شورش درويش
دون وجود موجبات أو ميلان في ميزان القوة لصالح دمشق، ألمحت السلطة المؤقّتة عبر ناطقين باسمها إلى وجوب إلقاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) سلاحها، بعد أن كان اتفاق العاشر من مارس/آذار ينصّ وضوحاً على “دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية”. يمكن توصيف هذا الانقلاب على منطق الحل السياسي والتفاهم أنه يمثّل تدهوراً في خطاب السلطة ومن يحفّ بها من إعلاميين ومؤثّرين، وهو إلى ذلك رفعٌ لسقف مطلبٍ عجزت دولة مثل تركيا بنفوذها وقوّتها عن تحقيقه. فما الذي يدور في ذهن السلطة وهي تحاول الانقلاب أو التنصّل من توقيعها على “اتفاقية وطنية” وحيدة توصّلت إليها ووُصفت بعدها بأن لديها شيئ من “البراغماتية” رغم مجافاة ذلك للواقع. ثمّ هل تحاول السلطة القول بأنها ليست محاطة بالإخفاقات التي نجمت عن سوء إدارتها لملفات المصالحة الوطنية والمشاركة والتضمين السياسي للمكوّنات وتعذّر إدارتها للمجتمع السوري التعدّدي خارج أخيلة التسيّد الطائفي ومنطق القوة والغلبة العسكرية؟
على ما سبق تأتي المواقف المتصلّبة للسلطة بعد تأجيل اللقاء بين ممثليها وقسد برعاية فرنسية، وبعد البيان السوري – الأميركي – الفرنسي المشترك الصادر يوم 25 يوليو/تموز الجاري الذي أكّد على “عقد جولة من المشاورات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في باريس بأقرب وقت ممكن لاستكمال تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بشكل كامل”. كما لم تغب عن البيان الثلاثي المفردات المفتاحية المساهمة في تطويق أزمة التفكك الوطني والجهوي، مثل: دعم الانتقال السياسي، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتعزيز التماسك المجتمعي في شمال شرق سوريا والسويداء.
نظرياً يمكن تفهّم مبرّرات تأجيل السلطة للقاء الباريسي واستكمال التفاوض، ورفعها تالياً سقف مطالبها قبل جولة التفاوض المقبلة مع قسد؛ فالتأجيل ورفع السقف متولّد من إخفاقات السلطة في معالجة مشاكل الجنوب السوري، لا سيما بعد أحداث السويداء الدامية، وما يشاع في وسائل إعلام إسرائيلية عن القبول بإبقاء الجنوب بمحافظاته الثلاث منطقة منزوعة السلاح على أن يتولّى مقاتلون محلّيون مهمّة الحفاظ على الأمن متحزّمين بالأسلحة الخفيفة فقط. بهذا المعنى تريد السلطة الظهور بمظهر الطرف القويّ بعد أن أضعفتها أحداث السويداء وجرّدتها من قدرتها على بسط السيطرة جنوباً. وبالتالي، يصبح رفع السقف في مواجهة قسد مفهوماً، حيث تسعى دمشق للقول بأن جرحها في جبل العرب لا يمكن أن يؤثّر على قدراتها التفاوضية مع قسد، وهذا ما لا تصدّقه قسد بأي حال، فالأوضاع بعد نكبتي الساحل والسويداء تقول بأن السلطة أصبحت أضعف وفي مرمى الانتقادات الخارجية حيث أنها قد تتحوّل من سلطة جرى احتضانها دولياً وعربياً إلى أخرى منبوذة خارجياً حال قيامها بحرب ثالثة على شمال شرق سوريا، مستعينةً بالعدّة المريبة إيّاها: النفير العام الطائفيّ، والفزعات العشائرية.
ولئن قمنا بتفهّم الظروف الصعبة التي تعيشها السلطة، والتي هي في النهاية من صنع يديها، فإن مسألة إلقاء قسد لسلاحها لا يمكن النظر إليها أبعد من كونها وسيلة ضغط غير مباشرة قبل موعد اللقاء المقبل؛ فمختصر ما تقوله قسد يبدو واضحاً وهو أنها لن تتنازل مطلقاً عن سلاحها بالشكل الذي يتناقض ومبدأ الدمج المتفق عليه. وكل ذلك مع وجود سلطة تحتفظ بقدراتٍ إبادية تجلّت في أعمال العنف والارتكابات في الساحل والسويداء وجرمانا وأشرفية صحنايا والتهديدات التي أطلقها مقاتلون في صفوف “جيش السلطة” تجاه شمال شرق سوريا إبان عملية السويداء، هذا فضلاً عن وجود ظروف موضوعية متصلة بالحرب على الإرهاب تحول دون إلقاء السلاح، وصولاً إلى عدم معالجة السلطة للمطالب المتمثّلة في إقامة نظام تعاقدي جديد يقوم على اللامركزية، وتشميل حقوق الكرد الدستورية والثقافية واللغوية بالشكل الذي يعزّز الشراكة ويحفظ لهم مكانتهم الوطنية المعتبرة.
وقريباً من خطاب السلطة الرسميّ، نجد إلى اليمين منه الإعلام الموازي، وفِرق الذباب الإلكتروني، المموّلين من السلطة، واللذين يحومان في كل اتجاه ويواظبان على نشر الوسوم وتأييد المواقف التي تطلقها السلطة عبر تقنيات الترويع الافتراضي ونشر خطابات الكراهية والحط من شأن الأفراد والجماعات المناوئة، ومحاكاة الغرائز البدائية، واستنهاض العشائر والفزعات، ونشر التحديثات المستمرة لاسم العدوّ الوظيفي الداخلي المراد تحطيمه معنوياً في كل مرّة سواء كان طائفة أو قومية أو تياراً سياسيّاً بحسب ما تمليه حاجة السلطة، وينسحب ذلك إلى توجيه الشتائم واتهامات بالعمالة لمجموعات من الأفراد إذا ما أجمعوا على كتابة بيان أو حاولوا رسم خريطة طريق للخروج من الأزمة الوطنية، ويمتد الأمر أحياناً ليطاول شخصاً واحداً يقول ما لا تشتهي السلطة أو ينحرف عمّا تقوله السردية السلطوية حول طبيعة الأزمات الراهنة.
تشكل ذراع السلطة الإعلامية بوجهها الموازي، أداة تخويف وإرهاب نفسيّ لمعارضي السلطة أو المعترضين على مسلكها العام، وهي بذلك تعزّز مخاوف المشكّكين من نوايا السلطة المستقبلية تجاه المكوّنات. كان للمقاطع المسجّلة التي صوّرها القتلة اللاهون بالجثث والأسرى والمعتقدات الدينية دورها في تصوير “الجيش الجديد” بأنه الوجه المقابل لجيش الأسد. وبدت عمليات قصاص “الجيش” في مكانٍ ما صورةً كاريكاتورية مبتذلة لعنف داعش المصوّر الذي كان يقوم على تقنية “مسرحة” عمليات القتل عبر إسباغ البعد المشهدي على حفلات الإعدام وقطع الرؤوس والرمي من شاهق وإغراق أو إحراق الضحايا بشكل يثير التقزز والرعب لفرط التوحّش المجسّد.
من الناحية العملية، لعب إعلام السلطة بوجهيه الرسمي والموازي دوراً مؤثّراً في عملية شدّ عصب المكوّنات والقوى العسكرية المستبعدة، وجعلها تالياً تتمسّك أكثر بسلاحها وعدم إدارة ظهرها للسلطة.
في حال خرج مطلب إلقاء السلاح عن كونه وسيلة ضغط وأصرّت دمشق عليه بوصفه مطلباً أصيلاً، فإن ذلك سيتحوّل إلى مطلب عدميّ لا ينتج أيّ حلّ سياسي مأمول وقد يدفع باتجاه حرب محتومة؛ فبعد أن رفض مقاتلو السويداء إلقاء أسلحتهم وتعلّمهم الدرس مما دار في الساحل من مجازر وقتل عام، وبعد فشل دمشق في بسط سيطرتها على الجبل رغم لجوئها للخطة (ب) المتمثّلة بإرسال آلاف المقاتلين تحت بند “الفزعة” وتعذّر تطبيق الخطة (ج) القائمة على فرض حصار خانق على السويداء، وبعد ما ثبّته الإعلام الموازي من مشاهد لامتهان كرامة المدنيين في السويداء وقبل ذاك في الساحل، فإن احتفاظ قسد بسلاحها أصبح قضية حياة وكرامة أو موت. أبعد من ذلك: رفعت الارتكابات في الساحل والسويداء الحرج عن قسد تجاه أيّ مطلبٍ دوليّ أو إقليمي يخصّ إلقاء السلاح بعد كل الذي دار في سوريا منذ آذار/مارس الماضي وحتى يومنا هذا.
والحال، ليس أمام دمشق سوى إعداد ورقتها وتقديم تصوّراتها الخاصّة بالدمج العسكري والأمني، ومطابقة ذلك مع مقترحات قسد للوصول إلى مشتركات بين الورقتين، إذ إن النقاش خارج أفق الدمج لن يكون أكثر من مضيعة للوقت، وقد سبق لبشار الأسد أن عوّل على عامل “الوقت”، فيما كان يبدّده على الهرطقات والإيمان بأن مصالح الدول والمنطقة تسير في صالحه.





