قدّم المركز الكردي للدراسات في الثاني عشر من شهر يوليو/تموز الجاري جلسة حوارية، باللغة العربية، بعنوان «المساهمة الأمريكية في تشكيل سوريا الجديدة». واستضاف البرنامج، الذي قدمه الزميل شورش درويش، الأكاديمي والكاتب ومؤسس ومدير عام مركز الشرق للبحوث (ORC) د. سمير التقي.
وبدأت الجلسة بالسؤال عن الموقف الأمريكي حيال سوريا الجديدة وأخر التصريحات التي أدلى بها المبعوث الأمريكي توم باراك. وقال الأكاديمي والكاتب د. سمير التقي أن أحد الأسباب التي سرّعت عملية وصول الشرع إلى الحكم هو الخوف من إعادة تفويض روسيا في المنطقة وذلك في حال نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية، لذلك علينا أن ندرك بأن هناك سياستين تمارسان تجاه سوريا؛ الأولى هي السياسة التي انتهجها الديمقراطيون لإدارة الوضع في سوريا، والثانية هي السياسة التي جاء بها الرئيس ترامب.
وتابع بأنه في الوقت الذي يقوم به الرئيس الأمريكي ترامب بعقد صفقات مع دول الخليج تُعارض إسرائيل تفويض العرب مرة أخرى بإدارة الوضع الإقليمي، والمشاركة في عملية تعافي الدول العربية كغزة وسوريا. مشيراً إلى أهمية رؤية الدور التركي على التوازي مع كل التطورات، فنتنياهو استطاع إقناع الرئيس الأمريكي ترامب بأن الإسراع من عملية السلام بين تركيا وسوريا ضرورية لإبعاد تركيا عن الأراضي السورية بحيث ألا تكون الأراضي السورية منصة للضغط على إسرائيل من قبل تركيا أو أن تكون سوريا أرضية لانطلاق أية قوة معادية لإسرائيل. كما نوّه إلى خطورة القوة الجهادية الموجودة على الأراضي السورية التي مازالت تحافظ على قدرات جدية وكبيرة. فأكد د. سمير التقي على أن أمريكا تكتشف في الوقت الحالي بشكل لم يسبق له مثيل أهمية سوريا الجيوستراتيجية، فكلام باراك الذي يمثل أداة ضغط اليوم يشير إلى أنه من الممكن إعادة تفويض سوريا في لبنان، وهذا يعني دفع الوضع في لبنان نحو حرب أهلية جديدة لينحصر المسيحيون في منطقة محددة في حين تعتبر منطقة طرابلس مناصرة لحكومة أحمد الشرع أما الجنوب فيذهب لقوى مناصرة لإيران والشيعة.
وبمتابعة حديثه، أشار الكاتب والأكاديمي د. سمير التقي إلى أنه لا مخرج لسوريا إلا بتفويض الدول العربية لإدارة مرحلة التعافي، أما إسرائيل فيكفي أن تضمن اختراق أمني معلوماتي للشبكات السورية. في حين أن أمريكا تتقبل وجود هؤلاء الإسلاميين في السلطة مع إبقاء المقصلة على رؤوسهم، وبنفس الوقت تحاول أن تصل إلى صيغ دستورية يمكن أن تضمن بعض الحقوق للمكونات السورية الأخرى، ولكن هذا الموضوع ليس عليه اتفاق حتى الآن، فالقضية الأساسية اليوم هي قضية وحدة القوى الوطنية الديمقراطية، فلو لم تتحد هذه القوى سوف ندخل إلى حالة عدم استقرار طويلة قد تدوم إلى عقود.
وبالحديث عن رفض الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لمطلب الفيدرالية، وتعامله مع الحكومة الانتقالية الحالية كحكومة أبدية قال د. سمير التقي إن هناك فرق هائل بين مستوى استقرار نظام الأسد ومستوى استقرار نظام الشرع، نظام الشرع للتوازنات الإقليمية أضعف بكثير مما سبق. أما بالنسبة للمطالبة باللامركزية والنضال الديمقراطي الذي يديره المكون الكردي بشكل أساسي فيعتبر هذا الوقت لحظة حقيقة لمناضلي الديمقراطية فيما لو كانوا صنيعة القوى المهيمنة أم قوى حقيقية تمثل مصالح الشعب. فأغلب الناس تشعر باليأس بسبب البطاقة البيضاء التي تعطى لحكومة الشرع، فالولايات المتحدة تدخل اليوم بكامل قواها لتدعم هذا الوضع وذلك بهدف إنجاز مهمة محددة، كما حصل في مصر بعهد السادات بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل. حيث أن الوضع سيبقى مقلقاً وغير مستقراً مالم يجري سلم أهلي حقيقي، وأن كل ما نراه هو تنفيذ لدور وظيفي محدد من الشرع في سوريا.
وبالسؤال عن الاعتراضات الخارجية المحتملة على مسار اتفاقات السلام بين حكومة الشرع وإسرائيل أجاب د. سمير التقي بأنه لو تخلى الإسلام السياسي عن قضية فلسطين فهو يتخلى عملياً عن سبب وجوده، وتعتبر هذه الخطوة إعلان إفلاس عقائدي للإسلام السياسي، فهذا الأمر بلا شك سيؤدي إلى انشقاق بين صفوف الجهاديين في سوريا، فقضية فلسطين ومشروع الدولة الإسلامية هي الهوية التي تميز الحكومة الحالية عن البرجوازية الوطنية. والإسلام السياسي بدون نضال من أجل بناء دولة إسلامية وتحرير فلسطين هو إدارة انشقاق هائل تفتعله الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في الحركة الإسلامية. وأوضح د. سمير التقي في متابعة حديثه بأن الخطورة الرئيسية لإسرائيل هو أن ترى تركيا على حدودها، فهي لا تريد لتركيا أن تقوم ببناء وتسليح الجيش السوري، لذلك مصادر القوة الحقيقية للحكومة الحالية هي أن تقوم بمصالحة الشعب وأن تحل المشكلة الأثنية قبل أي شيء.
وبالحديث عن الاستنتاجات من جولة المفاوضات الثانية التي غاب عنها الرئيس أحمد الشرع لانشغاله باستقبال المجموعة التي صممت “الهوية البصرية” متجاهلاً مسألة الهوية الوطنية، أجاب د. سمير التقي بأن الفترة الحالية هي الفرصة الرئيسية لتكوين تحالف وطني ديمقراطي ليس معارضاً بل مشاركاً، فلو افترضنا سقوط النظام الحالي فما البديل له؟ لذلك يجب التركيز على تقوية المجتمع السوري لمواجهة احتمالات سوداء من الممكن أن تنتصر. كما أكد على ضرورة وحدة الكرد بالرغم من كل التنازلات المطلوبة. فكمية المشاكل الهائلة في الدول وخاصة سوريا تجبر الحكومة على وضع أغلب الصلاحيات في يد المستويات الأدنى، فالنظام اللامركزي لسوريا ليس ترفاً بل ضرورة، فالشعب السوري اليوم أمام مسؤولية تكوين كيان ونظام لامركزي والضغط على الجانب الأميركي لتقبل كيانه والخضوع لقضيته، فلا يمكن للجانب الأميركي أن يحل مكان المجتمع، وفي هذا السياق، قال د. سمير التقي أنه من الخطوات الضرورية اليوم هو تشكيل واجهة إعلامية تمثل أساس التحالف الوطني الديمقراطي والسلم الأهلي في سوريا وبناء الشبكات من خلاله، فالشعب الكردي اليوم في أفضل أوقاته، حيث هناك اعتراف بكيان الكرد العلماني البعيد عن الصراع العقائدي.
وبالعودة للحديث عن السياسات الأمريكية الجديدة حيال الوضع الإقليمي، أكّد د. سمير التقي بأنه ليس هناك أي بُعد أخلاقي في السياسات الأمريكية وبأن هذه السياسات لا تتعلق بشخصية ترامب فقط بل ستظل السياسة الأمريكية ثابتة لعقود طويلة من الزمن، فأمريكا الآن تعيد تشكيل وضع جديد في الإقليم، وتصنف الشعوب التي تستحق البقاء.
وفي ختام الجلسة، أكد الأكاديمي والكاتب د. سمير التقي على ضرورة وحدة السوريين وعدم الالتفات إلى خطابات الكراهية التي تحاول أن تعرقل الوحدة الوطنية، وأكد بأنه لا تنتهي الحرب الأهلية إلا بوحدة وطنية أساسها الدولة اللامركزية. فالخيار الوحيد هو تقوية ترابط السوريين وتجنب تقسيم سوريا بأي شكل من الأشكال لأن تقسيم سوريا من الممكن أن يكون حل إنقاذي لتجنب قيام حرب أهلية جديدة ولكنه بنفس الوقت يعني الفشل للجميع.





