طارق حمو
تسابق السلطة الانتقالية في دمشق الزمن لإحكام السيطرة على المكون العربي السنّي، عبر القيام بمجموعة من السياسات/ الإجراءات التحشيدية، تبدأ من التحريض ضد المكونات السورية غير العربية (الكرد)، وتلك العربية غير السنيّة (العلويين والدروز) وتصويرها خارج سياق “السلطة/ الدولة” متمردة عليها، وتمر بإعادة تعريف الدولة وفرضها كوحدة قائمة على هوية أحادية ضيقة وشديدة المركزية، لا تقبل بأي هويات أو خصوصيات خارج إطار مظلة “العرب السُّنّة”، وتنتهي بالمطالبة الرسمية العلنية بالمشاركة في حملات التطهير العرقي والمذهبي من قبيل “النفير العام” و”فزعة العشائر”. يقوم كل هذا “التوريط” للمكون القومي والمذهبي السوري الأكبر، على أمل شرعنة هذه السلطة (هيئة تحرير الشام) لحكمها والتخلص من حالة العزلة التي تشعر بها الآن، وكانت تشعر بها سابقاً وهي تحكم إدلب، في كونها فصيل أيديولوجي خٌلق عابراً للحدود، لا يعترف بالوطنية وبحكم الشعب، قائم على تفسير سلفي جهادي، لا تلقى رؤاه حماساً بين السوريين، ولا يملك أي حاضنة تؤمن بأفكاره وتدافع عنها.
يٌراد تشكيل سوريا كأغلبية وأقليات. أن تكون الأغلبية شريحة واحدة متراصة ومتكتلة خلف السلطة، تنقاد لها وتسلمها أمرها، بينما “الأقليات” تظهر مبعثرة، محاصرة ومنهكة، خارج ميزان الحسابات. ولكي تتمكن السلطة من ذلك، تعمد إلى الرفع من سوّية الخطاب القومي الطائفي، ومضاعفة الضخ الإعلامي باتجاه واحد، ودائماً بالإعتماد على سرديات عديدة تعمل على تمريرها كحقائق لا يسمح بالتشكيك فيها أو التعرض لها، وكل ذلك بهدف تثوير الشريحة العربية السنيّة، وخندقتها خلف “الدولة”!. وبالموازاة مع هذه المنهجية في “العمل السياسي”، تواصل السلطة دفن الإرث السياسي السوري المعارض، عبر إقصاء الأحزاب والقوى الوطنية التاريخية عن المشهد وشطبها من الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي. كما وتذهب في منع نهوض المجتمع المدني، ومحاربة المرأة، والحيلولة دون تمظهرها في أطر سورية جامعة، عابرة للمناطقيّة والطائفية والقومية، وبالتالي إفشال كل مساعي تأسيس حياة سياسية مدنية وطنية. تهدف السلطة إلى صناعة “الحاضنة”، عبر مخاطبة العلاقات البدائية الدنيا، والنزول إلى قاع المجتمع، حيث تؤصل من جديد للعشيرة والمشيخات، كبنى وقاعدة لها من جهة، وكأدوات قمع وترهيب لخصومها السياسيين من جهة أخرى.
ما ينقص السلطة الآن هو الحاضنة، فهي تعرف نفسها معزولة ولا جذور لها في المجتمع السوري. تعلم مدى حالة الاغتراب التي تعيشها، والرفض الآتي من الحواضن السورية المدينية السنيّة. لذلك فهي تذهب في الاعتماد على الأطراف المهمشة على جمهور فئوي بإمكانيات معرفية بسيطة، حالت ظروف الحرب وحياة المخيمات دون تلقيه العلم والإطلاع على قيم المواطنة والعيش المشترك وتقبل الاختلاف والتنوع. وعلاوة على الحمولة النظرية في الضخ الإعلامي والتحشيد والتحريض بغرض تطويع وتثوير المكون العربي السنّي، هناك إجراءات عملية تلجأ إليها السلطة، لكي تدعم خطابها الإعلامي والسياسي بشيء من الواقع. ومثال ذلك ما جرى في السويداء من هجمات طالت المواطنين الدروز، واستخدام “ورقة” العشائر البدوية، لتحريك مجموعات منفلتة خارجة عن القانون والعرف القبلي العربي (بعضها يقودها أمراء حرب محليون، كانوا قبل أشهر قادة للميليشيات التي شكّلها الحرس الثوري الإيراني) للهجوم على جبل الدروز والتنكيل بالمكون الدرزي السوري. ولم يكن بريئاً أبداً موافقة السلطة على إخراج العائلات البدوية السنيّة من السويداء على مرأى ومسمع السوريين والرأي العام العربي.
الموافقة على تهجير البدو من السويداء، يخدم سردية السلطة في وجود “مؤامرة أقلوية” على “الأغلبية السنيّة”. إنها سردية/خطة الفرز الطائفي والقومي التي تعمل عليها السلطة، بغية خلق مناطق نقية وصافية، تتمكن فيها السلطة من “إحلال” مكونها الحاضنة مكان الأقليات التي تعتبرها غير موالية للدولة المركزية ذات اللون الأوحد، التي تشتغل، بمعية الخارج، على تشكيلها وتثبيت أركانها.
لا شك أن السلطة تلاقي صعوبة في تجنيد المكون العربي السنّي وخاصة في المدن والحواضر الكبيرة (دمشق، حلب، حمص وحماة) ضمن المسارات التي رسمتها، وفق خطط موضوعة تبدو كأنها متأتية بشكل ملفت من منهجية “إدارة التوحش” التي وضعها المنظر الجهادي أبو بكر ناجي. تظهر السلطة وكأنها تسير في المرحلة الأولى من تلك المنهجية وهي مرحلة (النكاية والإنهاك)، حيث افتعال الأزمات لخلخلة المجتمعات المحلية والإيصال بها إلى مرحلة “غياب القانون”، بغية التدخل بقوة لإدارة التوحش وفقاً للقواعد الموضوعة في ذلك “المانيفستو” الجهادي المشهور. كما وتصطدم خطط السلطة بمجموعة من الانتهاكات الفظيعة بحق مواطنين عرب سنّة، تبدأ من الاعتقال وسلب الحياة، وتمر باقتحام المساجد لتصحيح العبادات وطريقة الصلاة والتلاوة، ولا تنتهي بتخريب حفلات الزواج والاعتداء على الحضور والتنكيل بالمطربين وأعضاء الفرق الموسيقية!. مثل هذه الانتهاكات بدأت تلقي بظلالها داخل المجتمعات العربية السنيّة وتخلق حالة من التململ والاستياء إزاء سلطة تريد فرض رؤاها المتشددة وفكرها الظلامي على أناس عاشوا الدين كل حياتهم وفق منهج محلي معتدل. ولعل المشاركة الشعبية الهزيلة، بل والمجهرية، في المظاهرات التي دعت إليها السلطة لإظهار تأييد الجماهير لها، توضح مدى حالة الغضب من سياسات وتصرفات هذه السلطة التي لا تكاد تخرج من مواجهة مع مكون سوري، حتى تدخل في جديدة مع مكون آخر، ناهيك عن التضييق المستمر بحق السوريين السنّة من أهل المدن والحواضر الكبرى.
وكعادتها في التهرب من الواقع وتزييف الحقائق (تقرير لجنة تقصي حقائق أحداث الساحل، السردية الرسمية حول أحداث السويداء..الخ) ماتزال السلطة تلجأ إلى الخارج لتقدم الاتصالات والزيارات الدبلوماسية كانجازات حققتها للسوريين الغارقين في أتون الصراعات الداخلية وتبعات المواجهات وحالة انعدام الأمن. كذلك تلجأ السلطة إلى المناسبات والمراسيم، التي أصبحت شبه يومية، في توقيع عقود بناء بمليارات الدولارات (مترو أنفاق، توسيع مطار دمشق الدولي، تشييد أبراج شاهقة في العاصمة..الخ)، في تصوير نفسها وكأنها حلت كل القضايا والمشاكل الداخلية، ووطدت لدولة قانون ومؤسسات تراعي الخصوصيات وتسير بشكل لامركزي سلس وشفاف، ولم يبق سوى المشاريع الكبيرة الفخمة من أبراج ومطارات، بعد تحقيق “الإنجاز العظيم” المتمثل في “الهوية البصرية” العتيدة للدولة الجديدة!. والحال بأن ما تظهره السلطة من انهماك في البناء والإعمار، ما هو إلا هروب من الاستحقاقات الكبيرة في إنهاء واقع التنكيل بالسوريين وارتكاب المجازر بحقهم، والخروج من المرحلة الانتقالية، وقبول مؤتمر توافق وطني لتحديد معالم الدولة القائمة بعيداً عن منهجية “التمكين” التي تسيّرها السلطة، وتحاول جر المكون العربي السنّي السوري ليتحول إلى أداة في تحقيق وتثبيت هذا التمكين.
الظاهر بأن خطاب تحشيد وتأليب المكون العربي السنّي، بعد “النفير العام” و”فزعة العشائر”، والشكر الذي وجهه الرئيس الإنتقالي للمجموعات “الرديفة” التي هاجمت المكون الدرزي في السويداء وقتلت وأهانت البشر هناك، أصبح سياسة واضحة ومستترة للسلطة. وجراء هذا الخطاب بدأت خلايا “داعش” تظهر علانية برموزها وشعاراتها ضمن موجات الإغارة التي شنتها وتشنها السلطة في الساحل وريف دمشق والسويداء. كما بدأت مجموعات أكثر تشدداً تبرز لتنادي علانية بالتطهير العرقي والتصفية، ومثال ذلك جماعة “أنصار السنّة”، المنشقة عن صفوف (هيئة تحرير الشام)، التي تبنت تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، وبدأت بإشاعة دعاية في القنوات الجهادية تؤلب المقاتلين على المكونات الدينية والطائفية، وتخون السلطة وتتهمها بـ “الردة والانصياع للطاغوت”!. وضمن كل هذا المشهد، ولتحقيق الهدف الأكبر وهو بقائها في الحكم، تستمر ـ وتستميت ـ السلطة في التمسك بالسياسة الأثيرة لديها، وهي مواصلة الإشتغال كجماعة وظيفية، تعمل ب”فهلوة” تظنها فناً تجيده باتقان، في إقامة العلاقات مع دول ومحاور تتضارب مصالحها وأجنداتها على جسد الوطن والشعب السوريين.





