د.طارق حمو
الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، أشار في حديث للصحفيين أن الاتفاق الأمني مع إسرائيل “ضرورة”، وأنه سيكون “مقدمة لإبرام اتفاقيات أخرى”. وفي الأثناء أبرمت الحكومة المؤقتة، ممثَّلة بوزير الخارجية أسعد الشيباني، مع كل من الأردن (وزير الخارجية أيمن الصفدي) والولايات المتحدة الأميركية (السفير توم باراك)، اتفاقاً سمّي بـ “خارطة طريق” نظّر له باراك في تغريدة نشرها عبر حسابه على منصة “إكس”، بوصفه “لم يرسم مساراً للتعافي فحسب، بل مساراً يمكن للأجيال القادمة من السوريين أن تسلكه وهم يبنون وطناً يتمتع بالمساواة في الحقوق والواجبات للجميع”!
وبغض النظر عن خوض الحكومة المؤقتة مع جهات أجنبية في شأن سوري داخلي ووضع “حلول جذرية” قد تكون “مساراً للأجيال القادمة” على ما ذهب إليه باراك، فإنه لا يمكن الصمت على الإقصاء المتعمّد لأهل السويداء وممثليهم الإداريّين والعسكريّين، وعدم إشراكهم في اللقاء الذي وضع “خارطة الطريق” هذه، ويعني ذلك أن المشكلة لم تحلّ، طالما لم تأخذ السلطة إرادة السويداء في الحسبان، وقرّرت القفز كعادتها على التوافق الوطني والمشاركة السياسية مع القوى والفواعل المحلية، لتحاور الخارج وتضع كل المفاتيح في يده، وتتفق معه حول ملفات داخلية سيادية. وكتحصيل حاصل، أشار وزير الخارجية الأردني إلى أن الخارطة تضمن “أمن اسرائيل” أيضاً!
وفي داخل هذا المشهد، حيث الحراك السياسي المحموم في دمشق، والحديث عن “اتفاق أمني” مع إسرائيل، و”خارطة طريق” تخصّ السويداء، سارعت أنقرة التي لا تقبل إلا أن تكون في قلب الحدث وصاحبة النصيب الأكبر في “الكعكة السورية”، إلى إرسال إبراهيم كالين رئيس المخابرات إلى دمشق للقاء الشرع، والحديث معه حول “التطورات الإقليمية ومكافحة تنظيم داعش وملف اللاجئين”، على ما نقلت مصادر إعلامية تركية. وكان كالين قد زار العاصمة السورية في شهر مايو/أيار الماضي، وخاض مع السلطة موضوع اتفاق 10 مارس/آذار بين قوات سوريا الديموقراطية والسلطة المؤقتة. وتضغط أنقرة باتجاه فرض إرادتها لثني دمشق عن الاعتراف بصيغة اللامركزية لمناطق شمال وشرق سوريا، أو القبول بإدماج قوات سوريا الديموقراطية كهيكلية موحدة مستقلة داخل الجيش السوري الجديد. كذلك تريد أنقرة فرض إرادتها فيما يخصّ طبيعة “الاتفاق الأمني” القادم مع إسرائيل، وضمان ألا يحدث سلام وتطبيع من وراء ظهرها. تريد تركيا نظاماً لا يخرج عن سيطرتها، و”المقرر” الذي وضعته هي بنفسها، دون أن يقع تحت تأثير هذا الطرف أو في غواية ذاك، نظاماً يعي حجمه وحجم تركيا، ويلتزم بالخطوط الحمراء المرسومة من قبل الباب العالي.
والحال أن سلطة “هيئة تحرير الشام” تعي حجم الصراع الدائر على سوريا، ومدى قوة وتأثير الفواعل الإقليمية، وخاصة إسرائيل التي وضعت خطوطها الحمراء منذ الساعات الأولى على وصول “الهيئة” وحلفائها إلى العاصمة دمشق، فدمّرت السلاح السوري الثقيل، وتمدّدت في الجنوب عسكرياً واستخباراتياً، ووضعت لتركيا حدوداً للنفوذ والتواجد العسكري، عبر تدمير ونسف قواعد ومواقع كانت أنقرة قد بدأت في تأهيلها وتطويرها. ومن هنا ترغب سلطة “هيئة تحرير الشام”، التي تفهم جيداً فقه الحرب وما تعنيه مبادئ وقواعد مثل “الصبر والتربص” و”حظر العدوان” و”التمكين”، في تهدئة الأمور، والانحناء للعاصفة، والنجاة بنفسها من صراع الأقوياء وكسر الإرادات الحاصل بينهم على أرض الشام. ثمّة قبول واضح بالدور الأجنبي، وهناك تفريط في السيادة الوطنية وتنازل عن مناطق سورية لصالح كل من تركيا وإسرائيل، وكل ذلك بهدف بقاء الفصيل الحاكم في السلطة. الهدف أن تتحول هذه “الوظيفية” وهذا “التخادم” لدى الآخر إلى نوع من “الخدمات المقابلة”، وإلى عامل لتثبيت السلطة في الحكم، وبالتالي صرف النظر عن كل المجازر والانتهاكات التي ارتكبتها وترتكبها بحق الشعب السوري. هو فهم يستند إلى مصلحة فصائلية ضيقة، لا وطنية فيها. فهم يعتقد بأن المحاور الخارجية الداعمة هي الضمانة لإبقاء الفصيل حاكماً، دون الحاجة إلى عملية ديمقراطية أو توافق وطني أو مشاركة لقوى أخرى. بمعنى أن يتحول الفصيل/السلطة إلى أوليغارشية وظيفية تذعن للخارج، مقابل التصلّب حيال المطالب الداخلية، ودعوات الجماهير في الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
أحد أهم الأسباب التي تدفع السلطة إلى الارتهان للخارج، واللعب على كل الحبال، بالطريقة التي خبرناها طيلة الأشهر القليلة الماضية، يكمن في رغبتها في تشديد قبضتها على كل مفاصل البلاد، وعدم التفريط بالدولة (دولتها هي)، ويتجلى ذلك من خلال رفضها لصيغة اللامركزية والاعتراف بالتعددية والخصوصيات المجتمعية السورية، وامتناعها عن رفع الحظر عن القوى والأحزاب السياسية الوطنية. تريد السلطة تحقيق دولة تابعة مغلقة، تكون شديدة المركزية، يديرها كلّ من الوزير المعيَّن بالمحاصصة المزيفة والشيخ المرافق والمراقب له، وترتبط برأس الهرم وتدين له بالولاء التام. ثمّة نهم واضح لدى الفصيل في حكم البلاد حكماً مركزياً حديدياً، وقمع كل الإرادات المنبثقة عن الأطراف والمكونات، ولكي يتمّ له ذلك، ولكي ينجو من الارتكابات الفظيعة، فإنه مستعدٌ للتخلي عن الأرض والسيادة، وتوزيع البلاد على هذا المحور أو ذاك، وكلّ حسب قوته وبطشه، ومقدار إلحاقه الأذى!





