حسين جمو
قبل اجتماعهما في ألاسكا، أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نجاح اجتماعه التاريخي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكان الأوروبيون يعرفون مسبقاً أن الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هو إجبار أوروبا وأوكرانيا على القبول بانتصار بوتين. على الأوروبيين الموافقة على إلحاق روسيا الهزيمة بأوكرانيا وتمكينها من ذلك (بالامتناع عن إمدادها بالأسلحة)، وإلا سيكون موقف ترامب مخجلاً أمام العالم الذي ظل يخاطبهم بأن في جعبته اتفاقاً ينهي الحرب. انتهى الاجتماع والنتيجة – وفق سياسيين ومعلقين أميركيين- سقوطه مجدداً في ألاعيب السياسات الإمبراطورية التي يتقنها بوتين. وقد أثبت ترامب بنفسه – منذ ولايته الأولى – أنه لا يدرك ذكاء الإمبراطوريات في التلاعب به بسهولة.
غادر بوتين الاجتماع ومعه الضوء الأخضر لمواصلة حربه ضد أوكرانيا إلى أجل غير مسمى من دون أي عقوبات إضافية، في انتظار مفاوضات بشأن اتفاق أوسع.
قبل ساعات من الاجتماع قال ترامب إنه إذا لم ينجح في انتزاع وقف لإطلاق النار في أوكرانيا «فلن يكون سعيداً»، مهدداً بـ«عواقب وخيمة». لكن بعد ساعات فقط، غادر ألاسكا من دون وقف إطلاق النار، ومن دون تحميل بوتين أي عواقب، بل أعلن أنه سعيد للغاية بنتائج اللقاء لدرجة وصفه بـ«عشرة على عشرة».
وفق تحليل نشره بيتر بيكر في «نيويورك تايمز»، فإنه حتى في سجلات رئاسة ترامب المضطربة، تبرز قمة ألاسكا باعتبارها تراجعاً تاريخياً. فقد تخلّى عن الهدف الرئيس الذي جاء من أجله، وكشف في اليوم التالي أنه لن يسعى بعد الآن وراء وقف فوري لإطلاق النار، بل تبنّى النهج المفضل لبوتين، أي التفاوض على اتفاق سلام شامل يشترط على أوكرانيا التخلي عن أراضٍ.
الاستنتاج ذاته كان لدى إيفو دالدر، سفير الولايات المتحدة السابق لدى الناتو في عهد أوباما، فقال: «لقد خُدع مجدداً.. فبعد كل الوعود بوقف إطلاق النار، وبعواقب اقتصادية شديدة، وبخيبة الأمل، لم يستغرق الأمر سوى دقيقتين على السجادة الحمراء وعشر دقائق في السيارة حتى يلعب بوتين بترامب مجدداً. يا له من مشهد محزن».
أما حلفاء ترامب فركّزوا على خططه لعقد اجتماع ثلاثي مع بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام: «لم أشعر من قبل بأمل أكبر في أن تنتهي هذه الحرب بشكل مشرّف وعادل كما أشعر الآن».
وقف إطلاق النار الذي تخلّى عنه ترامب في ألاسكا كان قبل أسابيع هدفاً رئيسياً، إذ هدّد بفرض عقوبات اقتصادية جديدة إن لم توقف روسيا الحرب في غضون 50 يوماً، ثم عجّل الموعد إلى الجمعة الماضية. لكن النتيجة: لا وقف للنار، ولا موعد نهائي، ولا خطة للعقوبات.
ولعل من المذهل السهولة التي نجح فيها بوتين في جعل ترامب ينقلب على نفسه، فليس مستبعداً استخدام بوتين طريقة ملتوية ومقنعة في آن لشخص ضحل الثقافة السياسية مثل ترامب، وهو أن «وقف إطلاق النار» مسألة سخيفة ومخادعة في عالم الدبلوماسية، وأن صنّاع السلام الكبار يتجهون إلى اتفاق شامل ينهي الحرب كلها ولا يجعل هناك حاجة لأي وقف إطلاق نار! وبالفعل كتب ترامب: «تم الاتفاق على أن أفضل طريقة لإنهاء الحرب المروعة بين روسيا وأوكرانيا هي التوجّه مباشرة نحو اتفاق سلام، وليس مجرد وقف إطلاق نار غالباً ما يفشل».
أثارت قمة ألاسكا الأخيرة ردود فعل غاضبة، إذ قارنها بعض النقاد بمؤتمر ميونيخ 1938، حين تنازل رئيس الوزراء البريطاني تشامبرلين لهتلر عن أجزاء من تشيكوسلوفاكيا في سياسة استرضاء. وليس من المستغرب أن يصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون قمة ألاسكا بأنها «من أكثر الحلقات المقززة في التاريخ البائس للدبلوماسية الدولية».
في تحليل آخر نشره نيك باتون ولش في «سي إن إن»، فإن اللقاء خرج بمكسبين عاجلين لأوكرانيا:
أولاً، لم يُبرم ترامب وبوتين اتفاقية سلام عقارية مُتهورة، تفتقر إلى التفاصيل وتُحقق مكاسب كبيرة لموسكو، كما كان يخشى البعض. بل حدث العكس – لم يتم التوصل إلى اتفاق.
المكسب الثاني لأوكرانيا هو أن تصلب بوتين – على الرغم من كل تملق ترامب – كان واضحاً على نطاق واسع. بدا ترامب متجهماً: لا غداء، لا أسئلة صحفية ولا قبول فوري بدعوة بوتين له إلى موسكو. في النهاية، بدا أن ترامب ليس راضياً، وربما يكون بوتين مخطئاً في جعله يشعر بذلك.
هل يعاقب ترامب تركيا والصين؟
كتبت «وول ستريت جورنال» افتتاحية في اليوم التالي للقمة، جاء فيها: «بهذا المعنى، حقق الرئيس الروسي أحد أهم أهدافه من القمة: بدء إعادة تأهيله كزعيم عالمي. لقد أنهت القمة عزلة موسكو الغربية، دون أن يقدّم بوتين أي مقابل. وفي الوقت نفسه، كسب وقتاً إضافياً لمواصلة قصف المدن الأوكرانية والتقدم ببطء على الأرض».
وأشارت الصحيفة إلى أنه إذا لم تكن النتيجة سوى المجاملات ومماطلة بوتين، فسيتعين على ترامب أن يقرر ما إذا كان سينفّذ «الخطوط الحمراء» التي رسمها. والسؤال الآن وفق وول ستريت جورنال: هل سيذهب ترامب إلى فرض عقوبات على مشترين رئيسيين للنفط الروسي مثل الصين وتركيا، كما فعل مع الهند؟ أم أنه سيوافق على قمة ثانية مع بوتين، على أمل أن تكون النتائج مختلفة هذه المرة؟
قمة ترامب غير المنجزة
أما «واشنطن بوست» فقد كتبت في افتتاحية الأحد تحت عنوان «قمة ترامب غير المنجزة في ألاسكا» أن مفتاح نجاح زيلينسكي في الأيام المقبلة هو في ضمان تحميل موسكو مسؤولية أي تعثر. وهذا يعني الحفاظ على الانفتاح على المفاوضات وعدم الانجرار إلى نقاشات عامة، كما حدث في اجتماعهما الأخير في المكتب البيضاوي.
وحذرت: «شئنا أم أبينا، الرجل القوي الروسي راسخ في السلطة، ويظل القوة الدافعة وراء الحرب. غالباً ما يكون مدح ترامب للقادة المعادين مُبالغاً فيه، لكن هذه القمة لا تُعيد بوتين إلى العالم المتحضر بشكل دائم. تذكروا أن ترامب التقى كيم جونغ أون ثلاث مرات؛ وحصل الديكتاتور الكوري الشمالي على بعض الصور الدعائية، لكنه لا يزال معزولاً. الخطر الحقيقي الآن ليس في أن يحقق بوتين نصراً إعلامياً صغيراً، بل في أن يُواصل حربه دون عواقب أخرى».
ولفتت «واشنطن بوست» أنه على الرغم من نهجه غير التقليدي، أظهر ترامب فهماً واضحاً للمصالح الأمريكية عند التعامل مع إيران وكوريا الشمالية. في النهاية، كان مستعداً لزيادة الضغط والتخلي عن الصفقات الفاشلة. ربما لم يحن وقت ذلك بعد، ولكنه يقترب بسرعة.
هذه المرة تعتمد أوروبا، بما فيها أوكرانيا، على ميراث من قراءة أفكار ترامب. البيانات الأولى بعد قمة ألاسكا، رغم الإيحاء غير القابل للشك في الظاهر أن بوتين هو المنتصر، فإن رهان الأوروبيين على «قراءة شخصية ترامب» تشير على الأرجح تشير – وهو ما ألمحت إلأيه افتتاحية واشنطن بوست- إلى أن ترامب سيغضب من بوتين في النهاية، وهو كل ما تحتاجه أوروبا.





