شورش خاني
تواجه سوريا واحدة من أعقد الإشكاليات السياسية في تاريخها الحديث، كيف يمكن إعادة بناء دولة أنهكتها الحروب وهي تضم جماعات متمايزة قومياً ودينياً؟ ويظهر هذا التحدي بوضوح في الخلاف القائم بين سلطة دمشق الانتقالية والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وقواتها العسكرية المتمثلة في «قوات سوريا الديمقراطية»، ففي حين تتمسك السلطة المركزية في دمشق بإدماج قوات «قسد» ضمن هياكل الجيش المركزي، تتمسك قوات «قسد» بخصوصيتها التنظيمية والتعددية التي تشكل جوهرها وسبب تشكلها.
هذه الإشكالية ليست مسألة إدارية أو عسكرية فحسب، بل تطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً عن معنى الاندماج: هل هو مشاركة تبادلية تحفظ الاختلاف؟ أم ذوبان قسري يبتلع التنوع تحت شعار الوحدة والسلام؟
بالعودة إلى مفهوم «الاندماج» (Integration) وجذوره الفلسفية، نرى أن الفلسفة السياسية عالجت هذا المفهوم من زوايا متعددة. ففي الفكر الكلاسيكي عند أرسطو يُعتبر الإنسان «حيواناً سياسياً» لا يكتمل وجوده إلا داخل المدينة، أي إن اندماجه في الجماعة شرط لتحقيق مواطنته وفاعليته في الحياة العامة. لكن هذا الاندماج عند أرسطو لا يعني محو خصوصيات الأفراد، بل اشتراكهم في الشأن العمومي كشرط للكمال الإنساني. أما عند جان جاك روسو، فيظهر المفهوم في صيغة «الإرادة العامة» التي طرحها في كتاب «العقد الاجتماعي»، حيث يتنازل الأفراد عن إراداتهم الخاصة لصالح إرادة جماعية تعبّر عن المصلحة المشتركة. غير أن هذا التصور، رغم نبل غايته المتمثلة في المساواة والتعاقد، فُسّر في تجارب لاحقة كذريعة لتبرير سلطة مركزية قد تذيب الأفراد والجماعات في كيان واحد باسم الوحدة.
في المقابل، تقدم المدرسة النقدية والمعاصرة تصوراً مغايراً؛ إذ يطرح يورغن هابرماس مفهوم الاندماج بوصفه ثمرة لـ«التواصل العقلاني» في الفضاء العمومي، حيث تُبنى الشرعية السياسية على التفاهم المتبادل لا على الإكراه. بينما يذهب مفكرو التعددية الثقافية مثل تشارلز تايلور إلى أن الاعتراف بالهويات المختلفة داخل الدولة شرط أساسي لحماية كرامة الأفراد والجماعات.
من خلال هذه المراجعة السريعة يبرز السؤال الحاسم: هل تريد السلطة الانتقالية في دمشق اندماجاً لقوات سوريا الديمقراطية أم استيعاباً يقضي على هويتها التنظيمية والثقافية؟
أفراد «قسد» ليسوا مجرد جنود، إنهم أبناء سوريا من خلفيات قومية وإثنيات وعقائد مختلفة، رجال ونساء يمثلون تنوع المجتمع السوري الذي طالما حاولت الأنظمة المركزية عبر سياساتها الإقصائية صهره في بوتقة المركزية الفظة. وعليه فإن إصرار دمشق على استيعاب «قسد» عبر آلية الاندماج الميكانيكي، رغم ما تعيشه البلاد من كوارث على المستوى الجغرافي والديمغرافي، يُعتبر مشكلة جوهرية. وهذا ما يقتضي تغييراً في بنية الدولة نفسها، تغييراً يتطلب الانفتاح السياسي والتغيير الدستوري والإصلاح القانوني. وبدون ذلك لا غير الممكن الحديث عن أي اندماج ديمقراطي، إذ إن المفهوم الأخير يعني أن تتغير الدولة ذاتها بقدر ما يتغير الطرف المنضم إليها.
إن أخطر ما في منطق السلطة المركزية الانتقالية أنها تفرض «سلاماً بلا خيول» تزرع بذور الانقسامات الجوهرية وتجرّد المجتمعات المتمايزة من حقها في الدفاع عن النفس. وإن استمرار هذه العقلية قد يؤدي إلى كوارث وإبادات جماعية كما حصل في السويداء والساحل السوري.
إن مقاربة مفهوم الاندماج وفق منطق السلطة الانتقالية تستلطف فكرة «الترويض» أكثر من فكرة «الشراكة»، فتتعامل مع «قسد» وكأنهم فرسان يجب نزع خيولهم قبل إدخالهم إلى فضاء الدولة السورية. وهذا ما يعكس عجز استيعاب هذه السلطة للتحولات السوسيو- ثقافية داخل المجتمع السوري بعد عام 2011.
أثبتت التجارب التاريخية أن الانتقال من منطق الاستيعاب القسري إلى الاندماج الدستوري هو الشرط الضروري لتجاوز التراجيديات السياسية. ففي جنوب أفريقيا لم يكن إنهاء نظام الفصل العنصري مجرد إلغاء قوانين التمييز، بل كان مشروعاً سياسياً عميقاً قاد إلى صياغة دستور جديد عام 1996، أقرّ بالمساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن العرق، وأسس لمبدأ «أمة الألوان المتعددة» التي تحتضن مختلف الهويات العرقية والثقافية. وفي إسبانيا، وبعد سقوط ديكتاتورية الجنرال فرانكو عام 1975، لم يقتصر التحول على الانتقال إلى الديمقراطية فحسب، بل تضمن أيضاً الاعتراف باللغات الإقليمية مثل الكاتالونية والباسكية والغاليثية ضمن دستور 1978، ومنح الأقاليم صلاحيات واسعة للحفاظ على هوياتها. أما في يوغسلافيا، فإن تجاهل شرط الاندماج الديمقراطي بعد وفاة تيتو عام 1980، والإبقاء على بنية مركزية متشددة، عجّل بانفجار التناقضات القومية واللغوية، ما قاد إلى سلسلة حروب أهلية دموية في تسعينيات القرن العشرين وانهيار الاتحاد اليوغسلافي.





