وحدة الدراسات التركية
جاءت الزيارة المفاجئة التي قام بها أسعد الشيباني وزير الخارجية في السلطة الانتقالية السورية إلى العاصمة التركية أنقرة، في خضم تطورات ومستجدات عديدة متسارعة، تتعلق كلها بسوريا والأحداث الأخيرة التي جرت فيها. استدعت أنقرة الشيباني على عجل، ولكي تبدو الزيارة ما يشبه “زيارة عمل” مخطط لها منذ مدّة، حزم كل من مرهف أبو قصرة وزير الدفاع وإبراهيم سلامة رئيس جهاز الاستخبارات، حقائبهما لمرافقة الشيباني. أبو قصرة التقى وزير الدفاع التركي يشار غولر، ووقّع معه على عجل اتفاقية حول “التدريب والمشورة العسكرية”، الواضح أنها “سُلقت” على عجل ولا تقدّم جديداً على المستوى الاستراتيجي، في ظل دوام “الفيتو” الإسرائيلي على أي حضور وتمدّد عسكري تركي في الداخل السوري.
الملفت في هذه الزيارة هي التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والذي هاجم قوات سوريا الديمقراطية واتهمها بالمماطلة في تنفيذ بنود اتفاقية 10 مارس/آذار، تلك الاتفاقية التي وقّعها كل من الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية والرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 10 مارس/آذار 2025 في العاصمة السورية دمشق. كلام فيدان حمل كذلك تحريضاً على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، رغم حدوث لقاء بين وفد يمثّل الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا برئاسة إلهام أحمد والحكومة الانتقالية (برئاسة الشيباني نفسه) في دمشق قبل ساعات من زيارة الوفد السوري لأنقرة، رشح عنه بأنه كان “إيجابياً جداً”. لكن تصريحات فيدان التي ضمّنها كلمات من قبيل “نعرف نواياكم” و”لسنا ساذجين ونعلم ماذا يجري” والتي تظهر أنه لا يزال يعيش دور رئيس الاستخبارات، المنصب السابق الذي شغله طيلة 13 عاماً، حالت دون مواصلة أجواء الارتياح التي سادت بعد لقاء دمشق الذي جمع إلهام أحمد وأسعد الشيباني.
الموقف التركي أو التصعيد جاء بعد مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا”، الذي عقدته الإدارة الذاتية وضم فعاليات مجتمعية من أبناء شمال شرق سوريا، وشارك فيه عبر الهواء كل من الشيخ الدرزي السوري حكمت الهجري والشيخ العلوي السوري غزال غزال. تركيا ضغطت على دمشق لكي ترفض مخرجات المؤتمر التي أكدت كلها على وحدة سوريا أرضاً وشعباً، ونادت بتشاركية وبنظام ديمقراطي لامركزي، وبالتالي لم يخرج المؤتمر عن الإطار العام لاتفاقية 10 مارس/آذار. السلطة في دمشق أصدرت بياناً ضد المؤتمر، وبدأت وسائل إعلامها، وتلك المموّلة من تركيا وقطر، تهاجم المؤتمر، وتحرّض ضد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. أما سياسيا فقد صعّدت السلطة وأعلنت عن مقاطعتها للاجتماع الذي كان مخططاً أن يُعقد في العاصمة الفرنسية باريس بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية. ولاقى هذا القرار قبولاً لدى الطرف التركي، كون أنقرة لا تريد أي لاعبين مؤثرين في المشهد السوري، قادرين على التأثير على الحكومة، وبالتالي المساهمة في تحجيم دورها ونفوذها.
أما الحكومة الانتقالية فهي لا تزال تعيش صدمة تداعيات المجازر التي قامت بها فصائل تابعة للأمن العام وأخرى “منفلتة” تقودها شخصيات كانت قريبة من النظام السابق والحرس الثوري الإيراني، تطلق على نفسها اسم “العشائر”، وطالت المكون الدرزي في محافظة السويداء الجنوبية. تلك المجازر التي أسفرت عن مقتل ما يقارب الألفي مدني، والمئات من مسلحي السلطة الانتقالية، ولم تنتهِ إلا بقصف إسرائيلي لمبنيي هيئة الأركان العامة والقصر الجمهوري في العاصمة دمشق. التدخل الإسرائيلي العسكري المباشر خلق مشهداً جديداً في سوريا، ومنح تل أبيب حضوراً، أقرّت به السلطة الانتقالية من خلال الاتصالات والاجتماعات التي جرت بين مسؤولين فيها وآخرين إسرائيليين بحضور أميركي، وتوّجت في نهاية المطاف بالتوصل إلى اتفاق “فض اشتباك” بين ميليشيات السلطة وبين المقاومين الدروز في السويداء. هذا ناهيك عن الحديث عن خطة باتت تتضح ملامحها رويداً رويداً وتتمحور حول فتح معبر يربط السويداء بإسرائيل، بغية نقل المواد الغذائية والإغاثة إلى السويداء المحاصَرة. كل هذه التطورات خلقت لدى السلطة الانتقالية في دمشق حالة من الارتباك والتخبط، ترجمتها إلى التشدّد حيال شمال شرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، والتلويح بالقوة من خلال التصعيد العسكري بمهاجمة مواقع قوات سوريا الديمقراطية في دير حافر بريف حلب وقرى في ريف دير الزور، بالإضافة إلى إطلاق المسيّرات فوق حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في مدينة حلب.
تعلم تركيا أن السلطة الانتقالية في دمشق باتت في وضع صعب للغاية بعد المجازر التي ارتكبتها في الساحل والسويداء، وصدور تقرير عن الأمم المتحدة يدين السلطة ويتهمها بالمسؤولية عن ارتكاب مجازر الساحل، التي قال التقرير إنها تقترب من “جرائم حرب ضد الإنسانية”، وتقرير آخر صدر عن البنتاغون يصف بدقّة تغلغل الجهاديين في هياكل الجيش والأمن السوريين. كذلك تعلم تركيا بأن الحضور الإسرائيلي بات واقعاً في جنوب سوريا، بالإضافة إلى تصلّب تل أبيب في التمسك بالخطوط الحمراء التي رسمتها لتركيا، في عدم الاقتراب من الداخل السوري (دمرت إسرائيل بنى عسكرية كانت أنقرة تريد تأهيلها في مطار حماة العسكري وقاعدة تي 4 قرب حمص في أبريل/نيسان 2025)، هذا فضلاً عن الواقع الذي تمخّض في السويداء بعد المجازر الأخيرة، وهو واقع لامركزي واضح، والذي سينعكس حتماً على شمال وشرق سوريا، وربما مناطق أخرى من سوريا، ستتمسك بصيغة اللامركزية، في ظلّ فشل السلطة في أغلب المجالات الأمنية والاقتصادية في البلاد. ومن هنا ترى أنقرة بأن أغلب الملفات في سوريا بدأت تفلت من بين يديها، وتبرز فواعل أخرى أقوى منها من النواحي الاقتصادية والعسكرية.
لم تدِن تركيا ارتكابات السلطة الانتقالية في الساحل ودمشق والسويداء، ولا الانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان في طول وعرض سوريا. هي تتعامل بعقلية أمنية مع سوريا، وتعتبرها منطقة نفوذ وسيطرة، تحكمها سلطة تُصرّ أنقرة على أن تكون تابعة لها، وتتمسك بسردية فضلها عليها في أنها هي التي جاءت بها إلى سدّة الحكم في دمشق. وفي نطاق هذه العقلية والمقاربة القاصرة الخطرة، تُصرّ أنقرة على محاربة الكرد والإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، ورفض كل صيغ اللامركزية والاعتراف الدستوري بالمكونات والخصوصيات السورية. ورغم وجود عملية حوار داخل تركيا بين الدولة والحركة الكردية، وإنشاء لجنة برلمانية تحت عنوان ” لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” والحديث عن “مرحلة جديدة” و”أخوة الألف عام بين الكرد والترك” إلاّ أن الحكومة والمشرف على الدبلوماسية هاكان فيدان، يُصرّان على إقصاء الكرد في سوريا، والحيلولة دون قبول دمشق باللامركزية والإقرار بوجود قوات سوريا الديمقراطية كهيكلية ضمن الجيش السوري الجديد، مثلها مثل فصائل أخرى أدمجتها السلطة بهيكليتها الكاملة، ووضعت لها أسماء جديدة.
في الشأن السوري لم تتغيّر المقاربة التركية. إذ إنه بوجود وزير خارجية لا يزال يتقمّص دور مدير الاستخبارات المشرف على العمليات السريّة وعالم “تحت الأرض”، ومعارض لعملية السلام مع الكرد داخل تركيا، يبدو أن الموقف التركي من الكرد والإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وبالتالي من بروز سوريا ديمقراطية لامركزية، لن يحدث فيه أي تطور، وسيبقى رافضاً لكل انفراجة ومصرّاً على بناء دولة أحادية مركزية، يحكمها فصيل تابع لأنقرة، أو ولاية يديرها والٍ تابع للعرش السلطاني، وفق المخيال التركي، والمقاربة الأثيرة لدى وسائل الإعلام التركية. وضمن هذا المشهد لا تزال مفردات القاموس السياسي التركي فيما يخص “سوريا الجديدة”، هو هو دون تغيير: رفض اللامركزية، وتحريض العرب والكرد ضد بعضهما البعض، والتواطؤ مع السلطة حيال الساحل والسويداء، والتنافس على ما تعتبره “الكعكة” السورية مع كل من إسرائيل ودول عربية، وأخرى إقليمية ودولية رافضة للحضور الإمبراطوري والكولونيالي التركي في بلاد الشام!





