حسين جمو
لم تعرف الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط نموذجاً أشد خطورة على المكونات الاجتماعية من «الدولة القومية» الحديثة، تلك الصيغة التي وُلدت في أوروبا القرن التاسع عشر وجرى استيرادها إلى بيئات تعددية كبلاد الشام والأناضول وما جاورهما. على خلاف الإمبراطوريات القديمة أو السلطانيات التقليدية التي اعتمدت على نظم حكم متعددة الطبقات، تسمح بقدر من التعايش بين الأعراق والطوائف تحت سلطة عليا، جاءت الدولة القومية لتفرض منطقها الإلغائي على مجتمعات تعددية سياسياً، فأدخلت الإبادة والتهجير والتذويب القسري في جدول أعمالها اليومي، وحتى الفقهي.
يكفي النظر إلى القرن العشرين في هذه المنطقة لندرك أثر هذا التحول:
ففي أواخر العهد العثماني، حين تحولت السلطنة إلى مشروع قومي تركي، شُرعت أبواب المجازر بحق الأرمن واليونان البنطيين والسريان والآشوريين في سياق ما عُرف بتطهير المجال الحيوي للهوية الجديدة. وفي شرق المتوسط، تكررت الصيغة ذاتها بصور أقل دموية لكنها أكثر رسوخاً على المدى الطويل: التعريب القسري للكرد في العراق وسوريا، تذويب الهويات المحلية حتى تلك ذات الصلة بالعروبة، وتقييد حضور المجتمعات الدالة على التعدد ضمن دولة تبني جهازاً سلطوياً هدفه التوثب الأمني الاستباقي ضد ما يمكن أن يصدر عن فئات وأحزاب تعمل على ردع أو إصلاح «الدولة القومية الهمجية بالضرورة».
سوريا اليوم تعيش ذروة هذا المأزق. فالنظام، رغم طابعه السلفي التاريخي، وشخوصه الجهادية، لم يجد سوى «قميص الدولة القومية» ليمارس حكمه. لكن هذا القميص أصبح أكثر أكثر تشدداً في مركزيته، لأن المركزية تصنع جهازاً سلطوياً متجانساً بلا أي كوابح داخلية. سلطة لا تسمح بوجود قوى محلية أو شبكات نفوذ رافدة للدولة، وندية للسلطة، تكبح تحول الدولة إلى جهاز عنف أحادي متخصص في إطلاق الهمجية. وقد شهد السوريون هذا الوجه العاري للسلطة منذ ما بعد الاستقلال، حين تحولت الدولة إلى آلة عسكرية – أمنية في مواجهة مجتمعها، وبلغت ذروتها مع بشار الأسد، ومستمرة اليوم مع الحكام الجدد، بعد عقود من تفكيك كل الروابط الأفقية والمراكز المحلية المستقلة.
في المقابل، فإن الرؤى اللامركزية، سواء تلك التي طرحها الكرد أو التصورات المحلية للحكم الذاتي في الأوساط الدرزية و العلوية، تمثل مقاومة بنيوية لهذا النموذج التسلطي المحتال. فهذه الرؤى المقاومة لا تطرح مجرد إدارة محلية بل تقوض الفلسفة الجوهرية للدولة القومية في المشرق، التي ترى في التعددية خطراً وجودياً، لا مجرد إزعاج سياسي. وهنا يتضح جوهر الصراع السوري المعاصر: إنه صراع بين نموذج مركزي أحادي يصرّ على احتكار السلطة والهوية، وبين نماذج لا مركزية تريد إعادة توزيع القوة والاعتراف بالتنوع كبنية طبيعية للبلاد.
الأكثر دلالة هو وحدة الخطاب المعادي للامركزية بين أطراف تبدو متناقضة ظاهرياً: البعث، والإخوان المسلمون، والتيارات السلفية. كل هذه القوى، رغم تناقضاتها العقائدية، تتلاقى في الدفاع عن مركزية الدولة، وفي خطاب كراهية مشترك ضد المكونات المطالبة بالاعتراف والتمثيل الذاتي. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ «التشكيلة الأموية المعاصرة»، وهي بنية رمزية تشبه النموذج الأموي القديم الذي تمحور حول عصب قبائلي متصل بدمشق، يمارس الإقصاء على الأطراف حتى ما كان من هذه الأطراف من قبائل عربية والتلاعب المعروف للسلطة الأموية على وتر القيسية واليمانية إلى أن انفجرت بها وكانت نهايتها بها أكثر مما كانت على يد الخراسانية. وفي المقابل، تتبلور «التشكيلة العباسية – الخراسانية المعاصرة» ممثلة بقوى الهامش السوري المتعدد، التي تبحث عن حماية سياسية وهامش حركة أوسع خارج قبضة المركز.
إذاً، «الأموية المعاصرة» تضم السلفية والإخوان والبعث، أي كل التيارات التي تتفق ضمنياً على مركزية الدولة العربية – السنية أو القومية الأحادية، وتلتقي في خطاب الكراهية والتوحش ضد أي طرح تعددي أو لا مركزي، وترى أن من حقها ممارسة الإبادة والسبي، كنوع من حرية التعبير والسلوك.
أما «العباسية – الخراسانية المعاصرة» فتضم القوى التي تمثل الهامش السوري: الكرد، العلويون، الدروز، بما فيهم السنة غير المنقادين للأموية، أي الكتل التي كانت تاريخياً تبحث عن حماية سياسية من المركز، ووهذه القوى اللامركزية امتداد معاصر لقاعدة الحركات العباسية – الخراسانية التي أسقطت الأمويين الذين رفضوا التغيير والتأقلم مع تعددية مراكز القوى والنفوذ والهوية.
هذا التقابل بين «الأموية المعاصرة» و«العباسية – الخراسانية المعاصرة» ليس إيديولوجياً بقدر ما هو مجازي. إنه يكشف عن استمرار دينامية قديمة في المشرق: صراع بين مركز أحادي، محتال بالفقه والفتاوى، وبين هامش تعددي يطالب باعتراف سياسي. ومن دون معالجة هذا الانقسام التاريخي العميق، سيظل نموذج الدولة القومية في سوريا ينتج الأزمات ويعيد إنتاج العنف كلما توهم القدرة على ممارسة حريته في الإبادة.
الدولة القومية الاحتيالية
لم تشرّع أي صيغة لشكل ومفهوم الدولة عبر التاريخ الإبادة في جدول الأعمال كما فعلت «الدولة القومية الاحتيالية» الملتصقة بجغرافيا بلاد الشام والأناضول ومحيطهما التعددي الاجتماعي. رغم المضمون السلفي للسلطة الجديدة في سوريا، وتوفر خيارات التغيير والتشاركية، فلم تختر سوى «الدولة القومية» مع جرعة مركزية أكبر، ذلك لأن المركزية تؤسس لجهاز عنف أحادي بلا ردع لوحشيتها وهمجيتها وحريتها في الإبادة. والصراع اليوم في سوريا يتمحور حول صيغتين للدولة، المركزية واللامركزية، الإبادة والبقاء. لذلك نرى وحدة خطاب في الكراهية والممانعة بين السلفية والإخوان والبعث – «وهي عناصر التشكيلة الأموية المعاصرة» ضد دعاة اللامركزية من الديمقراطيين السنة والكرد والعلويين والدروز وهي عناصر «التشكيلة العباسية – الخراسانية المعاصرة»، وهذا التقابل بين الأموية والعباسية الخراسانية في سوريا امتداد مجازي وليس أيديولوجي، لكنه ليس ضرباً من الخيال التاريخي أيضاً.
جذور النسخة القومية الحاكمة في دمشق، وهي امتداد لتاريخ سوريا المركزي، ليس نتاج جماعة الاتحاد والترقي، رغم الوجه الوحشي للعنف المنظم الفئوي للجماعة بعد الهزيمة الكارثية في حرب إيطاليا وحرب البلقان بين 1911 – 1913. رغم ذلك، فإن النخب التركية والعربية انتقت مفاهيم «الأمة» من قصاصات وكتب المنظرين والفلاسفة في ألمانيا وفرنسا. تمت صياغة هذه الأفكار والطروحات الأوروبية «التنويرية» في زمنها، ببعد نفسي غاضب بشدة في سبيل تركيب دول انتهى بها الحال إلى ما هي عليه اليوم، بمرجعيات دينية وقبلية شديدة التداخل، وذات بنى رجعية ونزعة إجرامية ضد التشاركية السياسية في السلطة، وترى في أي صيغة لامركزية انهياراً سياسياً للكيان التاريخي المخترع.
خلال الأعوام المئة الماضية، عاش نموذج «الدولة القومية»، في نسخته الأكثر دمويةً وفشلاً، مجده في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من فشلها الذريع في التنمية وحكم القانون، إلا أن هذه الدولة سجلت نجاحاً استثنائياً في تغيير المزاج الشعبي للإيمان بطهرانية الدولة وحرمانية التشكيك في طبيعتها، وطبعتها السياسية الأحادية القائمة على إلغاء التنوع والتعددية. وبلغ نجاحها حداً أنها قامت بتغيير ذهنية التيارات المعارضة لها لتكون نسخةً مطابقةً لها حين تكون المسألة تغيير هوية الدولة من كيانٍ عنصري استيلائي إلى دولةٍ وطنيةٍ تتشكل من أقوام عديدة متشاركة في حيّزٍ جغرافي.
لذلك، فإن الحديث عن فشل الدولة القومية في المشرق، يحجب نجاح هذا النموذج في ترسيخ العنصرية والكراهية وجعلهما ثقافة عامة عبر ضخ معلوماتٍ مضللةٍ في اتجاهٍ واحدٍ تنال من جاهزية كيانات اجتماعية وقومية للحماية الذاتية من الإبادة والقتل الجماعي والاستعباد.
يريد التهريج الأموي أن تكون الدولة القومية «قومية» وليس «دولة أمة». أن تكون سوريا عروبية بالاحتيال، أي الاحتيال على السنة أنفسهم، السنة القوميين والمدنيين حيث أن رسالة السلطة الجديدة أن عروبية بني أمية المتخيلة – وغير الحقيقية- تتسع للجميع، وذلك بدلاً من أن تسير في طريق بناء دولة موحدة بتعددية معترف بها وتعكس حقيقة سوريا. وعليه، فإن إنقاذ سوريا من مرحلة انهيار جديدة يتوقف على إلغاء الوصاية الأحادية على شكل ومضمون الدولة، وسيكون صمود دعاة الإدارة الذاتية الجواب الوحيد على هذا التصدير الإجباري للعدوانية الداخلية التي تفيض بها أساساً التشكيلات المسلحة السورية في مجتمع متصدع على كافة المستويات ولن تنقذه سوى العروبة المنفتحة الحضارية. لذلك، من المرجح أن الإدارة الذاتية في شرق الفرات ستبقى قائمة ولها مبررات صمود أقوى بكثير من أسباب الاندماج طالما أن «الدولة العدوانية» هي العرض الوحيد حتى الآن، فيما تستمر محاولات فرض العنصرية على الدولة السورية الجديدة، فمن له مصلحة في رؤية حكم رشيد في الجغرافيا السورية المليئة بالفرص؟





