د. طارق حمو
ضمن العشوائية الحاصلة في عملية سوق “الحجج” للردّ على خصوم السلطة، من أولئك الرافضين لسطوة الدولة الدينية الناشئة وأساليب تمكين الفصيل الجهادي، المعلوم التاريخ والتفكير، تأتي تهمة “تحالف الأقليات” التي تطال مكونات من الشعب السوري، ترفض قواها الوطنية وكذلك طبيعة حياتها وعقلها الجمعي، ما يحصل في سوريا من ابتلاع “هيئة تحرير الشام” للدولة، وآثار تركة الأشهر الأخيرة من مجازر وانتهاكات فظيعة طالت كلاً من الساحل ودمشق والسويداء. من بين كل ذخيرة الاتهامات التي تطال خصوم ومناوئي السلطة، يبرز خطاب التخوين الجماعي لـ “تحالف الأقليات”، ومرات كثيرة بأقلام وأفواه “إعلاميين وساسة” من أبناء هذه “الأقليات” نفسها، من أدوات “المحاصصة” الرمزية المزيفة التي دأبت السلطة على اللجوء إليها منذ دخولها دمشق، والانشغال بهيكلة “دولة الفصيل” تلك.
رمي التهمة الكبيرة هذه على مكونات سورية لا يقوم فقط على جزئية معاداة “الأقليات” للتغيير الذي أطاح بنظام بشار الأسد، بوصف هذه “الأقليات” من “الفلول”، وإنها كانت مستفيدة من النظام السابق، بقدر ما يهدف إلى حشر هذه “الأقليات” في خانة العداء للأغلبية السنيّة، التي تسابق السلطة الزمن للسيطرة عليها، ومصادرة كل تمظهراتها الوطنية السياسية والفكرية، وبالتالي تكبيلها بـ “المتحور” السلفي الجهادي، وتوريطها في كل الآثام والانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها جماعات السلطة طيلة الأشهر الماضية.
تريد السلطة إحداث عملية خندقة هائلة، عبر حشر المكونات السورية، ممن تطلق عليها اسم “الأقليات”، في جهة معادية للدولة التي تنهمك في بنائها، والأكثرية السنيّة في خانة أخرى، هي خانة تحشيد وتثوير خلف سلطة “هيئة تحرير الشام” بوصفها هي من تمثّل الدولة والمركز هنا، وهي من نالت القبول الرسمي العربي والأميركي، بل وحتى القبول الإسرائيلي في أنها هي “الجهة السورية الرسمية” التي لا تمانع إسرائيل الجلوس معها وإبرام “اتفاق أمني” يضمن أمن الجولان وإبقاء محافظات الجنوب السوري منزوعة السيادة وخالية من الأسلحة الثقيلة!
وفي غمرة تأثيم “الأقليات” عبر الكلام عن تحالفها مع بعضها البعض، و”خيانتها” لدولة “هيئة تحرير الشام” من جهة اتصالها مع الخارج، وتثوير “الأكثرية” ضدها، تمضي السلطة (التي لم يعد أحد يذكر بأنها، وحسب الإعلان الدستوري إياه، انتقالية ومؤقتة، بل وبات التذكير بهذه الحقيقة، يُعدّ فعلاً رجيماً في الإعلام العربي الخادم لسياساتها وسرديتها)، في تشكيل البلد من كل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حسب ما تراه هي، مستبعدة كل القوى والأحزاب السياسية العريقة وآلاف النخب والكفاءات والكوادر، ممن قارعوا الديكتاتورية السابقة، وقضوا سنوات طويلة في السجون والمعتقلات، أو تم استبعادهم وعزلهم. ويطال الإقصاء النخب السورية من أبناء الأكثرية السنيّة، بغية الحيلولة دون تقدّمها الصفوف الأولى للقوى المعارضة لسياسة هذه السلطة، وإشهار “الكارت” الوطني في وجهها، وإظهار مخاطر الخطاب الطائفي الذي تمسك وتتمسك به في وجه كل السوريين الساعين لتحقيق دولة المواطنة والقانون والمؤسسات حسب الآليات الديمقراطية المعمول بها في العالم.
تريد سلطة “هيئة تحرير الشام” وحلفاؤها من فصائل “مؤتمر إعلان النصر”، من ذوي المرجعية السلفية الجهادية، والذين لا يحظون في الداخل السني السوري سوى بحضور معزول مجهري، مصادرة إرادة المكون السوري الأكبر، عبر اللجوء إلى توطيد الخطاب الطائفي اللاوطني الخطير. خطاب “الأنا” و”الآخر”. أي المضي قدماً في منهجية المواجهة المسلحة والحرب الأهلية، وبالاعتماد على الفواعل الإقليمية والدولية، والمزيد من القبول بالدور الوظيفي، حفاظاً على الحكم والسيطرة. تهدف السلطة من وراء سياسة تثوير وتحريض المكون السنّي العربي (تارة عبر “النفير العام” وطوراً عبر “فزعة العشائر”) إلى الهروب من حقيقة كونها هي لا غيرها، من “الأقلية” داخل المجتمع السوري عامة، وداخل المجتمع السوري السنّي خاصة، وبالتالي لا يحقّ لها أن تدّعي تمثيل الأغلبية في سوريا، ومصادرة البلاد ومستقبل أهلها بالاعتماد على سردية مزوّرة ومشوّهة تقوم على مصادرة الصوت السنّي السوري، وتجريم الأصوات السورية من أبناء المكونات الأخرى.
تمضي سلطة الأقلية السلفية الجهادية المتمثّلة في “هيئة تحرير الشام” وحلفائها من طيف الإسلام السياسي، في التشبّث بدورها الوظيفي التخادمي، لتثبيت حكمها عبر سلسلة من الإجراءات المهدّدة لوحدة أرض وشعب سوريا، من بينها الحفاظ على “الكوكتيل” المصالحي المدهش (الجهادي، البعثي، الطوراني!)، وإدارة الدولة بالحديد والنار، واستخدام العنف المفرط الذي أدى إلى انتهاكات ومجازر فظيعة في الساحل والداخل والسويداء بحقّ سوريين علويين ومسيحيين ودروز، كل ذنبهم أنهم مختلفون ومخالفون لعقيدة الهيئة وشركائها. تلك العقيدة الوافدة الغريبة عن تراث وتاريخ سوريا. برنامج الفصيل الأقلوي يقوم على إحداث المزيد من الشروخ والتصدعات بين مكونات الشعب السوري، وتحريضها ضد بعضها البعض، لظنّها بأنها ستنجح في جذب المكون السني حول نواتها الصغيرة المعزولة، وتخرج من الحرب الأهلية الطاحنة القادمة، “حرب الكل ضد الكل”، منتصرةً من خلال إعمال منطق الإجبار والقسر، لأنها هي القادرة على استخدام “الأغلبية” في حربها، التي تسميها، وستسميها، زوراً وبهتاناً بـ “حرب الدولة ضد الفلول والانفصاليين”، يعاونها في تحقيق ذلك الهدف المدمّر، الإعلام العربي (وخاصة الخليجي)، والذي تخندق مجدداً مع سلطة شمولية عنفية ضد شعب مقموع، بالضبط مثلما فعل أعوام الثمانينات حينما كان يناصر نظام صدام حسين مناصرةً عمياء في حربه ضد النظام الإيراني، متغاضياً عن كل ما فعله بالشعب العراقي من مذابح وجرائم، وكل ذلك بحجة دعم نظام “القائد الضرورة” في حربه، التي سوق لها صدام بمعية الإعلام العربي، على إنها معركة الدفاع عن “البوابة الشرقية للأمة العربية”!





