محمد سامي الكيال
تصاعدت عقب اضطرابات وحروب ما يُعرف بـ«الربيع العربي» دعوات جديدة، لم تكن مألوفة بشكل واسع قبله، ويمكن تلخيصها بالتالي: أيُّ دولة، بأي نظام سياسي كان، أفضل من حالة اللا دولة، والفوضى الاجتماعية والسياسية الشاملة. وصل الأمر لدرجة أن دولاً قائمة، مثل مصر والمغرب، باتت تبني جانباً كبيراً من شرعيتها على هذا المبدأ، ضمن محيط مليء بالدول الفاشلة والحروب الأهلية، وهذا يبدو مآلاً حزيناً للطموحات التغييرية والثورية، التي رافقت دائماً تصورات الثقافة السياسية العربية عن الدولة، واعتبرتها دائماً ذات وظيفة أو «رسالة خالدة»، بدرجة من الدرجات. فهي إما التجسيد الأعلى للأمة، وحاملة طموحاتها؛ أو أداة لمهمة كبرى، مثل محاربة الاستعمار والإمبريالية، تحقيق هيمنة طبقة معيّنة، التمدين والتحديث والعلمنة أو الأسلمة؛ أو على الأقل ميدان العقد الاجتماعي الديمقراطي، الذي سيحسّن أوضاع البشر، ويوقف صراعاتهم.
اليوم لم يعد كثيرون مهتمين بالديمقراطية أو التحرر أو أي قضية أخرى، بقدر ما يريدون أن يواصلوا حياتهم بأقل قدر ممكن من الخسائر، والحفاظ على الحد الأدنى من التنظيم الاجتماعي، والقدرة على أداء الوظائف الحياتية الأساسية، حتى لو كان ذلك في ظروف شديدة القمع والفقر والاستغلال.
أدى كل هذا إلى عادتين فكريتين مترابطتين:
الأولى: تبرير الاستبداد، ولكن ليس بطريقة رخيصة دائماً، إذ بدأ عدد من المثقفين يحشدون كل ما لديهم من حجج، ويوظفون كل ما في العلوم السياسية من مفاهيم تاريخية ونقديّة، ليثبتوا أن الديمقراطية ليست نظاماً كاملاً ونهائياً، أو صالحاً لكل البلدان والظروف؛ والعقد الاجتماعي ليس أكثر من أسطورة؛ والليبرالية مليئة بالتناقضات؛ فيما ضخّموا مفهوم «السيادة» بشكل كبير، وقدموه بوصفه السياسة «الحقيقية»، والمؤسس الفعلي الوحيد لأي نظام سياسي.
أما الظاهرة الثانية فيمكن تسميتها «عبادة الدولة»، ولكن ليس بوصفها وثناً يشير إلى مبدأ متعالٍ، مثل العقل أو النظام الكوني أو روح الأمّة، بل على ما هي عليه في وضعها الراهن، وبدون أي معنى أو هدف أو مبدأ سياسي وأخلاقي، سوى أن وجودها يقي مما هو أسوأ. عبارات مثل «أسوأ دولة أفضل من أفضل ميليشيا» تكثّف هذا الموقف بقوّة، والأهم أنها تجعل من إنكاره أو نقده مهمّة بالغة الصعوبة، فأن تُعتقل في سجن دولة، لها إجراء بيروقراطي ما، ونظام قضائي، حتى لو لم يكن مستقلاً وعادلاً، أهون من أن تُغيّب قسرياً على يد ميليشيا. هذا هو الطموح السياسي في منطقتنا، في أحيان ليست بالقليلة.
قد يمكن فهم هذا المنظور، أو حتى تفهّمه، في بلدان فيها بالفعل دول، وسط محيط من الاضطرابات والحروب الأهلية، ولكن ماذا عن «عبادة الدولة» في أشباه الدول، أو الدول الفاشلة، أو مناطق النزاعات الأهلية، وهي أغلبية بلدان المشرق؟ غالباً لا يتعلّق الأمر هنا لا بالحفاظ على النظام الاجتماعي، ولا مواجهة الفوضى، بل تمسي مقولة «الدولة» إحدى مقولات الصراع الأهلي، وطريقة لفرض غلبة فئة على فئة باسم «الدولة»، وهيبتها وسيادتها. وربما تكون هذه عادة قديمة ومترسّخة في المشرق، الذي حوّل مقولات أخرى كثيرة إلى أداة للتغلّب في الصراعات الأهلية، مثل «القضية الفلسطينية»، «مكافحة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية»، «القومية العربية»، إلخ.
«الدولة» ليست هي الدولة إذن، وفق أي مفهوم سياسي متعارف عليه، بل ربما ستؤدي، للمفارقة الساخرة، إلى تكوين ميليشيات وفرق موت جديدة، تزيد من الفوضى الاجتماعية وانهيار مؤسسات التحضّر. ولذلك فربما من الأجدى استبعاد هذه المقولة تماماً، وعدم أخذها على محمل الجد، وإنما محاولة فهم ما يشير إليه الهوس بتكرار لفظ «الدولة»، ليس فقط من جهة الرغبة بالتغلّب في صراع أهلي، وإنما أيضاً من جهة المفاهيم السياسية والأخلاقية والثقافية في مجتمعات الحروب الأهلية الدائمة. وقد يساعدنا تحليل المنطوق السياسي والثقافي على فهم أبعاد الممارسات والأداءات التي تحيط بنا حالياً، وتهدد استمرار الحياة عموماً. السؤال الأبرز في هذا السياق: ما «الحق» الذي ينادي به، أو يُضمره، أنصار «عبادة الدولة» في المشرق؟ قد يبدو سؤالاً تهكّمياً، ولكنه ليس كذلك، فهو قد يكشف كثيراً عن المعنى والغاية، وكذلك الفصام، في ثقافتنا المعاصرة.
نهاية الرسالة الخالدة
أبدت كثير من الأيديولوجيات العربية المعاصرة ميلاً لعقيدة التفوّق، الذي تجسّده الأمة. فسواء تحدّثنا عن «رسالة خالدة» أو «أستاذية العالم»، فنحن نستند إلى تراث إمبراطورية ودين عالمي، رأى منظرو الأمة أحقية استعادته ونصرته، وحشد كل الطاقات لأجل ذلك. الدولة هنا منفّذ لرسالة الأمة، وأهميتها تنبع من أنها أفضل جهاز ممكن لتحقيق ذلك. وحتى لو انهارت أو انحطت أو استُعمرت، ففي الأمة إمكانات للنهوض من جديد، وبناء دول تعيد حمل الرسالة. الدولة وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، وتستمد شرعيتها من قدراتها على تحقيق الغاية، بما في ذلك إعادة تربية البشر، وتشذيب لغتهم وسلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم، لتخليصها مما علق بها من شوائب، واستئصال كل ما نما على جسد الأمة من أورام. يُنظر هنا إلى الأمة بوصفها جماعة عضوية قادرة على الوجود والاستمرار عبر التاريخ حتى بدون الدولة، ولكنها تحتاج إلى الدولة في نهاية المطاف لكي تصل إلى تحققها، وإلى أعلى مراحل نموها الروحي. وهذا يذكّر بالخلاف الشهير بين النازيين والفاشيين حول سؤال الأولوية: للأمة العضوية أم الدولة العضوية؟ كان الجواب العربي غالباً أقرب للطرف الأول، أي النازي الذي غلَّب الأمة، وهذا أمر مفهوم، نظراً لتأثير الفكر القومي والرومانتيكي الألماني على المنظرين القوميين والإسلاميين العرب، حتى لو وصلهم عبر لغات وسيطة (التركية أو الفرنسية).
اختلط هذا المفهوم، خاصة في مراحل لاحقة، بدعاوى التحرر الوطني من الاستعمار، ولعبت العلاقة الجيدة مع الاتحاد السوفييتي دوراً كبيراً في تلطيفه، لدى القوميين العرب تحديداً، الذين تمركست تيارات وازنة بينهم، فبات هنالك حديث أكثر عن الإخاء بين الشعوب المضطهدة، والمعركة العالمية ضد الإمبريالية؛ فيما ظل الإسلاميون على ولائهم الخالص لأمتهم العضوية، وأستاذيتها للعالم، فصارت المعركة ضد الاستعمار والإمبريالية مَعرَكَة «الإسلام» ضد «الغرب»، أو أية تسمية أخرى للعدو. وقد نَظّر مفكرون معروفون في «اليسار الجديد»، ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي، للطاقة التحررية للإسلام، بوصفه ممثلاً لقسم مهم من شعوب «الجنوب العالمي»، أو سكانه الأصليين، في مواجهة الكولنيالية والمركزية الغربية، ما مهّد لمصالحة بين «اليسار» (أي قومية التحرر الوطني) والإسلام السياسي.
ضمن هذا الشرط، ظهرت فكرة الأمة العضوية بثوب جديد، أي صارت مقولات عن مجتمعات مضطهدة، قادرة بشكل جماعي على إنتاج أشكال متعددة من المقاومات، أياً كان شكلها، ومهما كانت ممارساتها وخطاباتها، بل حتى لو دمّرت تلك المقاومات المجتمعات نفسها، وقمعتها بشكل مروّع، أو كانت طرفاً في حروب أهلية، ارتكب ممارسات ترقى لجرائم ضد الإنسانية. كان هذا مقدّمة لحلول الميليشيا المُقاوِمة مكان الدولة في تمثيل الأمة العضوية، وتجسيد روحها. أما «الرسالة الخالدة» فيفسرها كل طرف حسب عقيدته، سواء كانت عزّة الإسلام، ولاية صاحب الزمان، أو نزع الاستعمار.
اليوم، وبعد الدمار الشامل في معظم مجتمعات المشرق، يعود كثيرون للحديث عن الدولة، وينكرون الميليشياوية، التي بات أثرها التدميري أكبر من أي قدرة أيديولوجية على التجاهل والتمويه، إلا أن تحديد «الرسالة الخالدة» بات شديد الصعوبة. لقد فشلنا في المقاومة، وفي نزع الاستعمار، وفي استعادة عزّة الإسلام. ما الذي تبقّى؟ وهل يجوز أن نفكّر بدولة بدون رسالة خالدة؟
أصلهم ذهب!
ربما كانت مجتمعات سوريا والعراق الأقرب للاستيقاظ من حلم «الرسالة الخالدة» أو كابوسها، نظراً للدمار الشديد، والحروب الأهلية المروّعة، التي شهدتها في السنوات الماضية. لم يعد هنالك أي معنى جديّ يمكن إنتاجه، أو تعالٍ روحي أو عقلي تجسّده الدولة أو القوة السياسية، التي تحلّ محل الدولة. لقد تفتتت حتى المؤسسات والبنى القادرة على إنتاج أي شكل من أشكال الفكر السياسي المتسق، مهما كان ضعيفاً، ولم تبق إلا الميليشيات و«المنظمات غير الحكومية»، وكلاهما يمكن وصفه بـ«معاداة الفكر».
إلا أن الاستيقاظ من الحلم/الكابوس لا يعني بالضرورة اليقظة، يبدو أننا نعيش كابوساً مركّباً، ننتقل فيه من هول إلى آخر، بدون «واقع» يمكن الاستيقاظ فيه. والهول الجديد هو «الدولة»، التي تدمج بين حقّين: «حق السيادة» على كامل الأراضي، الذي بات مُبرِّراً لأشكال من القمع والإرهاب، ترقى لدرجة الإبادة الجماعية؛ و«حق التغلّب» الطائفي المعلن، إذ تُعرَّف الدولة بوصفها حق أكثرية هوياتية في فرض السيادة. كيف يمكن الجمع بين منطق «دولة»، من المفترض أنها متعالية على مكوناتها، وبين منطق غلبة المكوّن الأكبر؟ لا إجابة ممكنة من داخل الفكر السياسي. نحن نناقش أنصار ميليشيات.
ينعكس هذا حتى على مبدأ «احتكار العنف» الشهير، إذ أنه يُفهم هنا بوصفه احتكار الأكثرية للعنف، وليس احتكار الدولة، بوصفها جهازاً متعالياً. الدولة هي نفسها الأكثرية وفق هذا المنظور، الأقرب للهلوسة، ما يفتح الباب لأشكال غير مسبوقة من الميليشياوية، التي تبرر نفسها بنصرة الدولة وسيادتها. «عبادة الدولة» هنا ليست رسالة خالدة، بل حق طبيعي لمن «أصلهم ذهب»، كما تقول الأغنية السورية، المأخوذة (أو المُعفّشة بلغة الميليشيات) من لطميّة عراقية.
ما تزال الأمة عضوية، ولكنها لم تعد قادرة على الاستغناء عن حلم الدولة، فهو قد يعني عودة «المظلومية»، وبالتالي فإن الارتباط بالدولة وجودي. يصعب إيجاد مثيل أيديولوجي لهذا، والأقرب إطلاق وصف عام، وفضفاض بعض الشيء، مثل «الفاشية البدائية» (الأيديولوجيات والحركات السياسية السابقة لنشأة الفاشية؛ والتي تبدي عناصر فاشية غير مكتملة أو متسقة).
يمكن ربط كل هذا بتطورات مهمة في بعض تيارات الإسلام السياسي، وخاصة السلفية الجهادية منها، والتي باتت أقرب للمهادنة في المعركة ضد الغرب، بل وعلى استعداد تام للتعامل والتحالف معه، وفق فقه أولويات، يجعل مجاهدة أعداء الداخل هي الأساس، لبناء المجتمع الإسلامي السليم. لذلك سوابق راسخة في الإسلام السياسي، مثل تجربة الإخوان المسلمين الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلّة؛ وتنظيم «الطليعة المقاتلة» في سوريا؛ فضلاً عن الجهاد الأفغاني، الذي رأى الأولوية في قتال الملحدين السوفييت، وليس «أهل الكتاب» الغربيين.
نحن أمام أمة «أصلها ذهب»، منهمكة في الجهاد الداخلي، وتفخر بـ«براغماتيتها» في التعاطي مع الخارج، و«دولتها» تجمع بين حق غلبة الأكثرية؛ مواجهة تهديد وجودي مرتبط بـ«مظلومية»؛ مع شبح رسالة خالدة، مؤجّلة إلى أن تنتصر في معاركها الداخلية، وتؤسس مجتمعها الشرعي، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً. وتحمل كل هذا قوى ميليشياوية، لا تستطيع بناء منظومة متسقة، على أي مستوى، بل تفضّل الهياكل المرنة، والتفاهمات والتوازنات غير المدوّنة بقانون، ومبدأ «النفير». وتلك هي «الدولة» التي يجب الخضوع لسيادتها، ولن تقوم للأمة بدونها قائمة.
هل يمكن الاستيقاظ من هذا الكابوس؟ وهل سيؤدي بنا إلى كابوس آخر؟ الإجابات صعبة، ولذلك قد يمكن فهم موقف بعض الأطراف، التي ترفض هذه الرؤيا، أو لا تريد رؤيتها، وما زالت تعيش «واقعيتها» الخاصة في التعاطي مع الأوضاع. بكل الأحوال لا بد أن الجميع يريد أن تنصرف الرؤيا، سواء كانت صحيحة أم خاطئة.





