حسين جمو
لا يمكن اعتبار الغارة الإسرائيلية على قطر حدثاً على هامش هجوم حماس 7 أكتوبر على إسرائيل، ذلك أنه منذ هزيمة حزب الله ثم إيران، أصبح هجوم 7 أكتوبر «أطروحة إسرائيلية» في العلاقات الإقليمية، وهي أطروحة «تجريبية»، بمعنى أنها لا تخضع لقواعد سابقة يمكن أن تساعد في التنبؤ أو بوضع حدود للفعل الإسرائيلي. ورغم أن الهجوم على إيران كان ضمن الأجندة المعلنة لإسرائيل منذ سنوات، فإن الغارة على قطر تنتمي إلى «اللامعقول السياسي» وفق القواعد الدبلوماسية والأمنية في الشرق الأوسط.
بعد الضربة على مقر انعقاد اجتماع لقيادات حركة حماس، أعلن السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر أن «إسرائيل إذا لم تنجح في قتل قادة حماس هذه المرة، فستنجح في المرة المقبلة»، وبما أن «اللامعقول السابق» دُفن تحت ثقل أطروحة إسرائيل الجديدة (أطروحة 7 أكتوبر)، فإن هذا التصريح، بمباشرته وقسوته، يتجاوز منطق «الردع» التقليدي، ليكرّس عقيدة «كل شيء أو لا شيء» التي باتت تحكم سلوك إسرائيل في الحرب الراهنة، وكررها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد ضربة الدوحة مباشرة: «إما كل شيء أو لا شيء». و«كل شيء» تعني من وجهة نظر إسرائيل حل المسألة مرة واحدة، بإطلاق كل الرهائن دفعة واحدة، وعدم السماح بإغراقها في التفاصيل.
يواجه منطق «كل شيء أو لا شيء» ثلاثة اختبارات قريبة:
- أولها اختبار الزمن الدبلوماسي، أي قدرة إسرائيل على تحمّل موجات الضغط إلى أن «تتخطّاها» المنظومات البيروقراطية كما يفترض لايتر.
- وثانيها اختبار الاتساع العملياتي، أي المحافظة على وتيرة ضربات لاحقة من دون انكشاف أمني أو مفاجآت معاكسة على جبهات متعددة.
- وثالثها اختبار الترجمة السياسية، أي تحويل الحسم العسكري إلى ترتيبات «اليوم التالي» من دون حماس، مع ضبط كلفة الإدارة والشرعية والاحتواء.
قوة عظمى إقليمية؟
هل تستطيع إسرائيل تثبيت دور «القوة العظمى الإقليمية» من دون أن تحفّز محوراً مضاداً يضم عواصم عربية نافذة وشركاء متضررين؟ «كل شيء أو لا شيء» سياسة إسرائيلية تنقلها من مرحلة القتال من أجل البقاء إلى الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط وتحولها إلى قوة عظمى إقليمية.
وقد يبدو لوهلة أن إسرائيل تعيش حالة تنمّر استراتيجية، رغم أن الفراغ الكبير الناشئ في المنطقة نتيجة دفع إسرائيل لإيران إلى ما وراء حدودها وحصرها في «إيران الصغرى».. مثل هذا الفراغ – إذا لم يُملأ بوضوح وحسم – سيكون بيئة لتشكل ما حذّر منه هنري كيسنجر في العام 2013 بشأن خطورة سيطرة «المساحات الفارغة» على الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط. وعليه، بالنسبة لإسرائيل، أو أي دولة أخرى في موقعها وشروط وجودها، فإن ما يجري نوع من أنواع الحرب على الفراغ، فراغ الهيمنة الإقليمية.
رفض السفير الإسرائيلي المذكور فرضية اعتذار أو تراجع بلاده أمام الانتقادات، مؤكداً أن «المنتقدين سيتخطون الأمر مع مرور الوقت، وإسرائيل تتغير نحو الأفضل». بهذا الخطاب، تضع تل أبيب نفسها في موقع من يسعى إلى الحسم الكامل لا إلى تسوية جزئية، حتى لو جاء ذلك على حساب توازنات دبلوماسية كانت تحيط تاريخياً بتحركاتها العسكرية.
توسيع نطاق المواجهة
وسّع نتنياهو نطاق المواجهة خارج غزة، ملاحقاً «الجبهات السبع التي تعمل على إبادة دولة إسرائيل» وفق تعبير نتنياهو ومسؤولي حكومته، فقتل معظم أركان حكومة الحوثي. كانت رسالة تل أبيب علنية منذ خروجها من دائرة غزة نحو جنوب لبنان وعملية «البيجر» وما بعدها. لكن يبدو أن قلة صدّقوا أن تل أبيب ستخوض في «اللامعقول»، فتحررت من الحركة ضمن ما يسمى «دول الطوق» ممثلة في مصر وسوريا والأردن ولبنان. لم تعد مقيدة بجغرافيا دول الطوق، بل تتحرك في الفضاء العربي كقوة عظمى ناشئة، تتحدى وتعيد رسم قواعد «الممنوع والمسموح» على مستوى الإقليم، بما في ذلك تركيا التي قد تجد نفسها في مواجهة إقليمية قد لا تكون مباشرة، وقد تتحول إلى الطرف الأضعف في مثل هذا السيناريو إذا تراجعت عن بنود «أوجلان – باهجلي».
يصر نتنياهو على فرض معادلة تفاوضية عنوانها «إما إطلاق جميع الرهائن دفعة واحدة واستسلام حماس، أو لا اتفاق إطلاقاً». هذه الصيغة تمثل الوجه التفاوضي لشعار «كل شيء أو لا شيء»، حيث لا مجال لحلول وسط، ولا مكان لاتفاقات مرحلية. إنها محاولة، من وجهة نظر إسرائيل، لاجتثاث الخطر من جذوره بدل إدارته أو احتوائه كما جرت العادة في العقود السابقة، وكنقد تاريخي هي محاولة لتصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكبه بن غوريون حين سمح ببقاء قسم من العرب في «الأرض التاريخية» لإسرائيل – والتعبير للكاتب اللبناني ربيع جميل.
عقيدة الحسم الشامل
قارن نتنياهو نفسه في جلسات مغلقة بزعيم يعيش «كابوس زوال إسرائيل الممكن» منذ 7 أكتوبر. ولذا، اندفع إلى تبني عقيدة تنفي إمكانية العودة إلى ما قبل الحرب: لا مفاوضات من موقع ضعف، ولا تسويات مؤقتة، بل حسم شامل يفتح الباب لمرحلة جديدة من التاريخ الإسرائيلي.
والواقع أن أكثر ما يثير الغرابة في القراءات المحلية الشرق أوسطية هو الإخفاق في قراءة الأطروحة الإسرائيلية خارج سياقات الناشطية التقليدية، من قبيل أن إسرائيل كسرت مجاديف الأخلاق والقانون الدولي والإنساني، مع العلم أن صراعات المنطقة لا تحمل أي جانب من الأخلاق، لدرجة أنه في يوم ما من العشرية السوداء السابقة لم تُجرّم أي مؤسسات دينية مذهبية رئيسية «سبي النساء والأطفال»، بدءاً من غزوة داعش لشنكال/ سنجار.
«كل شيء أو لا شيء» يحوّل إسرائيل من دولة تقاتل من أجل البقاء إلى قوة تفرض الهيمنة. ومع أن المخاطر المحيطة بهذا التحول كبيرة – من العزلة الدولية إلى احتمال تشكّل محور عربي – إقليمي مضاد – إلا أن صانعي القرار في تل أبيب يرون اللحظة «فرصة تاريخية» لا تتكرر.
يظهر السلوك الإسرائيلي ثقة بقدرة «التغيير بالقوة» على فرض هندسة إقليمية جديدة: اغتيال زعماء حزب الله وحماس والحوثي وضرب إيران ثم غارة على قطر، ولم ينتهِ الأمر عند قطر. لا يتعلق الأمر بالردع التكتيكي، وفق أطروحة «7 أكتوبر الإسرائيلية»، بل بتفكيك «بنى إنتاج التهديد» حيثما وجدت الآن ومستقبلاً.





