د. طارق حمو
ترجمة أخرى من ترجمات السلطة الانتقالية في دمشق (المدارة من هيئة تحرير الشام كما ينبغي التأكيد دائماً) لكيفية “ضبط” المساحات السورية، وتطويع أهلها ضمن “الدولة المركزية”، ظهرت في الاعتداءات الأخيرة التي طالت المكوّن الدرزي في محافظة السويداء السورية الجنوبية. هَول وبشاعة ما جرى من انتهاكات وجرائم ومذابح بحق الأهالي في السويداء، يقدّم دليلًا جديداً وإضافياً على البنية الشمولية الإقصائية لعقل السلطة/المركز فيما يخصّ العلاقة بينها وبين المكونات/الأطراف. تلك العلاقة التي لا تريدها السلطة خارج منطق الغنيمة والغلبة وسردية “من يحرّر يقرّر” الآخذة في التحوّل إلى طريقة لإدارة الدولة و”مسلَّمة” ثابتة بجهود الإعلام المحلي وكذلك العربي الموالي لسلطة دمشق!
لم تتخلَّ السلطة عن قراءتها الأثيرة في استغلال القبول العربي والدولي، والتسويق الذي حصل وما يزال يحصل لها بوصفها “الدولة السورية الجديدة”، رغم كونها انتقالية (فصائلية محلية، وقائمة على المحاصصة المزيفة كذلك)، وفرض نفسها ورؤيتها على الشعب والوطن السوريّين. كما وعمدت مجدّداً إلى ترجمة حالة القبول الخارجي لها، إلى “أوراق قوّة” وتمدّد تمارسه على الأطراف والمكوّنات. ظنّت السلطة بعد اللقاء الذي جمعها بمسؤولين إسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو، وعرضها لتصوّرها في السلام و”الاتفاق الأمني” مع الدولة العبرية، بأن الضوء الأخضر مُنح لها، وأن الطريق بات ممهّداً للزحف نحو محافظة السويداء، التي تتمتع بوضع إداري خاص منذ سنوات طويلة، ليتمّ السيطرة عليها و”الإحلال” فيها، وبالتالي فرض “سيادة الدولة” عبر ضمها إلى باقي مناطق البلاد التي تعتبرها السلطة كلَّها “غنيمة” لعملية “ردع العدوان”. أرادت السلطة انتهاز ما ظنته فرصة أُتحيت لها بعد لقاء باكو، في قمع الإرادة المحلية وكتم الخصوصية الدرزية السورية، والإجهاز على اللامركزية الناهضة هناك خارج إرادة وعقلية وعقيدة السلطة!
الهجوم الكبير الذي شنّته السلطة على السويداء باستخدام مئات الجهاديين والآليات العسكرية الثقيلة ـ اعتقادًا منها بأن “الفيتو” الإسرائيلي القائم منذ سقوط نظام بشار الأسد قد تلاشى، وأن دخول السلطة للسويداء سيكون جزءًا من الثمن الذي ستُسدّده إسرائيل لها، لقبولها “السلام” ومهام “ضبط أمن المناطق الجنوبية” ـ أسفر عن جرائم وانتهاكات فظيعة بحقّ المدنيين الدروز، وأحدث زلزالًا كبيرًا في الداخل الإسرائيلي، حيث الوزن النوعي للمكوّن الدرزي، وهو ما اضطرّ حكومة بنيامين نتنياهو إلى “النكوص” عن تفاهماتها مع سلطة الشرع، واتخاذ قرار قصف القوات السورية الحكومية، بالإضافة إلى ضرب مبنيّي القصر الرئاسي وهيئة الأركان العامة للجيش في دمشق. الضربات الإسرائيلية الحادثة تحت الضغط الدرزي الداخلي، أعادت السلطة إلى جادة الصواب، لتفهم بأن فكرة “الاشتغال كجماعة وظيفية” لدى الأطراف الدولية الفاعلة، لا تمنحها دائمًا “صكّ براءة الذمّة” لتصفّي حساباتها مع من تصنّفهم كخصوم في الداخل، ودائمًا على طريقتها العسكرية الدموية التي رأيناها في الساحل وفي صحنايا وفي السويداء مؤخرًا.
وزير الخارجية الأميركي، مارك روبيو، قال بأن “سوء فهم خطير” حدث في باكو، دفع السلطة في دمشق إلى شنّ هجوم على السويداء باستخدام الآليات العسكرية الثقيلة. ووكالة رويترز نشرت تقريرًا موسّعًا، بالاعتماد على مصادر عديدة، أشارت فيه إلى “التفسير الخاطئ” لسلطة دمشق للمواقف الأميركية والإسرائيلية بعد لقاءات باكو، والاعتقاد بأن هناك “ضوءًا أخضرَ” للسلطة لنشر قواتها في السويداء. وهنا تظهر الرغبة الجامحة لدى السلطة في المضي قدمًا في استغلال كل التفاهمات مع الخارج (وإن كانت على حساب السيادة والأرض السورية) في توطيد حكمها، والسيطرة على الأطراف والمكوّنات السورية بالإجبار والقسر، وضمّها بقوّة السلاح إلى “الدولة” الأحادية الشمولية التي تمضي في تمكين أركانها وتثبيت مؤسساتها. ويلعب توم باراك المبعوث الأميركي لسوريا دورًا سلبيًا في الرفع من معنويات السلطة الانتقالية المؤقتة، واستنهاض هممها، عبر تغطيته المستمرة على الانتهاكات التي ترتكبتها هذه السلطة، والدفاع عن مواقفها وسياساتها، والتخندق معها إزاء الأطراف والمكوّنات السورية في كلّ عملية حوار وتفاوض. لا يمكن أن يتجاوز المرء تركيز باراك غير البريء على لاحقة “الدولة الموحدة القوية المركزية”، ورفضه المستمرّ لما يسمّيه “التقسيم والانفصال” عندما يمرّ على ملفات الحوار مع شمال وشرق سوريا والسويداء والساحل. وهذا الموقف يقوّي من عضد السلطة ويساهم في تصلب مواقفها وزيادة جرعة التخوين والإقصاء في خطابها إزاء مطالب الأطراف والمكونات السورية. وكان باراك (الذي بات يتحرّك تارةً كمندوب سامي بيده الحلّ والعقد، وطورًا كمستشار ملاصق للشرع) قد انحاز إلى تفسيرات السلطة في الاجتماع الأخير الذي جمع وفد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية بمسؤولين في الحكومة المركزية في 9 تموز الجاري، وهو ما ساهم في بروز المزيد من التشدّد في موقف السلطة، تُوِّج بإصدارها بيانًا شديد اللهجة ضد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، حمل قدرًا كبيرًا من التخوين والاتهامات، ولم ينسَ البيان اقتباس بعض المفردات التي دأب باراك على تكرارها عند حديثه عن شكل وطبيعة النظام السياسي في سوريا الجديدة، مثل “سوريا واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”.
السلطات السورية وبعد فشل هجومها على السويداء، والذي لم ينتهِ كما خططت له بالسيطرة على المحافظة ومصادرة إرادة أهلها، وافتضاح أمر كمية الجرائم والمذابح والانتهاكات الفظيعة، مع مرافقة كل ذلك بالقصف الإسرائيلي المهين على معالم سيادية في العاصمة دمشق، بدأت تستخدم طريقة أخرى للانتقام وكسر إرادة الدروز. أدارت السلطة محرّك التحريض والتجييش الطائفي والاجتماعي/العشائري ضد الدروز السوريين. وعلى شاكلة “النفير العام” الذي حدث ضد العلويين في الساحل، أطلقت السلطة وفعالياتها “الاجتماعية والإعلامية” دعوات “فزعة العشائر” لتحشيد مجموعات منفلتة تقول عن نفسها إنها تنتمي إلى عشائر سورية كبيرة مطعّمة بمقاتلين جهاديين، وآخرين من مجموعات تابعة لفصائل موالية لتركيا، لاستخدامهم قفازات قذرة ترتكب باسمهم وتحت لوائهم جرائم القتل الجماعي والرمي من شاهق، والاغتصاب والسبي، إضافة إلى النهب والتعفيش. هي حيلة من حيل السلطة في النأي بنفسها بشكلٍ رسميٍّ عن جرائم القتل الجماعي والتطهير العرقي والمذهبي، وتحميل المسؤولية لفئاتٍ “خرجت من تحت الأرض” تقول إن لا حكم لها عليها وإنها خارج قرارها، لتستخدمها كبندقية توجّهها إلى صدر خصومها من أبناء الشعب السوري. تمضي السلطة الآن في تشكيل “جيش رديف” لها، تُشرف عليه كوادرها من الأجانب والسوريين، ويتمّ التأهيل والتلفيق هنا، عبر ضخّ أكبر قدرٍ ممكن من السرديات/الفتاوى التكفيرية، والاتهامات المتأتية من القاموس البعثي بالعمالة لإسرائيل والخارج و”محاولة اقتطاع جزء من الأرض السورية وإلحاقه بدولة أجنبية”!
ثمة مراهنة على القوة والبطش وإدخال فواعل جديدة في المعادلة السورية، هي هنا العشائر. هناك توجّه وسياسة مبيّتة لتوريط المكوّن السني السوري في الحرب التي تشنها السلطة ضد الأطراف والمكونات العرقية والدينية والمذهبية السورية. يُراد أن يُسفك دمٌ كثير من المكوّن السني وبيده، لتتلاشى لديه مشاعر الوطنية السورية وتتشكل مكانها نزعة مذهبية انتقامية عمياء تمشي خلف السلطة بدون تفكير أو تدبير. الآن يحدث تحريض وتجييش وشحن في الفضاء الإعلامي يطال المكونات السورية، بمشاركة وإشراف من السلطة، وبتغطية من جلّ الإعلام العربي وبتزوير منه. الواضح أن سلطة الشرع (هيئة تحرير الشام) أدخلت سوريا في “حرب الكل ضدّ الكل”، رغم كل النصائح والمحاذير. وضمن هذا الارتباك الناتج عن فظاعة أعمال القتل الجماعي، بدت هذه السلطة الآن أكثر تمسكًا في المراهنة على ما تعتقده “مخزونها الشعبي” في استكمال عملية السيطرة على سوريا وتأديب السوريين الخارجين عن سيطرتها وتحويل بلادهم إلى إمارة ظلامية. وضمن هذا الواقع وفي إهاب كل هذا الدم المراق، تصبح الكلمات الموجّهة إلى المكونات السورية المكلومة حول وجوب “التخلي عن السلاح” و”الانضمام إلى الدولة” بدون قيد وشرط، نُكتةً سمجة تستدعي الاستنكار، وكذلك الشكّ في الأهلية العقلية للمتحدث!





