشاركة السياسية والتوافق الوطني، وبالتالي بناء دولة شمولية يحكمها فصيل معلوم الهوية والتوجّه الأيديولوجي، ويكون هو على رأسها. كذلك واضح رهانه على تركيا وتبني سرديتها في أن “أجنحة” داخل قوات سوريا الديمقراطية ترفض تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار. كذلك يذهب إلى أن اللامركزية و”وضع شمال وشرق سوريا” يمثّل خطراً على الأمن القومي لكل من تركيا والعراق، وربما لا يعلم بأن العراق كدولة قبل بالصيغة الفيدرالية لإقليم كردستان، وأن ذلك مثبت في الدستور العراقي. كذلك يغيّب الشرع عمداً، وربما لا يدرك أصلاً، واقع عملية السلام في تركيا بين حزب العمال الكردستاني، ممثّلاً عن الشعب الكردي، والدولة التركية، وتأسيس لجنة برلمانية من كل الكتل تحمل اسم “لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية”، اجتمعت حتى الآن لأكثر من عشر مرات للحديث عن التغييرات والإصلاحات الدستورية والقانونية لحلّ القضية الكردية في تركيا، التي اعترف رئيس البرلمان التركي بأن قمعها بشكل عسكري وأمني كلّف الدولة 2 ترليون دولار!
والحال أن الشرع لا يملك أي تصوّرات سياسية ولا أي أساس وطني لتنفيذ بنود اتفاقية 10 مارس/آذار، ولا يريد القبول بوجود أي مكون أو قوة سياسية سورية، ولا يقبل باللامركزية، لذلك فهو ونظامه غير مؤهّلين أبداً كشركاء في إنجاح أي عملية مصالحة سورية داخلية. إنه يعتبر ملف شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية والمكون الكردي السوري “ملفات أمنية” ويريد إيكال أمرها لتركيا. وتركيا ترفض أي صيغة حلّ تكون على أساس اللامركزية والتوافق الوطني والمشاركة السياسية، لأنها تريد دولة مركزية يحتكرها ويحكمها حلفاؤها في الفصيل العسكري، الذي تقول أنقرة بأنها هي من كانت صاحبة الفضل في إيصاله إلى سدة الحكم في دمشق. الشرع يرفض الجانب السياسي من الاتفاق ويريد طرحه كاتفاق أمني وهو لذلك يحتاج إلى الاستقواء بتركيا وجيشها. لديه مقاربة قديمة وهي أن تركيا عدوة للكرد، ولذا سوف تكون بجانبه وهو يتصلّب ضد الكرد وضد شمال شرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، ولا يمانع أن يقدم سلطته كأداة وظيفية لخدمة تركيا المعادية للكرد!
ولا يمكن إغفال زيارة الشرع لأميركا وتصريحاته التي قال فيها بأنه مستعد لتوقيع اتفاق مع إسرائيل، والتي يعتقد بأنها تزيده قوة، وتصرف حلفاء قوات سوريا الديمقراطية عن دعمها، وهي مقاربة شبيهة بتلك التي تبنّاها خلال لقائه بمسؤولين إسرائيليين في باكو الأذربيجانية، وظنّ أن اللقاء “ضوء أخضر” للهجوم على السويداء وارتكاب المجازر بحقّ المدنيين الدروز (عاد الشرع ووصف هجمات قواته على السويداء بالفخ المدبر). كذلك يغيب عن بال الشرع وسلطته قوة قوات سوريا الديمقراطية وقدراتها العسكرية وخبرتها الميدانية، وفي المقابل تراجع زخم “فزعات العشائر” و”النفير العام” بعد درس السويداء، التي رضخت السلطة لمطالب أهلها في اللامركزية بعد الاتفاق الأخير (ذو الصبغة الدولية) الذي ضم بالإضافة إلى السلطة المؤقتة، كلاً من الأردن والولايات المتحدة الأميركية.
لا يغيب عن السلطة بأن أي مواجهة عسكرية شاملة مع قوات سوريا الديمقراطية ستختلف عن المواجهة التي خاضتها مع بضعة آلاف من المقاتلين الدروز في السويداء الذين كانوا مسلّحين تسليحاً خفيفاً. هي تُدرك حتماً أن أي مواجهة من هذا القبيل تُنذر بخسائر كبيرة واستنزافٍ عسكريٍّ، وربما تدخّل خارجي، وتدويل الملف وتحويل اتفاقية 10 مارس/آذار إلى “حالة دولية” شبيهة بحالة السويداء، عبر دخول ضامنين جدد على الخط، يحدّون من دور السلطة الانتقالية كأحد طرفي الاتفاق.





