أجرى «المركز الكردي للدراسات» حوارًا مطوّلًا مع البروفيسور حميد بوز أرسلان، الباحث الكردي المتخصص في التاريخ والعلوم السياسية، تناول فيه أبعاد العملية السياسية الراهنة في تركيا، وما يرافقها من إشكاليات تتعلق باعتراف الدولة بالقضية الكردية و إنكارها في آن، إضافةً إلى انعكاسات ذلك على سوريا، ولا سيما روجآفا، ودور القوى الإقليمية والدولية في رسم المشهد المقبل. الحوار التالي يقدّم قراءة معمقة لمفترق الطرق الذي تقف عنده تركيا والمنطقة. وفيما يلي نص الحوار:
لنبدأ بتقييمك للعملية السياسية الحالية في تركيا، التي لا يمكننا أن نسمّيها عملية سلام بعد؟
لقد كُتب الكثير بالفعل عن هذا الأمر. ومن الواضح أنه قد تشكلت ديناميكية معينة. ومع ذلك، فإننا لا نعرف إلى أي مدى ستصل هذه الديناميكية. في الواقع نستطيع أن نرى أن هناك اعترافاً بالقضية الكردية وعدم اعتراف بها في آن واحد. أقول أن هناك اعترافاً، لأنه عندما تتخذ من حزب العمال الكردستاني محاوراً، وعندما تتخذ عبد الله أوجلان (زعيم حزب العمال الكردستاني) محاوراً، فإنك تقبل حتماً بطريقة أو بأخرى أن هذه القضية موجودة.
لقد كان هناك طريق مسدود على مدى السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، ومع هذا الطريق المسدود كان هناك أيضًا ضغط كبير جدًا ضد الكرد. لكن رغم هذه الضغوط فإن الحركة الكردية لم تختفِ، والمجتمع الكردي لم يتفكّك. لقد شهدنا ظاهرة الوعي القومي. وبسبب هذا يحدث أحد هذين الأمرين: إما أن يزداد الضغط إلى درجة أعلى بكثير، أو يتم البحث عن حلّ. ومع ذلك، كما قلت، فإن الاعتراف الفعلي ليس موجوداً بشكل كامل.
اسمحوا لي أن أكون أكثر وضوحًا. عندما تنظر إلى تصريحات كل من دولت بهجلي ورجب طيب أردوغان ترى ما يلي:
أولاً، لا يزال يتمّ النظر إلى هذه القضية على أنها قضية إرهاب. ولكن القضية الكردية بالتأكيد ليست قضية إرهاب. لقد نشأت الحركة الكردية كحركة مسلحة نتيجة لحالة معينة. إن القضية الكردية ظاهرة تشمل القرن العشرين بأكمله. إن قبول شرعية القضية الكردية أصبح على المحك. لأنه عندما تتحدث عن الإرهاب تختفي هذه الشرعية.
ثانياً، هناك ادّعاء بأن القضية الكردية تمثل الإمبريالية والتلاعب الإسرائيلي. وليس من الممكن قبول هذا أيضاً. لأن القضية الكردية ظاهرة كانت موجودة طيلة القرن العشرين كما قلت للتو. ومن المعلوم أن تقسيم كردستان كان نتاجاً لالتقاء مصالح تركيا والإمبريالية.
ثالثاً، وحدة الأمة، وحدة المسلمين. وهذه بالطبع ليست ظاهرة يمكن قبولها. ولهذا السبب أفكر أحيانًا في ظاهرة إسبانيا بين عامي 1975 و1978. في إسبانيا، في ذلك الوقت، حدثت عملية مزدوجة. أولاً، خلال هذه الفترة، تمّ الاعتراف بالديمقراطية كقضية مشروعة، والنظر إليها على أنها نظام شرعي، كما جرى تشكيل تحالف ديمقراطي. ثانياً، على الرغم من كل أوجه القصور، تم قبول المسألتين الباسكية والكتالونية كمسألتين مشروعتين.
إن الحديث عن الأمة يشبه إلى حد ما الحديث عن الوحدة المسيحية في إسبانيا. لكن القضية الوطنية ليست قضية أمة. علاوة على ذلك، ماذا سنفعل بالأرمن؟ الأرمن ليسوا جزءًا من الأمة. ولهذا السبب أعتقد أن الأخوة الديمقراطية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. ولكن لكي توجد أخوة ديمقراطية، يجب على تركيا نفسها أن تتحول إلى الديمقراطية، ويجب على المجتمع التركي أن يتحول إلى الديمقراطية. ولكن لسوء الحظ، فإننا نشهد هنا طريقًا مسدودًا خطيرًا.
ولهذا السبب كنت أتحدث عن ظاهرة الاعتراف وعدم الاعتراف في آن واحد. أو بعبارة أخرى، تشويه القضية الكردية، بطرق مختلفة، والتي لا يُنظر إليها حتى الآن على أنها قضية وطنية.
بالعودة إلى الوراء قليلاً، هل تعتقد أن نتائج الانتخابات العامة الأخيرة، والانتخابات الرئاسية، والانتخابات المحلية اللاحقة (2023 و2024) كان لها بعض التأثير في تشكيل سيناريو جديد اليوم؟
من الصعب أن نقول ذلك، لأننا لا نملك معرفة دقيقة بالخلفيات والقواعد التي تُدار من خلالها هذه العملية. نحن نتحدث عن عملية بدأت في أكتوبر 2024. لقد مرّ عام تقريبًا منذ ذلك الحين. ومع ذلك، وعلى الرغم مما يحدث، ما زلنا لا نملك معرفة بقواعدها وخلفياتها. سواء تحدثنا عن الخطوات التي اتخذها رئيس حزب الحركة القومي (MHP)، دولت بهجلي، ومقاومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لهذه العملية في البداية، ثم قبوله بها، بطريقة أو بأخرى، وتخفيف الضغط في كردستان، فإننا لا نملك المعرفة الكاملة بالخلفيات. وربما كانت الانتخابات ونتائجها عاملاً.
ولكن بالإضافة إلى ذلك، يتعيّن علينا أن نسأل أنفسنا: هل من الممكن لتركيا غير الديمقراطية أن تحلّ المسألة الكردية؟ إذ بينما تحدث هذه العملية، تتزايد الضغوط في تركيا في الوقت نفسه، وخاصة ضد حزب الشعب الجمهوري .(CHP) وليس هناك ما يشير أو يدل على أن هذه الضغوط ستنخفض. ومع ذلك، فمن المرجح أنه لم يكن كل شيء مرتبطًا بالانتخابات. قد تكون هناك بعض المشاريع التكتيكية، وبعض الحسابات التكتيكية. لكن ما يحدث على الأرجح هو ظاهرة تتجاوز الانتخابات ونتائجها.
بهذا الخصوص، كيف يمكنك تحديد “الحالة الصحية” لكل من حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة والتنمية؟
لنفترض هذا: على الأقل في حزب الشعب الجمهوري هناك تطور جزئي بالرغم من أنه غير كافٍ. لأنه إذا نظرت إلى تأسيس حزب الشعب الجمهوري، وإذا نظرت إلى تاريخ حزب الشعب الجمهوري، فإننا نواجه نظامًا مشابهًا لإيطاليا بفترة موسوليني. تأسس حزب الشعب الجمهوري على يد مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية. جاء حكم حزب الشعب الجمهوري بفترة إنكار القضية الكردية، وتم ارتكاب أعمال عنف فظيعة ضد الكرد. ولم يتمكن حزب الشعب الجمهوري من التعامل مع تاريخه في هذا الصدد. لكن من ناحية أخرى، فهو بطريقة أو بأخرى حزبٌ لم يعد يستطيع إنكار وجود القضية الكردية.
ولهذا السبب هناك بعض التطورات في حزب الشعب الجمهوري، وإن كانت غير كافية. يمكن أن تلعب عملية التحول الديمقراطي في حزب الشعب الجمهوري دورًا مهمًا للغاية في التحول الديمقراطي في تركيا. لكن حزب الشعب الجمهوري لم يصل بعد إلى هذه المرحلة.
أما بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فلا أعرف. أنا بالتأكيد لا أستطيع أن أقدم حتى أدنى تنبؤ بشأن مستقبله. لا أعتقد أن الكرد سوف ينهضون ويصوتون لحزب العدالة والتنمية. هناك أسباب مختلفة لذلك، أسباب تاريخية. وأيضاً هناك سوسيولوجية الناخبين الكرد.
على سبيل المثال، في كردستان هناك ظاهرة حزب الله (حزب الدعوة الحرة/هدى بار). يمكن أن يجمع هدى بار 100 ألف شخص في ديار بكر. لكن هدى بار لا يتجاوز أبدًا نسبة 0-2 في المئة على مستوى البلاد. ما أقوله هو أن جزءًا كبيرًا جدًا من المجتمع الكردي يتمتع بحسٍّ ديمقراطي وينحدر من تقليد يساري. وعلى المستوى الشخصي، لا أعتقد أن الكرد سيتحوّلون إلى حزب العدالة والتنمية، أو أن خطاب حزب العدالة والتنمية حول الأمة والشريعة الإسلامية سوف يحظى ببعض الجاذبية لدى معظم الكرد.
كيف ترى دور حزب الحركة القومية، وخاصة دور دولت بهجلي؟
اللغز الأكبر، الأحجية الكبرى، هو هذا. حتى الآن، كان حزب الحركة القومية هو الحزب الأكثر تطرفًا المناهض للكرد. لا أعلم مدى التقدم الذي تم تحقيقه على مستوى الخطاب. وكما قلت فإن القضية الكردية لم يتم قبولها بعد. ولكن ربما يمكننا أن نتحدث عن العقل الاستراتيجي؟ لا أعرف. لأن هذه العملية بدأت بطريقة ما على يد دولت بهجلي. وفي تصريحات دولت بهجلي، برز بشكل منهجي ما يلي: إسرائيل والإمبريالية.
لسان حال بهجلي يقول إنه إذا لم نتمكن من حلّ هذه القضية، فإن إسرائيل أو الإمبريالية ستحاول الاستثمار فيها بطريقة أو بأخرى. وعندما طرح بهجلي هذا الخطاب، لم تكن حرب لبنان قد بدأت بعد. ولم يكن نظام بشار الأسد قد سقط بعد. لكن هذه الظاهرة، أي ظاهرة الخوف، ظاهرة المؤامرة، الهدف الأخير لإسرائيل هو تركيا، وقول كل هذا، بطبيعة الحال، ربما ساهم بطريقة ما في الدفع باتجاه العملية الراهنة.
لقد أصبحت القضية الكردية محورية في الحياة السياسية في تركيا. إن الأحزاب التي تناقش هذه القضية، بطريقة ما، كما ذكرت، قديمة جداً من الناحية الهيكلية، لكنها بطريقة ما، بسبب تحديات القضية الكردية، تواصل الحفاظ على هيكلها الفعلي. إذا نجحت هذه العملية، فما هو المظهر الذي ستتخذه الحياة السياسية، وكيف تعتقد أن هذه الأحزاب يجب أن تتغير؟
الإجابة على هذا السؤال صعبة جدًا أيضًا لأن النظام نفسه قد استنفد. النظام فاسد تماماً. إن قدرة النظام على التكامل منخفضة للغاية. نرى هذا بطرق مختلفة. على سبيل المثال، القضية الاقتصادية. فمنذ عام 2018، نواجه أزمة مستمرة. قال أردوغان في عام 2019، “أعطوا السلطة لأخيكم، في إشارة لنفسه؛ سوف أحلّ هذه المشكلة خلال ثلاثة أشهر”. لكن في عام 2019، كان أردوغان في السلطة بالفعل وظل في السلطة لسنوات عديدة. أعتقد أن الأزمة الاقتصادية من عام 2019 إلى عام 2025 مستمرة بمستوى خطير للغاية.
دعونا نلقي نظرة على السياسة الخارجية. لقد واجهت تركيا أزمات مع إسرائيل وما زالت تعاني منها. لكن في الوقت نفسه، لم تكن هناك فترة خالية من الأزمات مع مصر أو الإمارات أو المملكة العربية السعودية أو الولايات المتحدة أو روسيا. وفي نهاية المطاف، كان على تركيا أن تتراجع. الحكومة نفسها منهكة للغاية.
نحن نواجه إدارة قديمة جدًا. فاثنان وعشرون عامًا هي فترة طويلة جدًا، ونرى علاماتها المختلفة وتوجد مؤشرات مختلفة. على سبيل المثال، يريد أردوغان أن تنجب كل امرأة ثلاثة أو خمسة أطفال. ويبلغ معدل الخصوبة في تركيا حاليا 1.5، وهو يسير نحو 1.3. وعليه، نرى أن هناك فجوات خطيرة للغاية بين المجتمع والإدارة.
ومن ناحية أخرى، يبدو أن الأحزاب اليسارية في تركيا، كما هو الحال في بقية أنحاء العالم، غير قادرة على إيجاد قضايا مشتركة لتتوحد وتلتف حولها.
هذه هي المشكلة الكلاسيكية لليسار في تركيا. كم عدد الأحزاب اليسارية الموجودة الآن؟ لا أعلم، ربما اثنا عشر، أو خمسة عشر. وتبلغ إمكاناتهم التصويتية حوالي 3–4 في المئة. إذا تمكنوا من الاتحاد وخلق ديناميكية جديدة، فربما يمكنهم زيادة تلك النسبة. ولتحقيق هذه الغاية، يتعين عليهم التحالف مع حزب الشعب الجمهوري. إنهم بحاجة إلى التحالف بشكل واضح مع الحركة الكردية. لكن أعتقد أن هذه الأحزاب اليسارية لم يعد لديها خطاب يتردد صداه كثيرًا في المجتمع.
يجب علينا أن نأخذ هذا في الاعتبار. على سبيل المثال، مثال إسبانيا مهم جدًا. ولكن في الوقت نفسه، ينبغي النظر في الأمر جنباً إلى جنب مع أمثلة اليونان والبرتغال في ذلك الوقت. وفي البلدان الثلاثة، حدث تغيير خطير للغاية في اليسار. لقد حدث تجديد كبير. أفكر على سبيل المثال في محاولة نيكوس بولانتزاس. كان لديه مشروع لتجديد الماركسية. نحن لا نرى أيًا من هذا في تركيا.
كيف تقيمون النداء التي أطلقه الزعيم الكردي عبد الله أوجلان في 27 فبراير 2025؟
كما قلت، ليس لدينا معرفة دقيقة بالخلفيات لتفسير هذه العملية بشكل صحيح، بما في ذلك هذا النداء. من الصعب جدًا علينا أن نرى ما يحدث خلف الكواليس، خلف الأبواب المغلقة. لكن ما هو واضح هو أن دعوة عبد الله أوجلان ليست دعوة للاستسلام. وفي تلك الدعوة، هناك حقيقة مفادها أن عصر الكفاح المسلح قد انتهى.
لقد حدث الكفاح المسلح في ظل ظروف القرن العشرين. علينا أن نتذكر السبعينيات. كانت السبعينيات فترة اعتُبر فيها العنف الثوري مشروعًا، واعتُبرت حرب العصابات مشروعة، واستمرت الحروب المناهضة للاستعمار. انتهت حرب فيتنام عام 1975 وكان يُنظر إليها على أنها مرجع في ذلك الوقت. وكانت الحركة الفلسطينية مهمة جداً في تلك الفترة. وكانت هناك صراعات مسلحة تجري أيضًا في الشرق الأوسط. في إيران، وفي لبنان، وغيرهما، لم تعد هذه الظروف موجودة.
ثانياً، لقد حدث تغيير خطير للغاية داخل المجتمع الكردي نفسه. في سبعينيات القرن العشرين، كان 75 في المئة من المجتمع الكردي ريفيًا. اليوم، أصبح عدد سكان الريف أقل من 20 في المئة. في سبعينيات القرن العشرين، لم تكن هناك طبقة متوسطة بين الكرد. اليوم، هناك عملية تشكيل الطبقة الوسطى. اليوم، هناك هوية كردية أقوى بكثير، في الأدب والسينما والمسرح. لذلك، من الصعب جدًا على المجتمع الكردي الاعتماد على المراجع القديمة.
هذه هي الحقيقة الأولى؛ نهاية الكفاح المسلح. ثانياً، أعتقد أن الحكومة لم تكن راضية جدًا عن فكرة ربط القضية الكردية بالديمقراطية. ويُنظر إلى القضية الكردية أيضًا باعتبارها أحد شروط التحول الديمقراطي في تركيا. وذكّر أوجلان بذلك. ثالثاً، أعتقد أن تركيا كانت لديها توقعات عالية جدًا. ولم يقل أوجلان شيئاً عن سوريا أو روجآفا. لأن هناك وعياً بأن الهدف النهائي لتركيا، رغم كل شيء، هو إما تدمير روجآفا أو الاستيلاء عليها بطريقة أو بأخرى.
لا يمكن مقارنة أي عملية سلام أو مفاوضات بعمليات أخرى. ومع ذلك، هناك بعض القضايا التي يتم تناولها في جميع العمليات. على سبيل المثال، في إيرلندا أو كولومبيا، رأينا أن إحدى القضايا الأكثر أهمية كانت السجناء السياسيين، والأخرى كانت عودة المتمردين إلى المجتمع. هل تعتقد أنه من السابق لأوانه معالجة هذه القضايا في العملية الحالية في تركيا؟
أعتقد أن الفرقَ مقارنةً بالعمليات الأخرى هو التالي: نحن لا نواجه حرب عصابات كلاسيكية، لأن حزب العمال الكردستاني لم يكن نشطاً في تركيا منذ 10 سنوات. إن القضية الكردية ليست قضية دولة واحدة فحسب، بل هي قضية شرق أوسطية. قلب كردستان ينبض حالياً في روجآفا، والجميع يعرف ذلك. لذا، أعتقد أنه من غير الممكن المقارنة مع العمليات الأخرى. وفي الواقع، في هذه المرحلة، لا يمكننا حتى أن نقول إننا في عملية سلام.
أعتقد أن القضية الأكثر أهمية الآن هي ضمان مستقبل روجآفا. وهذا يعني التأكد من قبول حالة روجآفا. وهذا يعني أيضًا الاعتراف بشرعية القضية الكردية في العراق وسوريا. وإذا تحدثنا عن هذا بالتفصيل، فهذا يعني أن القدرة على تجاوز الحدود – وأنا لا أقول إن الدول يجب أن تختفي – وفي الوقت نفسه الاعتراف بالكرد ككيان جماعي في الشرق الأوسط يجب أن يحدث. إذا حدث هذا، إلى جانب الاعتراف بوجود القضية الكردية في تركيا، فإن قضايا أخرى، في رأيي، سوف تتأتي تباعًا وتُناقش.
ما هو تقييمك للوضع في سوريا إذن؟
المسألة الأساسية هي كيف ستتطور روجآفا؟ هل ستواصل تركيا استراتيجيتها للقضاء على روجآفا؟ لأن هذه كانت على وجه التحديد استراتيجية تركيا خلال السنوات العشر الأخيرة. أم أن تركيا ستقبل ظاهرة روجآفا بطريقة أو بأخرى؟
روجآفا باعتبارها جزءًا من سوريا. هل ستكون جزءًا خاصًا؟ هل ستكون جزءًا ذي خصائص إقليمية؟ من الواضح أننا لا نعرف. أي كيف ستكون التطورات والمفاوضات بين دمشق وشمال شرق سوريا؟ يريد البعض في تركيا حالياً أن تقوم إدارة دمشق بمهاجمة روجآفا، وهذا يشكل خطراً كبيراً جداً على روجآفا.
وفي الوقت نفسه، يشكل خطرًا كبيرًا جدًا على تركيا. لأن تكلفة بدء حرب أهلية جديدة في سوريا ستكون مرتفعة جدًا. هناك بعض العوامل التي لم تكن موجودة قبل عشر سنوات. الولايات المتحدة في وضع نشط للغاية حاليًا. والعامل الإسرائيلي موجود.
إلى أي مدى سيكون ذلك؟ من غير المحتمل جدًا أن تكون هناك فيدرالية، ولكن ربما يكون هناك حكم ذاتي. ولكن أي نوع من الحكم الذاتي؟ نشأت روجآفا كمشروع كردي. لكن مناطق الإدارة الذاتية تتجاوز حالياً روجآفا لتصل إلى 30 في المئة من مساحة سوريا. ومدن مثل دير الزور والرقة وغيرها ليست مدنًا كردية. هل سيستمر الكرد بالبقاء هناك؟ تحت أي ظروف سيستمرون في البقاء؟ لذا، لا يمكننا الإجابة على كل هذه الأسئلة في الوقت الحاضر، لكن القضية الأكثر أهمية الآن هي ضمان استمرار روجآفا.
هل تعتقدون أن الاتفاقية المكونة من ثماني نقاط التي تم توقيعها مؤخراً بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي يمكن تنفيذها؟ أعني، هل يتم تنفيذها الآن؟
كل الظروف متوفرة لتنفيذ الاتفاقية. ومع ذلك، هناك بعض المشاكل، كما ذكرت من قبل. إحدى تلك المشاكل هي أنقرة. هل ستستخدم تركيا نفوذها لعرقلة الاتفاقية؟ ماذا ستكون الضغوط التركية؟ ثانياً، القضية السورية. هناك حالياً مشكلتان خطيرتان في سوريا:
أولاً، لا يحظى النظام السوري بدعم شعبي، ليس لديه سلطة تمثيلية، والشرع هو شخص مقبول من قبل 18 ميليشيا فقط. أنا لا أتحدث حتى عن الديمقراطية في سوريا؛ ومن أجل الوصول إلى هيكلية قانونية، هيكلية وطنية، لا بدّ من إنهاء الميليشيات. إن هيئة تحرير الشام نفسها ميليشيا ويعتمد الجيش المشكّل حديثاً على الميليشيات. هل يمكننا الخروج من عقلية الميليشيات هذه والدخول في عملية بناء الدولة؟
ثانياً، إن هيئة تحرير الشام، كما نعلم جميعاً، هي منظمة قادمة من تنظيم القاعدة. وحتى لو كان قادتها يرتدون ربطات عنق، فأنا لست متأكداً تماماً من أنهم قد تخلوا عن مشروع الإمارة الإسلامية أو الهيمنة السنية. وهذه الهيمنة السنية تعني أيضاً الهيمنة العربية. لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً بسبب القومية العربية. ولقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً بسبب الطائفية. والآن إذا كنت تعتقد العكس، فإن عامل الطائفة سوف يظهر بطريقة أو بأخرى. وقد أظهرت المجازر بحق الدروز والعلويين ذلك.
لذا، أعتقد أن عدم اليقين الأساسي يكمن في دمشق نفسها. كيف ستتطور حكومة دمشق، وكيف ستتطور تركيا؟ قال أحمد الشرع قبل بضعة أيام إن هناك اتفاقًا بين الولايات المتحدة وتركيا ودمشق وقوات سوريا الديمقراطية. لكن في الوقت نفسه، نرى أيضًا أن خطاب التهديد مستمر. تواصل الحكومة المؤقتة القول ”سنهاجم إذا استمر الوضع على هذا النحو“. خطاب التهديد لا يزال قائماً. لذا، فإن السؤال هو: كيف يمكن تغيير هذا الوضع؟ وكيف سيؤثر ذلك على استراتيجية الولايات المتحدة، وكيف سيؤثر على ردّ إسرائيل، لا نعرف ذلك بعد. الحقيقة هي أننا نمرّ بفترة صعبة.
هل تعتقد أن تركيا ستعيد تعريف تحالفاتها بمرور الوقت؟ من الواضح أنها تكافح من أجل تحقيق أهمية استراتيجية. هل تعتقد أنها تنجح في ذلك؟
لا أعتقد أن تركيا تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة. في قضية أوكرانيا، لا تملك تركيا أي مجال للمناورة. في القوقاز، تأثير تركيا آخذ في التناقص بالفعل. هناك معارضة قوية جدًا ضد تركيا في العراق. الحكومة السورية الحالية تعتمد إلى حدّ ما على تركيا، ولكنها في الوقت نفسه دولة لا تريد أن تفقد خصوصياتها.
علاقاتها مع إسرائيل سيئة للغاية. لقد حسنّت تركيا علاقاتها مع مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ولكن هذا ليس له تأثير حقيقي، أي أنه لا فائدة منه. على سبيل المثال، من الواضح جدًا أن مصر واليونان وقبرص حاليًا في تحالف مع إسرائيل. سواء من حيث البحر، أي المنطقة القارية والبحرية، أو من حيث خطوط النفط والطاقة. في كل هذه المجالات، لم نرَ تركيا تحقق نجاحًا كبيرًا. كانت تركيا تتوقع الحصول على مبلغ كبير من المال من الخليج، لكن حسب ما أرى، لم يحدث ذلك. لذلك، لا أعتقد أن تركيا في وضع استراتيجي مهم جدًا.
بالحديث عن إسرائيل. لا يبدو أن أحداً قادر على إيقاف ذلك.
بالطبع، إنها حالة سيئة للغاية، فعلاً سيئة للغاية. لا أعتقد أن هناك أي ضغط على إسرائيل. وإسرائيل كانت بالفعل ديمقراطية فاسدة. والآن من الصعب للغاية حتى الحديث عن الديمقراطية في إسرائيل. أي أن إسرائيل أصبحت من حيث طبيعة النظام، نظام حرب – دعونا لا نسميه حتى نظاماً عسكرياً. إنه نظام حرب. وقد تحولت إسرائيل إلى مجتمع حرب.
لا أعرف إلى متى سيستمر هذا الوضع. بالطبع، هذا يثير بعض الأسئلة الجادة في المجتمع الإسرائيلي، فضلاً عن نقاشات مهمة للغاية بين اليهود خارج إسرائيل. العديد من المثقفين اليهود يدينون إسرائيل علناً، لكنني لا أعتقد أن الكثير سيتغير. لا أعتقد أن الكثير سيتغير لأن هناك ظاهرة، ظاهرة اندماج نوعين من الصهيونية، صهيونية إسكاتولوجية وصهيونية تمثل القومية في القرن التاسع عشر. صهيونية داروينية اجتماعية، صهيونية عضوية. أدى اندماج هذين النوعين إلى وصول إسرائيل إلى نقطة لا يمكن إيقافها. من وجهة نظري، فإن القضية الأكثر أهمية هي، بالطبع، القضية الفلسطينية. أي قضية غزة، وفي الوقت نفسه، بالطبع، الضفة الغربية. الاستعمار مستمر هناك وأنا لست متفائلاً.
يتردد كثيراً الحديث عن الميثاق الملّي في الأدبيات المتعلقة بكردستان وتركيا في السنوات الأخيرة. هل كان هذا الميثاق اتفاقاً على جغرافيا مفقودة أم عهد مشترك على المبادئ؟ كيف يمكن تعريفه؟
في الواقع، الميثاق الملّي عبارة عن قَسَم. أي أنه تعهّد اعتمده برلمان إسطنبول في عام 1920. ”سوف نستعيد هذه الأراضي“، أي أن الأراضي التي كانت تحت الإدارة العثمانية في نوفمبر 1918 ستعود إلى العثمانيين. وتشمل هذه الأراضي حلب والعراق وكردستان. وتشمل بعض مناطق روجآفا. لكن كما قلت، هذا القَسَم ليس اتفاقاً. إنه ليس اتفاقاً دولياً، وليس اتفاقاً بين الأتراك، إنه نص اعتمده البرلمان.
لكن هذا البرلمان تم حلّه لاحقًا. لأكن دقيقاً، تم إنشاء برلمان أنقرة. انطلق برلمان أنقرة من ديناميكية مختلفة تماماً. وتم توقيع معاهدة لوزان – أي أن وجود تركيا مرتبط بمعاهدة لوزان. إذا نشأت الظروف غدًا، هل سترغب تركيا في غزو هذه الأراضي؟ بأي ثمن يمكنها الاستيلاء عليها؟ ما هي التحالفات التي يمكن أن تشكلها لغزوها؟ كيف يمكن أن يلعب عامل إسرائيل دوراً هنا؟ كيف يمكن أن تلعب الولايات المتحدة وإيران دوراً في كل هذا؟ لا يمكننا معرفة كل هذا. لذا، بالنسبة لي، في الوقت الحالي، يظل هذا الأمر إلى حد ما على مستوى الخطاب البلاغي. إنه نوع من التفكير الانتقامي الذي ظل حياً بفضل هذه الفكرة، والخطاب البلاغي الذي ينشر جملاً مثل “نحن لم نخسر هذه الحرب، الحرب العالمية الأولى لا تزال مستمرة وسنواصلها، سننتقم من التاريخ”. وهذا بالطبع خطاب خطير للغاية. لكن في الوقت الحالي، أعتقد أنه من الأفضل النظر إلى الأمر على أنه مجرّد خطاب.
* البروفيسور حميد بوز أرسلان، خبير في شؤون الشرق الأوسط وتركيا والقضية الكردية. يشغل منصب مدير الدراسات في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) في باريس منذ عام 2006. بوز أرسلان هو مساهم منتظم في وسائل الإعلام الفرنسية مثل لوموند ومؤلف قائمة طويلة من الأعمال، بما في ذلك مقال الأزمة والعنف والحضارة (2019)، الثورة ودولة العنف، الشرق الأوسط 2011-2015 (2015)، تاريخ تركيا، من الإمبراطورية إلى الحاضر (2013)، تاريخ العنف في الشرق الأوسط، من نهاية الدولة العثمانية إلى القاعدة (2008)، من النضال السياسي إلى التضحية بالذات: العنف في الشرق الأوسط (2004)، المسألة الكردية: الدول والأقليات في الشرق الأوسط (1997).





