شورش درويش
كثيراً ما تردّدت عبارة مفادها أن نظام الأسد حوّل سوريا إلى “مزرعة”. هذه العبارة جديرة بالإعجاب لأنها كثّفت صورة وجوهر الحكم الذي هيمن على البلاد لأكثر من خمسة عقود، ذلك أن “المزرعة” هي أحد الأمكنة المثالية لتصوير العلاقة بين السيّد (وهم في الواقع سادة متمثّلين بالنخب الحاكمة)، وبين العبيد أو الرعايا.
لا يمكن الجزم بأن من أطلقوا هذا التوصيف كانوا على دراية بالعلاقة بين كلمتي مزرعة واستعمار؛ فأصل مصطلح “استعمار” Colonization مشتّق من الكلمة اللاتينية Colonus التي تعني المزارع، حيث كانت المستعمرات القديمة عبارة عن مزارع بادئ الأمر وتدخل في خدمة الدولة – المدينة ونخبها الحاكمة. وبهذا المعنى فإن الاستعمار بوجهيه، الخارجي والداخلي، متوازيان لجهة توسّلهما القوة في عملية بسط السيطرة على المستعمرات واستغلالها، لكنهما يختلفان من حيث مآل عملية الاستغلال، فالاستعمار الخارجي يسعى إلى استغلال الموارد في المستعمرات لصالح الدولة المستعمِرة ورفاه سكّانها، فيما يسعى الاستعمار الداخلي إلى استغلال الموارد الوطنية لصالح النُخب المركزية الحاكمة وليس لصالح الدولة المجرّدة.
لكن، هل يمكن إسقاط مصطلح الاستعمار الداخلي على سياسات نظام الأسد في مناطق سورية معيّنة؟ وهل ثمة نهج موازٍ تتبعه سلطة دمشق الحالية التي تفكّر بإلحاق المناطق بالقوّة الغاشمة وتسيير حملات “الغزو الداخلي” التي ستؤدّي في نهاية المطاف إلى إيجاد صيغة استعمار داخلي؟
من وجهة نظر تاريخية، يبدو مصطلح الاستعمار الداخليّ غير معرّفٍ بدقة، رغم أنه ليس بالجديد، إذ سبق للشعبويين الروس استخدام المصطلح لوصف استغلال الطبقات المدينية للفلاحين. وقد استخدم لينين المصطلح عام 1896 لوصف إلحاق الاستبداد القيصري القسريّ لمناطق داخل الإمبراطورية وجعلها سوقاً داخلية لرأس المال المتمركز في سانت بطرسبرغ وموسكو. كان لتبنّي لينين وغرامشي للمصطلح دور في تحديد نطاق ما يريدان قوله من وراء جذب الانتباه لفكرة الاستعمار الداخلي وما نجم عنه من تخلّف اقتصادي لبعض المناطق الروسية والإيطالية نتيجة “سياسات اقتصادية لدولة مركزية” (نظريات القومية-أوزكيريملي2013: 150). في ستينيات القرن الماضي جرى إحياء المصطلح واقتصر على وصف “المناطق المحرومة اقتصادياً والمتميّزة ثقافياً” عن المناطق المركزية. وقد جرى استخدام هذا المصطلح بصورة موسّعة في أميركا اللاتينية لوصف سياسات الحكّام العسكريين والأولغاريشية في مواجهة الأقاليم وسياسات نهب الثروات الوطنية.
داخل سوريا ثمة شواهد عديدة على وجود استعمارٍ داخلي زمن حكم البعث. مثّلت المنطقة الكردية بشكل خاص، ومحافظات الجزيرة السورية الثلاث، المكان المثالي لتطبيق سياسات الدولة المركزية ذات المنحى الاستعماري، واعتبار الموارد الباطنية والزراعية وحتى الثروة الحيوانية جزءاً من ثروة المركز وبالتالي جعلها في مقام الملكيات الخاصّة التي تتصرّف فيها نخبة الحكم. وبدل اعتبار هذه الموارد جزءاً من ثروة مشتركة وعمومية، انطلقت عملية تتقاطع مع الفهم الاستعماري لفكرة إدارة الثروات لصالح المركز والنخبة، وفي المثال السوري يمكن لنا اقتباس عبارات تحدّث عنها بيتر كالفيرت حول ضرر استخدام الموارد المشتركة وتغليفه بشعارات “بناء الأمة” و”التنمية” لتبرير أفعال السلطة (Third World Quarterly, Vol 22, No 1, pp 51– 63, 2001).
تطلّبت عملية بناء الأمة على الطريقة البعثيّة تجريد آلاف الفلاحين الكرد من ملكياتهم الزراعية وإعادة تنظيم المساحة الزراعية بشكل يفضي إلى إفقار الكرد، وإقامة “مستوطنات زراعية” تحت مسمّى “الحزام العربيّ” الذي أعاد تركيب الجغرافية الكردية بمحافظة الحسكة، واتباع نموذج “مزارع الدولة” المنسوخ عن تجربة ألمانيا الشرقية لتحقيق التنمية الزراعية. وقد ورد لفظ “المستوطنات” بشكله الحرفيّ في توصيات الضابط البعثي محمد طلب هلال، الأمر الذي يمثّل استخداماً غير واعٍ لفكرة أن النظام بإمكانه التصرّف في بلده كنظام مستعمِر.
ما يميّز نُخب هذا النمط من الاستعمار هو قدرتها على تضخيم عدد سكان المراكز المدينية الكبرى على حساب الهجرات من الريف والمناطق المفقرة بناءً على التشريعات التي تصبّ في خدمة سياسات المركز. ويقدّم المرسوم 49 لعام 2008 الناظم لأحكام التملك والاستثمار في المناطق الحدودية مثالاً واضحاً لقدرة الدولة/المركز على دفع عشرات الآلاف من أبناء محافظة الحسكة باتجاه مدن الصفيح والعشوائيات التي تحيط بدمشق وسواها من مدن الداخل، وبالمثل جرى التعامل مع محافظات أخرى ولأسباب مختلفة، حتى أنّ الديكتاتور بشار الأسد لاحظ أن قيامة السوريين ضد حكمه جاءت من العمق الريفي، أي من المستعمرات التي جفّفها النظام، وما تسبب به تأخر سوريا عن تنفيذ مشاريع “التنمية المتوازنة”، وإذا كان هذا الاعتراف متأخراً بعد نحو سبعة أعوام على بدء حركة الاحتجاج ضد حكم الأسد الفاسد والقمعي، فإنه بالمقابل يستبطن إجابة حول ماهية النظام الذي حاول حصر السياسة والاقتصاد والتنمية في حدود المدن المركزية التي تُحكم من قبل نُخب السلطة.
ولئن كانت الحكمة الاستعمارية تعتمد على سياسة “فرّق تسد”، فإن الكثير من ذلك جرى في سوريا الأسد. لننظر مثلاً إلى أحداث ملعب القامشلي الدامية عام 2004 وما نتج عنها من انتفاضة كردية عارمة، وكيف سعى النظام إلى تأليب العشائر العربية على الكرد وإحداث شرخ وطنيّ وارتياب كردي عربي متبادل، ويمكن كذلك النظر إلى المشكلات الدوريّة بين البدو والدروز واحتكامهما على الدوام لتدخّلات السلطة بدل أن تسعى الأخيرة إلى تجفيف منابع هذا الصراع الأهلي. إن تدخّل السلطة بعد حدوث المشكلات الأهلية يخلّف شبكات زبائن ومحاسيب تسعى للتحالف مع النظام أو البحث عن رضاه، وهذه الشبكات عادة ما تأتي من مختلف الجماعات الأهلية التي تسعى لأن تتوازن قوّتها مع قوّة الجماعة الأهلية الأخرى. بهذا المعنى أيضاً تشكّل الزبائنية إحدى علامات النظام الاستعماريّ المسجّلة.
لقد برز الطابع الاستعماري لنظام الأسد مع تنامي الوحشية وأعمال العنف وشن الحملات لفرض الهيمنة العسكرية وحصار المدن وما استببع ذلك من استباحة للملكيات وعمليات التعفيش بعد عام 2011. وقد سبقت هذه الإجراءات الوحشية تمارين ضيّقة النطاق في حماة (1982)، وبيروت بعد وقت قصير من بدء التدخل السوري في لبنان (1976). يمكن وصف هذه النزعة الوحشيّة بأنها النسخة “السورية” من سياسات “الأرض المحروقة” الأثيرة التي ميّزت عمل الاستعمار الخارجي في المحطات التي تطلّبت فرضاً للهيمنة وضبطاً لحالات التمرّد والاضطراب.
قد يكون من المفيد تسليط الضوء على ظاهرة حمل الجنرالات الانقلابيين، في المرحلة التي تلت الاستعمار الخارجي، ملامح النظام الاستعماري الأسبق، والاحتفاظ تالياً بـ”كاتلوغ” الحكم القائم على حروب تأديب “العصاة” وتكريس التفرقة بين المكوّنات والاعتماد على العصبية العسكرية والمدينية أو حتى الطائفية والجهويّة لتأمين الحكم. ويبدو أن هذه التقاليد المتناقلة بين الأنظمة الانقلابية تجذّرت بعمق في زمن حكم الأسدين، وثمة إشارات تبرز في هذه الأثناء على انتقال هذه التقاليد إلى السلطة السورية الانتقالية الحالية، التي تتطلّع إلى “تأديب الأقليات”، والتمييز بين السوريين البيض والسود، وتنظيم حملات الغزو الداخلي تحت أيّ ذريعة كانت.
اتبعت السلطة الجديدة منذ بداية مارس/آذار الماضي سياسة الأرض المحروقة تجاه العلويين أوّلاً، وتبع ذلك إطلاق موجة عنف لا يمكن تبريرها طاولت الدروز في منطقتي أشرفية صحنايا وجرمانا، ثم بعد ذلك بأكثر من شهر بدأ الزحف صوب معقل الدروز الرئيسي في السويداء، وعلى إثر هاتين الغزوتين الداخليتين جرى تجريب امتهان كرامة السوريين بالصوت والصورة، ووقوع تصفيات ميدانية، وقتل عائلات بأكملها، فيما وثّقت الكاميرا مشاهد التعفيش والنهب وحرق وتخريب الممتلكات وسبل عيش السكان.
إن الغاية من طرد آلاف الموظّفين من الجهاز البيروقراطي بداعي تطهير أجهزة الدولة من “اللوثة” الطائفية التي عطّلت عملية بناء الأمّة الصحيحة واستبدال هيمنة أقلويّة مفترضة بأخرى تمثّلها “أكثرية متخيّلة”، ثم فرض الهيمنة على السكان المحليين ووضعهم في بنك أهداف السلطة ومؤيّديها على الدوام، يعني أن الغزو الداخلي هو المقدّمة العملية لفرض صيغة استعمار داخلي تتجاوز تلك التي اتبعها نظام الأسد، فيما السعي إلى تحويل مناطق “المكوّنات” إلى “مستعمرات عقاب” أو إلى مزارع جديدة، فينطلق من الرغبة المريضة في إعادة تصنيع الأمّة الخاضعة بدورها لسلطة الجماعة المتغلّبة. ومن حقّ هذه الأمّة المتخيّلة تالياً أن توجّه مستقبل مناطق بقيّة المكوّنات اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً بالشكل الذي يوفّر للنخبة الحاكمة كل مقوّمات الانتقال من محض سلطة استبداية مركزيّة إلى أخرى شمولية تحمل روح النظام الثيوقراطي المعادي لكل ما يمت بصلة لمبدأ المواطنة المتساوية.
لا يمكن إبداء مقدار بسيط من التفاؤل فيما خص التحرّر من صيغ الاستعمار الداخلي وتعطيل أفكار الغزو وحملات التأديب مع وجود نظام شديد المركزية، ذلك أن إقامة نظام لامركزي متوازن بات ضرورة لتقييد أي سلطة مطلقة تسعى لتحويل سوريا إلى مزرعة تخصّ جماعة جديدة.





