طارق عزيزة
التطورات الدامية التي شهدتها وتشهدها محافظة السويداء، منذ منتصف الشهر الماضي، حملت الملفّ السوري من جديد إلى مجلس الأمن الدولي، حيث أصدر بياناً رئاسياً في 10 أغسطس/آب 2025، بإجماع أعضائه، “يدين بقوة أعمال العنف التي ارتكبت بحق المدنيين في السويداء وشملت عمليات قتل جماعي وفقدان الأرواح، وأدت إلى نزوح نحو 192 ألف شخص داخلياً”. وعلى نحو ما جاء في بيان سابق مماثل، صدر عن مجلس الأمن في 14 مارس/آذار الماضي، على خلفية أحداث الساحل السوري، وما تخلّلها من مجازر وانتهاكات، ذكّر المجلس مجدّداً بضرورة العودة إلى المبادئ الأساسية لقراره رقم 2254 لعام 2015، والذي يعدّ المرجعية الأممية للحل السياسي الشامل في سوريا.
لا تبدو الإشارة مراراً إلى القرار 2254 أمراً روتينياً أو شكلياً، بل يمكن النظر إلى الرمزية السياسية التي تحملها هذه النقطة، كونها من جهة تتجاوز البعد الداخلي للقضية السورية، ومن جهة ثانية، تلقي الضوء، بصورة ضمنية غير مباشرة، على الإخفاقات السياسية والأمنية التي راكمتها السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع طيلة الأشهر الماضية.
ينصّ القرار المذكور على انتقال سياسي وفق خطوات مرحلية بمهل زمنية واضحة، يفترض أن تؤسس لحياة سياسية ديمقراطية، تشمل تشكيل حكومة تمثيلية تعبّر عن مختلف أطياف الشعب السوري، والعمل على صياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات تحت إشراف دولي، بما يشكل مدخلاً لاستعادة سوريا كدولة ذات سيادة قانونية وسياسية. وبالتالي، فإنّ تضمين بيان مجلس الأمن عباراةً تنص على “تنفيذ عملية سياسية شاملة للجميع، استناداً إلى المبادئ الرئيسية الواردة في القرار 2254 ويشمل ذلك حماية حقوق السوريين كافة”، و”ضرورة أن تلبي هذه العملية السياسية التطلعات المشروعة للسوريين قاطبة وأن تحميهم جميعاً وتمكّنهم من تقرير مستقبلهم على نحو سلمي ومستقل وديمقراطي”، فضلاً عن تجديد تأكيده على “أهمية دور الأمم المتحدة في دعم عملية الانتقال السياسي في سوريا وفق المبادئ التي ينص عليها القرار”، والتعبير عن “دعمه لجهود مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة في هذا الصدد”، يُفهَم منها جميعاً نوع من تشكيك أعضاء المجلس، بالإجراءات السياسية الأحادية التي قامت بها السلطة الانتقالية، منذ “مؤتمر النصر” وتنصيب الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية: مؤتمر الحوار الوطني الهزيل، ثمّ الإعلان الدستوري الذي يمنح الشرع صلاحيات مطلقة، وبعده تشكيل حكومة تهيمن عليها هيئة تحرير الشام ومن يدور في فلكها، وصولاً إلى مجلس الشعب المزمع تعيينه قريباً.
هذا الإصرار الدولي على العملية السياسية الشاملة بمرجعية القرار 2254، من شأنه أن يشكّل نوعاً من الضغط السياسي على السلطة الانتقالية، والتي يسميها بيان مجلس الأمن “السلطات السورية المؤقتة”، ويضعها أمام حقيقة قصور أدائها في معالجة مختلف الملفات الداخلية الشائكة، بدليل تكرار المجازر والانتهاكات في سوريا، وتورّط أجهزة السلطة ومواليها فيها، إضافة إلى فشلها في التوصل إلى تسوية مع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق البلاد، وبقاء اتفاق 10 مارس/آذار حبراً على ورق، مع استمرار الخلافات وتصاعد خطاب أبواق السلطة في التحريض والتهديد ضدّ الكرد. كل ذلك يؤشّر على عجز السلطة الانتقالية الحالية، بنهجها الإقصائي الفصائلي، عن تجاوز الانقسامات التي تعيق إمكانية تحقيق استقرار سياسي وأمني، وسلم مستدام في سوريا.
من جهة ثانية، طالب بيان مجلس الأمن “السلطات السورية المؤقتة أن تضمن مساءلة جميع مرتكبي أعمال العنف وتقديمهم إلى العدالة بغض النظر عن انتماءاتهم”، مشدّداً على “أهمية الشمول والشفافية في عمليات العدالة والمصالحة وضرورتها الملحّة لإحلال السلام”، في إشارة إلى القلق من استمرار حالة الإفلات من المحاسبة لمرتكبي جرائم الحرب. وهنا يجدر التنويه إلى أنّ هذه المطالبات الدولية بتحقيق العدالة لضحايا مجازر السويداء والساحل، والتي جرى توثيق كثير منها بكاميرات هواتف الجناة أنفسهم من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية وما يحلو للسلطة تسميته “فصائل غير منضبطة”، وكذلك حديث البيان عن “إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع المجتمعات المحلية المتضررة في السويداء وجميع أنحاء سوريا على نحو كامل وآمن وسريع ودون عوائق”، ستبقى كلّها دعوات من دون جدوى، ما لم تترافق مع آليات ضغط دولية جدّية، خصوصاً وأنّ منظمات حقوقية محلية ودولية شككت بإجراءات السلطة، وباستقلالية لجانها الموكلة بهذه الملفات. ومما يزيد من أزمة الثقة تاريخ السلطة الهشّ أصلاً في مجال حقوق الإنسان، على ما تدلّ سيرة رموزها ونواتها الصلبة، المنحدرين من تيار سلفي جهادي كان مرتبطاً بتنظيم القاعدة.
خلاصة موقف مجلس الأمن تقوم على تذكير سلطة دمشق وداعميها بما يجب أن يكون لإنقاذ سوريا والسوريين، وتحفّظه الضمني تجاه ما هو قائم حالياً. ويبقى السؤال الأهم: هل ستتشكّل إرادة حقيقية لدى القوى الفاعلة الدولية والإقليمية والداخلية لتحويل هذه الإشارات والمواقف، المباشر منها والضمني، إلى أفعال سياسية ملموسة، أم أن سوريا ستظل رهينة تخبّط سلطة فصائلية عابثة، لا يبدو أنها تدرك حجم الكارثة؟





