• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

سوريا.. موت السياسة في «دمشق»

22 سبتمبر 2025
سوريا.. موت السياسة في «دمشق»

جانب من مسيرة داعمة للإدارة الذاتية في القامشلي | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

 فرهاد حمي

السؤال الذي يتردّد بين السوريين اليوم: من يجرؤ أن يمارس السياسة في منطقة سيطرة حكومة دمشق؟ الجواب واضح: وحده من يقدّم الولاء والطاعة المطلقة لسلطة الأصولية الدينية يمكنه النجاة. هكذا تُختزل السياسة إلى نفي ذاتها: لا نقاش ولا تنظيم ولا تجمع، بل طاعة عارية تُقدَّم كشرط للبقاء. في سوريا، غياب الدولة وخراب المجتمع لا يفتحان مجالاً للحرية، بل يعيدان إنتاج السلطة في شكلها الأشد بدائية: سلطة المقدّس وقد تماهت مع العنف العاري.

السياسة، في معناها الأعمق كما تقترح حنّا أرندت، ليست مجرد إدارة سلطوية ولا حسابات قوة، بل هي فعل الحضور في الفضاء العام، فعل التعبير عن الذات والقدرة على البدء من جديد. الإنسان الحديث ليس «الحيوان الاقتصادوي» كما قرأه ماركس فحسب، بل هو قبل كل شيء كائن سياسي، أي كائن لا تتحقق إنسانيته إلا عبر مشاركته في صناعة العالم المشترك. وحين يُجرَّد الإنسان من هذه القدرة، لا يعود مواطناً، بل ينحدر إلى «مجرد حياة عارية» – بيولوجيا بلا كرامة، جسداً بلا صوت.

البلد المسمّى «سوريا» لا يعيش مجرد حرب أهلية متواصلة، ولا إعادة تدوير لاستبداد كلاسيكي فحسب؛ إنه «مختبر كوني لليأس»، حيث السياسة لا تحتضر فقط بل تُدفن، ومع ذلك تعود لتعمل في أقصى أشكالها كثافة. ما نشهده ليس مجتمع مواطنين يتحاورون، بل أجساد تُدار وتُحصى وتُراقَب، وحدات بيولوجية محصورة في معادلة الطاعة. المفارقة الصارخة هنا أن غياب السياسة ليس نقيضها، بل هو ذروة حضورها: إنكار السياسة يتحوّل إلى السياسة المحضة، أي تفاهة السياسة على غرار تفاهة الشر كما وصفتها أرندت.

ليست فاشية، بل شمولية

في هذا الأفق، يصبح من المفهوم أن يطلّ الدين في هيئة المحتكر الوحيد للتحشيد الجماعي والتضحية. كما يوضح الناقد الثقافي، بوريس بودين، فالدين اليوم ليس مجرد بديل عن السياسة، بل هو التعبير العاري عن المجتمع ما بعد السياسي، ما بعد العلماني، وربما، في الحالة السورية، ما بعد حتى الأخلاقيات والعادات اليومية البسيطة. لحظة انهيار الروابط التقليدية والآليات العلمانية لم تُفرغ الفضاء العام، بل ملأته بنسخة دينية أصولية من السياسة. الأصولية هنا ليست توظيفاً سياسياً للدين؛ الأصولية هي السياسة وقد عادت، متجسدة في الدين ذاته.

سوريا تكشف أن ما يبدو نهايةً للسياسة وفرضاً للالتزام الجماعي الديني السنّي هو، في جوهره، أقصى تمظهر لها كقوة نفي شاملة، حيث يُفرض نسيج واحد على المجتمع يصادر كل إمكانية للتعددية العلمانية. هنا نستحضر ما وصفته أرندت بـ «الشمولية»: سلطة لا تكتفي بالهيمنة على مؤسسات الدولة، بل تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، لتسيطر على المصير الفردي والشأن الخاص في كل مفصل. لكنها في الحالة السورية لا تحطم فقط الفوارق الطبقية لصالح إيديولوجية قومية أحادية، بل تسحق التعددية المجتمعية والثقافية برمّتها لصالح فكرة «الأمة الإسلامية السنيّة المخترعة». وهذا ما يميّزها عن الفاشية، التي تبقى، رغم عنفها، محصورة في حدود سيطرة الدولة، بينما الشمولية تبتلع الدولة والمجتمع معاً.

السمة المهيمنة على المشهد السوري، بعد انهيار الطغيان الأسدي وصعود النسخة الجهادية كسلطة بديلة، هي غياب العقد الاجتماعي الدنيوي بالكامل. إدراج الشريعة كمرجعية وحيدة في الدستور المؤقت يعني إعادة الحكم إلى دائرة المقدّس وشطب العقد الاجتماعي من جذوره. السوري، المحروم من السياسة منذ ولادة الدولة القومية المصطنعة، محشور في حظيرة الصمت، حيث لا يُسمح له بالتعبير السياسي، بل فقط بـ «حساسية البقاء»؛ فهي اللحظة الهيغلية التي تؤسس لعلاقة العبد بالسيد، حيث الخوف من الموت لا يولد الحرية، بل الخضوع الشامل.

بهذا تتحوّل سوريا إلى نموذج شمولي صارخ: سلطة لا تكتفي بالهيمنة، بل تصادر السياسة من جذورها. فعلى ألسنة الإسلاموية الشمولية في دمشق، تتكرر مقولة لويس الرابع عشر الشهيرة: «أنا الدولة المطلقة»، ملحقةً بوسم البشر بين العدو والصديق، ومستندةً إلى هوس بالعدو الداخلي يشمل الكرد والعلويين والدروز والليبراليين والإسلام المدني والنساء عموماً، وهو ما يفضي بالضرورة إلى سلسلة الإبادة والمجازر والعنف العشوائي والتغيير الديمغرافي.

لم يعد هذا مجرد أحداث عابرة، بل صار لغة السلطة ذاتها. الرسالة واضحة ومباشرة: إما القبول بالعبودية الطوعية، أو الإقصاء من الحياة ذاتها. وما يُقدَّم كخيار ليس سوى غياب كل خيار، حيث يتحوّل البقاء نفسه إلى أداة للإخضاع والتحكم المطلق، ليصبح معيار الحياة في سوريا تحت سلطة الشمولية.

السياسة لا تُمارس في الفراغ ولا تظل محصورة في الأفكار المثالية؛ ولا يمكن أن تُختزل في سلطة الخبراء أو عزلة البشر عن اتخاذ القرارات، حتى وإن كان هذا ما تقترحه مقولة «ما بعد السياسة» اليوم. السياسة تُمارس فقط في الفضاء العام المفتوح، من خلال التجمع واتخاذ القرارات الجماعية العقلانية.

لكن أمام طغيان النسخة الإسلاموية وتفتت قوى المجتمع الديمقراطي العلماني، لا سيما في القدرة على الحشد والفعل، انكمشت الذوات السورية، داخلياً وخارجياً. حتى ولو وُجد عزاء في العالم الافتراضي، سرعان ما يتحوّل هذا الفضاء من وعد بالتحرر والنقاش العام إلى مادة سامة تُغتال فيها الأصوات المخالفة، ويُشنّ فيها القتل المعنوي عبر الذباب الإلكتروني وأبواق السلطة الجديدة في دمشق. النتيجة: السياسة لم تعد ممكنة، بل صارت مستحيلة؛ وما تبقّى ليس سوى إدارة الأجساد وضبطها، لا مشاركة الذوات في صناعة مصيرها.

الغرب واغتيال السياسة

ما يجري مع النسخة الجهادية التي تزعم التحول إلى «إسلاموية مؤسساتية» ليس إلا سخرية سوداء: كل شيء فيها إلاّ المؤسساتية بالمعنى الحديث. عقلية الميليشيا الجهادية المتسيدة، وتنظر إلى الدولة كغنيمة إلهية بعد «فتح دمشق»، فتح لم يأتِ من وحي سماوي، بل من تسويات إقليمية ودولية تتقاطع فيها المصالح والرهانات. والمفارقة الأكبر أنّ الغرب، الذي لطالما تفاخر بقيمه التحررية، لم يعد مستعداً للقتال أو الموت من أجلها، ليترك الساحة كاملة أمام نسخة للسياسة بغياب السياسة، والحكم بغياب القانون.

والأدهى من ذلك، أن الغرب، وبالأخص الولايات المتحدة، التي رفعت لافتة «الحرب على الإرهاب» لمحاربة الإسلاموية الجهادية وكل أشكال الإسلام السياسي التي غذت هذا الوحش، وجد نفسه في النهاية مع مبعوثه السياسي في سوريا، توم براك، يقدم «القاعدة الجهادية السورية» كخيار معقول لإدارة شعب خرج في الأصل طلباً للكرامة والحرية المدنية. هنا تكمن الحقيقة المؤلمة: إن ما كان يفترض القضاء عليه، صار يقدم كأداة «واقعية» للحكم، هكذا مرة أخرى يتم اغتيال السياسة المدنية من جذورها، فيما يتحول العدو الجهادي إلى ذراع من أذرع الهيمنة الدولية.

وبذلك، تحوّلت النسخة الجهادية إلى أكثر من مجرد قوة أمر واقع؛ لقد تجاوزت حتى الأشكال التقليدية للإسلام السياسي في اغتيال السياسة ذاتها، وفي وضع التعدد السوري على حافة الإبادة، وكل ذلك باسم «المقدس». وبالنتيجة، سقطت تماماً أوهام «السلطة الانتقالية»، ومعها تبخرت أحلام قيام حياة سياسية في سوريا.

على سبيل المثال، لو أنّ قوة مؤثرة خارج السلطة الحالية دعت إلى مؤتمر وطني يشمل كامل الطيف الديمقراطي السوري، النتيجة شبه مؤكدة: حرب شاملة، وانفجار كل مخزون الدعاية السوداء المقيتة. اليوم، ما يُعرض على الطيف الديمقراطي السوري ليس التفاوض مع الشمولية الجهادية المتربعة على السلطة فحسب، بل الإذعان لإجهاض حقّنا في الأمل والتعدد السياسي والمجتمعي. إنه مشهد ينطبق عليه وصف سلافوي جيجك بـ« السياسة الفاقدة للحياء» حيث تتحول الدبلوماسية الغربية من توم باراك إلى المفوضية الأوروبية والأمم المتحدة إلى استعراض عارٍ من أي التزام أخلاقي في تعاملها مع الأزمات الوجودية.

الأدهى من ذلك أنّ المجتمع الدولي يروّج للسوريين خرافة جديدة: ضرورة التعاون مع هذه النسخة «الجهادية-الشمولية» في دمشق، على أمل أن يخفّ وهج تطرّفها بالاحتواء والترويض. الوفود العسكرية والأمنية والدبلوماسية تتدفق حاملة رسالة واحدة: التعاون مع السلطة القائمة ليس لإحياء السياسة، ولا للعمل في الاختلاف، ولا لإعادة بناء عقد اجتماعي يربط الدولة بالمجتمع، بل لشراء الوقت، وإبرام الصفقات الإقليمية والدولية، وضبط الفوضى تحت شعار «الاستقرار». بهذا المنطق، تُفتح أبواب الأمم المتحدة أمام النسخة الإسلاموية الشمولية، وليس الإسلام نفسه، كما يميّز المفكر السوري بسام طيبي.

المعسكر الغربي، خاصة بصيغته «الترامبية»، ومعه شظايا اليسار الليبرالي الغارق في هوس «الإسلاموفوبيا»، لا يبحث عن بدائل سياسية حقيقية. الفكرة السائدة لديهم هي أنّ الجهادي يمكن أن يتحوّل إلى إسلاموي «مؤسساتي»، يقبل شكلياً بفكرة الدولة، فيُستوعَب ضمن لعبة الواقعية الدولية القائمة على عقيدة وستفاليا: دول تعترف ببعضها، مهما كان مضمونها.

لكن، ما نراه في النصوص التأسيسية، مثل ديباجة الدستور المؤقت التي فرضت «الشرعية الإسلامية»، وما نراه من المجازر والانتهاكات، يفضح هذه الأكذوبة. هذه النسخة السورية من «الشمولية الجهادية – القوموية» لا يمكن ترويضها ولا تعديل سلوكها: فهي انهزامية بالكامل أمام الخارج، لكنها همجية ودموية مع الداخل.

قد تقبل هذه الجماعات بكل الطقوس الشكلية للتطبيع مع – إسرائيل أو الخليج أو تركيا أو روسيا أو الغرب – لكنّها لن تقبل أبداً بفكرة السياسة الحديثة: أي الحياة المشتركة التي تقوم على الفضاء العام، على القانون، على التعددية. بالعكس، ستقاوم كل ما له علاقة بممارسة السياسة، لأنها تدرك أن السياسة الحقيقية تعني نهاية احتكارها للعنف المقدس وبداية مساءلتها كجماعة.

عملياً، يخدم هذا المسار المشروع الإسرائيلي في ترسيخ فكرة «أمن إسرائيل الكبرى»، ويعزز أيضاً رهانات تركيا والخليج في إبقاء الإسلام السياسي السنّي، بكافة أشكاله الإقصائية، كقوة مهيمنة. النتيجة أن السياسة، بوصفها الفعل الذي يميّز الإنسان عن الحيوان كما تشير أرندت، تتحوّل إلى جريمة يتوجب اغتيالها قبل أن تولد. إن ما يُقدَّم كخطوة نحو الاستقرار ليس سوى إلغاء السياسة نفسها، أي إلغاء إمكانية أن يكون السوريون بشراً أحراراً في فضاء عام.

نعم للتشاؤم، ولكن…

على خلاف ما يتوهم بعض السوريين، في سذاجة أشبه بالتعزية الذاتية الجماعية، بأن المجتمع الدولي على وشك أن يراجع موقفه من النسخة الجهادية الحاكمة في دمشق، فإن هذا الرأي لا يعدو غالباً أن يكون وهماً جديداً. فالتفاؤل الحذر ومراقبة التصريحات الدولية ليس سوى تمرين على خداع النفس، بينما التشاؤم يبدو الوصفة الوحيدة الصالحة لفهم الواقع السوري.

يشعر السوريون اليوم بصدمة مضاعفة: فالوطن لم يعد سوى كتلة من الرماد، وفي الوقت نفسه جُرّدوا من أبسط حقّ إنساني، حقّ التعبير السياسي والتنظيم والتجمع. ما لم تكن جزءاً من «الرعاعية الجهادية السورية» التي نصّبت نفسها سلطة، فأنت تلقائياً ضحية محتملة في قلب العاصمة أو أي مدينة أخرى. تحت ضغط غريزة البقاء، يتحوّل معظم السوريين إلى جموع مبعثرة، مأسورة باليأس، بينما تُطلّ ظاهرة «الرعاع» من جديد: خليط هجين من طبقات محرومة ومهمشة، ونخب مُفرغة من معناها، تمارس القتل السياسي والاغتيال الرمزي لكل صوت ينشد القيم العمومية.

في هذا المشهد، أي مقاومة حقيقية تبدو مشروطة بوجود سند دولي أو إقليمي، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً، باستثناء حالات نادرة مثل السويداء بعد المجازر الاستعراضية، أو حماية جزئية يوفرها التحالف الدولي في مناطق الإدارة الذاتية بشمال شرق سوريا. لكن حتى هذه الأمثلة ليست ضمانة على المدى المتوسط أو البعيد؛ فهي أشبه بمظلات مثقوبة تمنح وهماً بالأمان. وما عداها، فالخيار الوحيد أمام السوريين هو الوقوع في دائرة الرعب: قتل، اغتصاب، اعتقال، خطف. لتدور عجلة النسخة السورية الفريدة بابتذالتها، حيث السياسة تُغتال قبل أن تُولد، ويُختزل الإنسان إلى مجرد كائن بيولوجي يكافح من أجل البقاء.

لكنّ اليأس لا يعني بالضرورة الاستسلام؛ فاليأس كمحفز للفعل خارج المنطق السائد يعني إدراك أن النظام أو الوضع الراهن مستحيل تغييره وفق القواعد التقليدية، ما يستوجب التفكير في طرق غير تقليدية للمقاومة. أي أنّ الفعل المقاوم لا ينبع من التفاؤل، بل من اليأس الذي يكشف حدود الممكن ويحوّل الخوف والاستسلام إلى طاقة للتمرد. وهذا بالضبط ما يفرض العودة إلى « نقطة الصفر»، وهو ما يعني تغيّر منظورنا كلياً إلى هذا الواقع، وهكذا يتحول اليأس إلى محرك للبحث عن ما بعد هذا الواقع الميؤوس منه.

مؤخراً، برزت أصوات سورية كرّست حياتها لفكرة الوحدة التجانسية بصيغة الدولة – الأمة، رافضةً فلسفة الاختلاف نتيحة مخلفات إيديولوجية متكلسة، أي رافضة للاعتراف القانوني والثقافي بالتعدد السوري. اليوم، في مواجهة الشمولية الإسلاموية المدعومة دولياً وإقليمياً، بدأت تلك الأصوات تتناول مفاهيم اللامركزية، والفيدراليات، والجيوب المحمية، وحتى الاستقلال تحت مظلة الحماية الدولية. وهذا لا يمثل نزعة انفصالية، بل خياراً أخيراً للدفاع عن ما تبقى من البشر.

غير أنّ هذه الدعوات، مهما كانت منطقية أخلاقياً، تبقى مجرد كلمات إن لم تصحبها مقاومة متعددة المستويات: الدفاع الجماعي عن الذات، ممارسة السياسية، التحريض والتعبئة، واستخدام سردية «المقدس التحرري» في مواجهة «المقدس الشمولي السلطوي». بالمختصر، الفعل المقاوم يتطلب ممارسة كل أشكال البراغماتية اللامبدئية، بحيث تبقى الأهداف الأساسية، الحق في الحياة، والأمل، والتعددية – حيّة، مستغلة كل ما هو ممكن لتحقيقها والدفاع عنها.

لا تزال بعض المناطق في سوريا، مثل شمال شرق البلاد والسويداء، تصون ذاتها وتجرب نماذج بديلة، محاولة الحفاظ على فسحة من الحياة والحرية في وسط الفوضى. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في بقاء هذه المناطق معزولة، بل في ربط هذه الشبكات المتناثرة بالإمكانيات الفعلية على الأرض، بدل الاكتفاء بهياكل معزولة في المنفى، التي تصبح مجرد مرايا فارغة لما كان يمكن أن يكون مشروعاً حياً للمقاومة والسياسة المستقلة.

إذا كان للحياة السورية المشتركة أي معنى اليوم، فهو يكمن في ابتكار أشكال جديدة للوجود السياسي، تحقيقاً لما وصفه ميشيل فوكو: «الدفاع عن المجتمع». ويمكن أنّ ينجز عبر إدارات ذاتية، وهياكل متجددة تخترق الواقع وتحمي نفسها في الوقت نفسه. ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلاّ بالتخلي عن سياسة المساومات الرخيصة والانتهازية المفرطة، واستبدالها بجسارة راديكالية علمانية، والتصاق حقيقي بالناس، بما يشبه براغماتية لينين، وشجاعة المثقف العضوي عند غرامشي.

الأهم ربما، أنّ تتحرر نخب السلطة من لوثة الفوقية والعنصرية، وتلتزم بالقيم العمومية التي تتطلب التضحية والمخاطرة بالحياة والجسد، متحررةً من النزعة الليبرالية التي تجعل التفاصيل الصغيرة محور الاهتمام، وفق ما يصفه فوكو بـ «لذة الحياة الصغيرة». هذه الأدوات، في شكلها الحالي، تعطّل بدلاً من أن تمكّن، وتبعد  عن تعزيز الحرية المدنية وبناء حياة مشتركة حول القضايا العامة، لا سيما في مواجهة الواقع القمعي والتفكك الاجتماعي.

لعل وحدها القدرة على تحويل المقاومة والسياسة إلى فكرة نابضة ومتجذّرة، قادرةٌ على إحداث «اختراقات جراحية» في غرغرينا سوريا. التناقض اليوم صار جليّاً: المجتمع بكل تنوعه في مواجهة الشمولية الإسلاموية. لم يعد الأمر مجرد إصلاح أو تسوية، بل عمليات جراحية مباشرة تعيد فتح مساحات للفعل السياسي قبل أن يُدفن نهائياً. باختصار، ما نحتاجه اليوم ليس خطةً أو استراتيجية تقليدية، بل المعجزة ذاتها.

Tags: أبو محمد الجولانيأزمة الحكم في سورياحنة أرندت




آخر المنشورات

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية