سركيس قصارجيان
شهدت منطقة جنوب القوقاز قبل أيام خطوة تاريخية مهمة تمثّلت بتوقيع إعلان تفاهم أولي بين رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة ثلاثية في واشنطن.
الاتفاق الذي جاء بعد عقود من الصراع الدامي حول إقليم ناغورنو كاراباخ، يحمل آمالاً كبيرة في إنهاء أحد أطول النزاعات في المنطقة، لكنه يفتح في الوقت ذاته أفقاً جديداً من التحديات الجيوسياسية، وسط تحوّلات جذرية في مسار الدولتين والمنطقة ككل.
سياق اتفاق السلام والممر الإستراتيجي
منذ حرب ناغورنو كاراباخ الأخيرة عام 2020، وعلى مدى نحو خمس سنوات، والحديث يتكرّر عن اتفاق السلام المحتمل بين أذربيجان وأرمينيا وربطه بسياق إستراتيجي من خلال “ممر زنغزور”. الممر كان يدغدغ أحلام تركيا بالوصول المباشر إلى أذربيجان، ومن هناك إلى العالم التركي عبر بحر قزوين وصولاً إلى الصين.
لكن، الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يترك امتياز تقديم اتفاق السلام، الذي جرى تحضيره لعدة سنوات وأصبح جاهزاً إلى حدٍّ كبير في شهر آذار/مارس الماضي. كذلك استولى الأميركيون على ملف الممر الإستراتيجي وتم إسناد خطته لشركات أميركية، ليتحوّل اسمه إلى “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي”، وعرف اختصاراً بـ ” TRIPP”.
في القمة الثلاثية بواشنطن تم التوقيع على إعلان مشترك، وُصف بأنه “خارطة طريق للسلام”، حين وقّع باشينيان وعلييف مذكرة تفاهم تعبر عن نيتهما لتوقيع اتفاق سلام، بينما أضاف ترامب توقيعه كوسيط وشاهد.
الاتفاق لم يُوقّع بعد بشكل نهائي، إذ لدى أذربيجان مطالب إضافية، أبرزها تعديل الدستور الأرمني لشطب أي إشارة إلى حق أرمينيا في المطالبة بناغورنو كاراباخ.
ترامب قال إن الاتفاق يتعهد بوقف النزاعات، وبدء العلاقات التجارية والدبلوماسية، والاحترام المتبادل لوحدة الأراضي، معلناً رفع العقوبات في قطاع الصناعات الدفاعية عن أذربيجان. لكن، رغم ذلك، بقيت بعض القضايا عالقة، منها التعديلات الدستورية الأرمينية، وفتح طرق النقل الإقليمية، إضافة إلى قضية عودة الأرمن الذين غادروا أو أُبعدوا عن ناغورنو كاراباخ.
كما تم في القمة، التوقيع على رسالة مشتركة تطالب بحلّ مجموعة مينسك التي كانت تتولى الوساطة بين البلدين والمكونة من أميركا وفرنسا وروسيا، في موقف طالما تبنته تركيا وأذربيجان، اللتان اعتبرتا المجموعة سبباً في إطالة الأزمة وتركها من دون حل.
مكاسب وخسائر الطرفين
يمثّل الاتفاق انتصاراً دبلوماسياً واستراتيجياً لأذربيجان التي تمكنت أخيراً من استعادة السيطرة على كامل إقليم ناغورنو كاراباخ، والذي ظل لعقود مركز نزاع محوري مع أرمينيا، وبالتالي الاتفاق يُفسح الطريق أمام باكو للعمل على جملة من الملفات الأخرى الحساسة بالمنطقة، من دون أن تكون أسيرة هواجس من احتمالات التدخلات الخارجية وإشعال الجبهة مجدداً مع جارتها أرمينيا.
من المكاسب الأخرى التي حققتها أذربيجان بهذا الاتفاق، هو الممر الذي بات يعرف اليوم باسم “طريق ترامب”، ويمتد عبر منطقة سيونيك الأرمينية حيث يربط الأراضي الأذربيجانية بإقليم نخجوان الأذربيجاني ذات الحكم الذاتي والمنعزل جغرافياً عن الوطن الأم. هذا الممر الجغرافي الإستراتيجي يعزز وحدة الأراضي الأذربيجانية ويتيح الوصول المباشر دون عوائق عبر الأراضي الأرمينية، ما يعد مكسباً هاماً لباكو على الصعيد الجغرافي والسياسي.
بالإضافة إلى ذلك، عزز الاتفاق علاقات أذربيجان مع الولايات المتحدة، إذ دخلت واشنطن كشريك رئيسي في إدارة المنطقة وضمن إطار اتفاق السلام، مما دعم الموقع السياسي والعسكري لباكو، وقلل من اعتمادها السابق على روسيا، وأكد على مكانتها كلاعب إقليمي قوي.
علاوة على ذلك، ساهم الاتفاق في تنويع مصادر السلاح والتعاون العسكري لأذربيجان، من خلال الانفتاح على أسواق السلاح الأميريكية بعد أن كانت تحصل عليه من خلال القنوات الإسرائيلية والتركية، وهو ما يزيد من قدراتها الدفاعية ويقلّص من حاجتها لروسيا فيما يتعلق بالتسلّح.
أما من الناحية الاقتصادية، فتح الاتفاق طرقاً جديدة للنقل والتجارة، ما يساهم في ربط القوقاز بتركيا وآسيا الوسطى وأوروبا، مع إمكانيات ضخ استثمارات كبيرة في مجالات البنية التحتية والطاقة.
تحديات أذربيجان والخسائر المحتملة
رغم هذه المكاسب الكبيرة، تواجه أذربيجان تحديات عديدة، أبرزها الإدارة المشتركة لممر زنغزرو التي نص عليها الاتفاق، حيث ستكون الإدارة أميركية – أرمينية، مما قد يحدّ من حرية التصرف الأذربيجانية في الممر ويشكل نقطة خلاف محتملة في المستقبل.
إضافة إلى ذلك، هناك التحديات السياسية الداخلية، مع وجود تيارات سياسية متباينة الرؤى والتي قد تمارس دوراً معرقلاً لتنفيذ هذا الاتفاق، خاصة إذا رأت أن مضمونه لا يحفظ كامل حقوق أذربيجان.
مكاسب أرمينيا رغم تراجع النفوذ
بالرغم من انتكاسة أرمينيا على صعيد السيطرة الإقليمية، يحمل الاتفاق بعض المكاسب النسبية التي يمكن الإشارة إليها. فقدت يريفان السيطرة الإدارية الكاملة على الممر، لكنه سيظل ضمن السيادة الأرمينية الرسمية، مع التزام الإدارة المشتركة التي قد تجلب استثمارات أميركية مهمة لتطوير المنطقة، الأمر الذي من شأنه أن يفتح الآفاق أمام قضايا التنمية والنهوض بالاقتصاد المحلي.
كما يفتح الاتفاق أبواباً جديدة للتعاون الدولي، خصوصاً مع انفتاح أرمينيا على الدعم الأميركي وبناء العلاقات الاقتصادية مع تركيا. فمن المعلوم، تعاني أرمينيا من عزلة جغرافية مع حدود مغلقة كاملةً مع كل من أذربيجان شرقاً وتركيا غرباً، ورغم وجود حدود مفتوحة مع إيران جنوباً، إلا أن العزلة التي تعاني منها إيران تحدُّ من جدوى هذه البوابة الحدودية، لتبقى الحدود مع جورجيا غير المستقرة شمالاً البوابة النشطة الوحيدة لأرمينيا مع العالم.
الاتّفاق الأخير في حال تنفيذه سيؤدي إلى فتح الحدود مع كل من تركيا وأذربيجان مما يعيد إحياء آمال التطوير الاقتصادي والسياسي، ويعزز من الاستقرار النسبي في المنطقة، إذ يُنهي نزاعاً طويلاً ويفتح المجال لخفض التوترات الداخلية والإقليمية.
خسائر أرمينيا والتحديات الداخلية والخارجية
تواجه أرمينيا خسائر وتحديات داخلية وخارجية جمّة، تتمثل في فقدان السيطرة الإستراتيجية على الممر في جنوب البلاد، ما يعكس ضغوطاً جغرافية وسياسية مؤثرة، خصوصاً مع وجود إدارة مشتركة قد تؤدي إلى فقدان أرمينيا القدرة على ضبط تحركات أذربيجان عبر أراضيها.
كما أن التوتر الداخلي السياسي والاجتماعي لا يزال قوياً، حيث هناك رفض واسع للاتفاق داخل أوساط المعارضة التي تخشى فقدان المزيد من الحقوق السيادية.
في الوقت ذاته، تواجه عملية التطبيع بين أرمينيا وتركيا العديد من التحديات والعقبات، أبرزها قضية الإبادة الأرمنية التي تظل عائقاً سياسياً وأخلاقياً كبيراً، حيث تصرّ أرمينيا على الاعتراف الرسمي فيما ترفض تركيا ذلك.
كما توجد تيارات قوية داخل أرمينيا تعارض أي تقارب مع تركيا دون حل شامل لقضايا حقوق الإنسان والسيادة الوطنية.
علاوة على ذلك، تبقى العلاقة الأرمينية – الأذربيجانية متوترة، وهو ما من شأنه أن يؤثر بالتالي على طموحات التطبيع التركي الأرميني، خصوصاً وأن تراجع نفوذ روسيا في أرمينيا بعد خروج الأخيرة من تحت الهيمنة الروسية الأمنية والإستراتيجية، يضع البلاد في موقف هشّ أمام التوسع الملحوظ للنفوذ التركي.
وأخيراً، تواجه أرمينيا صعوبات في الحفاظ على مكانتها السياسية والاقتصادية في ظل الانفتاح الجديد والتحديات الداخلية المتعددة.
الرابح والخاسر من القوى الإقليمية والدولية
تعد الولايات المتحدة الأميركية من أكبر الرابحين، إذ تمكنت من فرض دور مركزي في جنوب القوقاز بعد عقود من غياب النفوذ المباشر، وذلك عبر رعاية الاتفاق وفرض إدارة مشتركة للطريق الحيوي، مما يضعها في موقع قوة ضمن منطقة لطالما اعتبرت الحديقة الخلفية لموسكو ومجال أمنها القومي الحيوي.
هذا الممر الإستراتيجي يعزز بشكل كبير تمركز النفوذ الأميركي في المنطقة، مما يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على إدارة التوازنات السياسية والاقتصادية في القوقاز.
كذلك تُعد تركيا من المستفيدين من هذا الاتفاق، الذي من شأنه أن يفتح أمامها الطريق لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية وعسكرية في القوقاز وآسيا الوسطى، وذلك من خلال تعزيز سبل التجارة والنقل والطاقة بين كل من تركيا وأذربيجان وأوروبا، ولا سيما في ظل التقلص الحتمي للنفوذ الروسي في منطقة القوقاز من جراء الاتفاق المذكور.
من جهتها، تعزز أذربيجان بهذا الإنجاز مكانتها كلاعب قوي ومستقل على الساحة الإقليمية، مستفيدة من المكاسب الوطنية والإستراتيجية التي حققتها.
في المقابل، تبرز روسيا بشكل واضح كخاسر رئيسي، إذ تعرضت لأكبر انتكاسة في نفوذها على جنوب القوقاز، مع تراجع دورها كضامن أمني وإستراتيجي رئيسي، وابتعاد أرمينيا الحليفة التقليدية عنها، وزيادة النفوذ الأميركي والتركي في حديقتها الخلفية.
شهد النفوذ الروسي في القوقاز تراجعاً واضحاً نتيجة انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا ومشاكلها الداخلية والخارجية، مما أفقدها القدرة على التأثير الفعلي في المنطقة، وأصبح دورها مراقباً صامتاً.
رغم ذلك، تحتفظ روسيا ببعض النفوذ المحدود في شمال القوقاز، أبخازيا، أوسيتيا الجنوبية، وبعض العلاقات الأمنية مع أرمينيا، لكنها لم تعد اللاعب المسيطر على المشهد. ومن المحتمل أن تسعى روسيا لإعادة التموضع مستقبلاً، خصوصاً بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، لكنها ستواجه بعد اليوم منافسة قوية من الولايات المتحدة وتركيا.
كما يعكس خروج أرمينيا من منظمة معاهدة الأمن الجماعي الروسية وفتحها العلاقات مع الولايات المتحدة وتركيا تحولاً إستراتيجياً في التحالفات الإقليمية.
كذلك، شهدت إيران تراجعاً في نفوذها بسبب تقلص اعتماد أرمينيا على طهران، والضغط الناجم عن وجود ممر أميركي – تركي بالقرب من حدودها، ما يشكل تهديداً لإستراتيجياتها الإقليمية والسياسية.
يشكل وجود هذا الممر ضغطاً إقليمياً على كل من إيران وروسيا، اللتين تجدان فيه تهديداً مباشراً لمصالحهما في المنطقة، وقد يؤدي هذا الضغط إلى تصعيدات غير متوقعة على الصعيد الإقليمي.
الانعكاسات الإقليمية الأوسع
يساهم الاتفاق في تشكيل هيكل أمني جديد في القوقاز، يبرز فيه دور الولايات المتحدة كضامن رئيسي للأمن في المنطقة بمشاركة تركيا، مقابل تراجع نفوذ روسيا وإيران.
كما دفع هذا التطور إيران إلى إعادة تقييم وجودها الإستراتيجي في الجنوب، لا سيما مع تراجع اعتماد أرمينيا عليها في مجالات الأمن والطاقة.
مع ذلك، فإن مخاطر التصعيدات المستقبلية تبقى واردة، في ظل المنافسة المتزايدة بين القوى الكبرى، إذ قد تنشأ صراعات جانبية أو تحديات أمنية إذا لم تُدَر التوازنات بحكمة.
خاتمة
يمثّل اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان فرصة فريدة لإعادة النظر في العلاقات الأرمينية – التركية التي طالما عانت من التوترات التاريخية والسياسية. ورغم وجود تحديات جذرية، إلا أن المعطيات الجديدة تتيح المجال لإمكانية فتح صفحة جديدة تقوم على التعاون والتفاهم، شرط وجود إرادة سياسية حقيقية وتعاون إقليمي ودولي متوازن.
يشكل اتفاق السلام الأولي بين أرمينيا وأذربيجان برعاية ترامب محطة تاريخية في جنوب القوقاز، إذ يفتح مرحلة جديدة من السلام المحتمل، لكنه في الوقت نفسه يرسم خريطة جديدة من التحديات السياسية، القانونية، والجيوسياسية. تعكس المكاسب التي تحققت لأذربيجان وتركيا والولايات المتحدة، إلى جانب الخسائر الكبيرة لروسيا وإيران، تحولات عميقة في ميزان القوى الإقليمية والدولية.
في كل الأحوال، تبقى المنطقة أمام ديناميكيات متغيرة، وقد تشهد تحولات جذرية تعيد رسم خريطتها السياسية والإستراتيجية، مع تأثيرات قد تمتد إلى شمال القوقاز وتركيا وإيران.





