شورش درويش
تتيح اللغة العربية المجال لاجتراح السخرية عبر التلاعب بالكلمات بالاعتماد على بعض المحسّنات البديعية، ولعل هذا التلاعب اللطيف سهّل واختصر الكثير من الكلام المراد قوله فيما خصّ “انتخابات” مجلس الشعب، فهو وفق وصف عديد السوريين: “مجلس الشرع”. هكذا بكل اختصار وسخرية.
قبل بلوغ مرحلة تنظيم السلطة لانتخابات مجلس الشعب، أنهى مؤتمر “الحوار الوطني”، ثم الإعلان الدستوري، ما كان يسمّى مرحلة الانتقال السياسي وأفرغها من أي مضامين سياسية ووضع السوريين أمام حقيقة أنهم في إزاء حكم يأبى أن يكون مجرّد سلطة انتقالية. عملياً، مكّن الإعلان الشرع من كل السلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية، ووضعها كلها تحت تصرّفه الشخصيّ. فيما المعنى الأقصى الذي حاول الإعلان تمريره هو مشروع “تأبيد” هذه السلطة المعرّفة بأنها “مؤقتة” أو “انتقالية”. تبدو صيغة تجميع السلطات المدسترة كافية للتلاعب بأسس المرحلة الانتقالية؛ فهي مبنية على ركائز مثل رفض الشراكة والتضمين، والتحكم بمقدّرات البلاد عبر سلطة إقرار القوانين والعقود، وتقديم تصوّرات شخصية حول العدالة الانتقالية، وحق الفصائل المشاركة في مؤتمر “النصر” احتكارَ العنف. مجموع هذه المسائل يمثّل المقدّمة النظرية لأبدية ثانية متمّمة لأبدية الحكم الأسدي، حتى أن وصف “الرئيس” بالانتقالي بات أقرب إلى نقيصة أو محاولة للنيل من هيبة الحكم وفق مؤيّدي الشرع.
لحظة استصدار الإعلان ظهر الاستسلام السوري العام في أوضح صوره، إلّا فيما ندر؛ فالسلطة الناشئة لم تُجابه بأية موجة ضغط مدنية أو سياسية داخلية للحدّ من صلاحياتها المتنامية، في الوقت الذي كان المجتمع السوري منقسماً إلى جماعات متباينة: قسم أجهدته سنوات الحرب وكلفتها الثقيلة ولم يعد يكترث بمن يحكم؛ فالأولوليات هي العودة الآمنة وتحسّن الحالة المعاشية والخدمات وضبط الأمن. قسم آخر مضى سعيداً للتغلّب على نظام الأسد وبدا مأخوذاً بالخطابات الرومنسية التي أكثرت من التهويمات عن الأمجاد الغابرة واستعادة ماضٍ أمويّ متخيّل، وعزز من هذا التصوّر سرعة الانفتاحين العربي والدولي ووعود تدفق الأموال والاستثمارات من كل بلد زاره ممثلو السلطة، فيما وقفت فئة ثالثة محترزة لئلّا تحاسب على وقوفها إلى جانب نظام الأسد، أو أن تحاسب فئة أخرى ينظر إليها بنفس العين، على صمتها وانزوائها خلال سنوات الحرب السورية تحت بند “أين كنتم منذ 14 عاماً”. حاصل جمع أوضاع هذه الفئات يقودنا إلى تفهّم الأسباب التي وقفت في صف “تمريق” الإعلان دون وجود قوى اعتراضية على محتوياته التي تكرّس ديكتاتورية بإهابٍ ديني فئويّ يحاكي سلطة وصلاحيات الأسدين.
على الدوام كانت سلطة الشرع تسبق الرأي العام الوطني والدولي بخطوة تساهم في إماتة السياسة والتأسيس تالياً لنظام فئوي مُصمت. لدى هذه السلطة مخططات لتعطيل عربة التغيير والانتقال السياسي بشكلٍ فظّ ومربك.
لنراقب عمل وخطوات السلطة ورغبتها في الانتقال من سلطة مؤقّتة وجدلية إلى نظام حكم فئوي مشيّد: أوّلاً، إطلاق مؤتمر حوار وطني أعدّ على عجل قبل أن يلتقط السوريون أنفاسهم ويستعدّوا للمطالبة بمؤتمر وطني عام وتمثيلي. ثانياً، الإعلان عن “مؤتمر النصر” الذي نصّب الشرع رئيساً قبل أن يطالب السوريون بمجلس حكمٍ انتقاليّ مدني. ثالثاً، تشكيل الجيش (العربي) السوري قبل أن يصار إلى ضم الجماعات الدرزية المسلّحة أو قوات سوريا الديمقراطية “قسد” لهذا الكيان العسكري الملتبس. رابعاً، الإعلان عن تشكيلة الحكومة الانتقالية بعد فرط عقد الحكومة المؤقتة المجرّبة في إدلب، وذلك قبل أن ينتظم السوريون في أطر سياسية جديدة. خامساً، استصدار الإعلان الدستوري بإرادة منفردة بدل إصداره عن هيئة وطنية منبثقة عن المؤتمر العام تقوم بتكليف لجنة متفق عليها لوضع مسودة لإعلان دستوري موجز يحدد تخوم السلطة ويعيد تنظيم الحياة السياسية ويعيد السياسة للمجتمع. وأخيراً، استبق الشرع تحوّل القرار 2254 إلى مطلب تنادي به أغلبية سورية ترى الفشل الحكومي المتواصل وانتهاكات السلطة المتواصلة، ومن المهم التذكير بأن القرار تحدّث عن انتخابات “حرّة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة في غضون 18 شهراً”.
في الأثناء تزاول “اللجنة العليا للانتخابات” التي عيّنها الشرع عملها، وهذا الاسم يشير إلى شبهة وجود انتخابات في بلاد لا يعترف حكامها الجدد بالديمقراطية وصلاحية الشعب في الشراكة وحقهم الأصيل في المساواة. وبالفعل سلّمت اللجنة نسخة عن تصوّراتها للعملية الانتخابية المشار إليها في الإعلان الدستوري. وعليه، أصدر الشرع المرسوم 143 لعام 2025 القاضي بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب، على أن يكون عدد مقاعد المجلس 210، يُعيّن ثلثهم الشرع وتُوزّع المقاعد الأخرى بحسب التوزيع السكاني للمحافظات، بعد استثناء محافظات الحسكة والرقة والسويداء.
لا يحمل النمط الانتخابي الذي رسمه خيّاطو السلطة شكلاً تمثيلياً يعبّر عن أي مستوى تضميني للسوريين والسوريات في السلطة الأخيرة المتبقية من السلطات الثلاث التي بسط الشرع سيطرته المطلقة عليها، كما تعكس فظاظة التعيين وإشعار من يجري تعيينهم بأنهم ما كانوا ليشغلوا موقعهم الجديد لولا أن الرئيس منحهم هذه الفرصة. بهذا المعنى لا يشعر المُعيّن بأنه مدين لدائرته أو للعملية الانتخابية التي أوصلته لمنصبه. بكلمات أخرى لا يعود شاغر مقعد مجلس الشعب “وكيلاً” ينوب عن كتلة مواطنين/ات، بل وكيلاً عن “الرئيس” داخل السلطة التشريعية، ما يعني إثراء الشبكة الزبائنية للشرع ورفدها بطائفة جديدة من المحاسيب.
لا يُفهم من عملية استثناء المحافظات الثلاث من مدار عملية الانتخابات إن كان عملاً انتقامياً من القوى السياسية والاجتماعية التي رفضت الانصياع لمشروع تحويل السلطة المطلقة إلى نظام طغيان مشيّد. تذرّع اللجنة العليا للانتخابات بالأوضاع الأمنية في المحافظات المستثناة يشي بأن الأوضاع في منطقة سيطرة الشرع أكثر أماناً، وهو ما تفنّده الوقائع اليومية حيث الانتهاكات بحق الأقليات في دمشق، وخروج كل محافظات الجنوب السوري (القنيطرة والسويداء ومعظم أراضي درعا) من تحت السيطرة الأمنية للسلطة لصالح الغلبة الإسرائيلية، فوق أن زعم السلطة بحصر المشكلة في المحافظات المستثناة مخاتل حتى درجة بعيدة، إذ إن جزءاً من محافظة حلب (عفرين وكوباني والأحياء الكردية بحلب)، فضلاً عن معظم أراضي محافظة دير الزور، تخضع لسيطرة قسد ويتعذّر على لجنتها العليا إقامة “الانتخابات” فيها، هذا إن لم نقل بأن حالة الطوارئ غير المعلنة في المناطق العَلوية بالساحل تخضع لظروف غير إنسانية تجعل من الفعل الانتخابي أمراً متعذّراً. وبطبيعة الحال كل هذه الوقائع لا تهمّ السلطة، فالمقصود من كل ما يجري هو إقامة مجلس شعب شكلي، بأي ثمن وبأقصر وقت، تكون مهمّته إقرار بعض التشريعات والمصادقة على المعاهدات الدولية التي يتحرّج الشرع من إقرارها، وهو ما يعني أن الرئيس المؤقت يحتاج إلى قفّازين يخفيان بصمات مسؤوليته عن بعض المسائل التي تخصّ عموم السوريين، والحال أننا نقف في إزاء مجلس ملفّق يزوّر إرادة المحكومين بوسائل تبدو شرعية في الظاهر.
الغالب على الظن أن الانتخابات ستمضي دون أي رفض شعبيّ مُعتبر لمجرياتها ولطريقة تشكيل المجلس، وهو ما يعني إغلاق إحدى أهم مساحات المجال العام في وجه السوريين الراغبين في تصويب بعض الجنون الذي تديره السلطة، لكن الأهم في عملية الاستيلاء على آخر السلطات المتبقية، بعد أن نال الشرع من السلطتين التنفيذية والقضائية، هو أنه تمهيد عمليّ لتحوّل سلطة الشرع إلى نظام أين منه نظام الأسدين.





