الإعلان الدستوري: إعادة إنتاج الاستبداد

شورش درويش

من الصعب على مؤيّدي أحمد الشرع الطارئين، أي أولئك الذين ما كانوا في عداد جماعته أو مؤيديه قبل يوم 8 ديسمبر/كانون الأوّل، أن يبرّروا الأسباب الموجبة لصدور الإعلان الدستوري بهذا الشكل الذي يكرّس ويعيد إنتاج الحكم الفرديّ وملامح الحكم الفاشي بصورة مفصّلة. وإذا كان مؤيّدو الإعلان ومسطّروه يعلّلون ضرورة قبوله على علّاته بوصفه إعلاناً مؤقّتاً (والمؤقّت هنا يشير إلى خمس سنوات، أو ربما أزيد، على ما قالته المادة 52 منه)، فإنهم يعرضون قبول الحكم الفردي وهويّة الدولة الأحادية في لعبة تفاضل مسمومة على الطريقة الأسدية: قبول الاستبداد مقابل الاستقرار. هذه وصفة لتأبيد الحكم تبدأ بخمس سنوات ولا يُعلم متى تنتهي. فوق أن مدّة الخمس سنوات الطويلة كفيلة لترسيخ هويّة الدولة والإجهاز على قيم المواطنة المتساوية.

الحكم الفردي يبدأ بتجميع السلطات

من منظور عمليّ لم يشذّ الإعلان الدستوري عن دستور بشار الأسد إلّا فيما خص منح المزيد من الصلاحيات لرئيس الجمهورية، فإذا كان نظام البعث قد أمسك برقبة السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية جميعها ووضعها في يد الأسد، فإن الإعلان الأخير كرّر الخطيئة الأصلية ذاتها، ذلك أن الإعلان أعطى مساحة إضافية لممارسة التسلّط حيث يقوّض الإعلان الجديد مبدأ انتخاب أعضاء مجلس النوّاب، أو اصطفاء ممثّلين عن السوريين يختارهم مؤتمر وطني ليكونوا بمثابة أعضاء في البرلمان المؤقّت واسع الصلاحيات والمنفصل عن السلطة التنفيذية، بالشكل الذي يكون بمقدوره تأدية الأدوار التشريعية والرقابية على عمل الحكومة.

وعلى ما اعتور دورات مجلس الشعب البعثيّة من عمليات تعيين وتزوير للانتخابات وغلبة الأعضاء الوافدين عبر حزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية والشبكات الزبائنية الموصولة بالنظام، وفوق ضعف أداء المجلس وصلاحياته المحدودة إلّا أنه كان يترك هوامش ضئيلة لمن هم خارج حلقة نظام الأسدين في بعض الحالات، في حين يضع الإعلان الدستوري مهمّة اختيار أعضاء المجلس كلهم بيد الرئيس بطريقة لا تخلو من الطرافة، إذ يعيّن الشرع وفقاً للمادة (24) لجنة عليا لاختيار  أعضاء مجلس الشعب، وتقوم اللجنة العليا بالإشراف على تشكيل هيئات فرعيّة تختار (تنتخب في نص الإعلان) ثلثي أعضاء المجلس، فيما يختار الرئيس الثلث المتبقي، لكن من واقع عملي فإن الرئيس هو الذي يقوم بعملية اختيار كل أعضاء المجلس، أيّ أن كل «نائب» يجري اختياره/انتخابه بصوت واحد ألا وهو صوت الرئيس!

فوق ذلك بدل أن يعمل «الخبراء» على القطع مع تلفيقات النظام لفكرة التمثيل الشعبي عبر زج اسم الشعب على نوّاب البرلمان، أكّد الإعلان الدستوري أن اسم البرلمان ليس مجلس النوّاب بل مجلس الشعب، وهو ما يذكّر بتلفيقات الأنظمة الشمولية والديكتاتورية حين وضعت اسم الشعب على كل ما يتصل بأدوات السلطة دون أن يكون للشعب حضور فعلي في كل ما يجري.

وإلى جوار الهيمنة على السلطة التشريعية، فإن السلطة القضائية لم تسلم بدورها، إذ إن النصّ الذي كرّسه نظام البعث أطل برأسه في الإعلان، حيث يسمّي الرئيس وفق المادة (47) أعضاء المحكمة الدستورية، وهو ما يعني أنه يتحكّم بأعلى سلطة قضائية في البلاد، فيما تصرّ الفقرة الثانية من المادة الأولى التأكيد على «فصل السلطات»!

وفوق هذه التدخّل الجارف في عمل هاتين السلطتين، فإن السلطة التنفيذية باتت تخضع بأكملها لهوى الرئيس دون أن يكون هناك أطر مراقبة أو محاسبة، حتى أن إحدى أعضاء اللجنة تلعثمت ولم تمتلك أيّ إجابة عند سؤالها عن محاسبة الرئيس، فهي وزملائها يدركون أنهما صاغوا إعلاناً يلغي بصورة متعمّدة المحاسبة ويزيل التخوم بين السلطات الثلاث.

ليس الإعلان الدستوري تفصيلاً ثانوياً يمكن العيش بدونه فهو عنوان التجديد والقطع مع الأسدية. رغم تراجع دور الدستور في حياة السوريين منذ سيطر نظام البعث على الدولة والمجتمع، إلّا أنه في الماضي القريب، إبان المفاوضات الدائرة في جنيف بين الأسد ومعارضيه، خصّص المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان ديمستورا في السلال الأربع لحل الأزمة السورية إحدى السلال للإصلاح الدستوري، وبناءً على ذلك شُكّلت ثلاثة غرف، واحدة للمعارضة وأخرى للنظام وثالثة للمجتمع المدني، وقد كان جوهر مطالبات المعارضين وكتلة واسعة من المجتمع المدني تتمحور حول تعديل وتغيير البنود التي تكرّس الحكم الفردي وتقليص صلاحيات الرئيس، غير أنه بعد الإطاحة بالأسد تلاشت دعوات المعارضين حول الصلاحيات والهوية الوطنية والديمقراطية. والحال أن القصّة برمتها تمثّلت في سعي المعارضين استبدال بشار الأسد وليس النصّ الذي رفعه إلى مرتبة الحاكم المطلق، وإلّا ما معنى هذا الصمت المريب إزاء الإعلان الدستوري المنسوج من خيال واضعي دساتير الأسدين؟

يبقى كذلك أن الصلاحيات المطلقة لإعلان حالة الطوارئ كلّياً أو جزئياً، وإعلان التعبئة والحرب، وسواها من صلاحيات تعني أن «الدولة» وإرادة المجتمع ودور المؤسسات اختزلتا في يد الرئيس، وقد يكون من المفيد تذكّر مواقف معارضين للأسد مطلع الألفية حين قالوا للنظام إن التمسّك بكل مقاليد الحكم والإبقاء على المادة الثامنة من الدستور يعني أنك ستكون المسؤول الأوّل والأخير عن كل ما سيحلّ بسوريا، وبالمعنى ذاته فإن رفض تقاسم المسؤوليات والصلاحيات يعني أن الشرع نفسه قد أدخل نفسه في فخ الحكم الفردي الذي يعني تحمّله كامل المسؤولية عمّا سيحلّ بالبلاد خلال الفترة الانتقالية الطويلة من فساد وإفقار ومجازر وسوء إدارة.

جمهورية عربية ولا شيء للكرد

في إحدى تبريرات اعتماد تسمية «الجمهورية العربية السورية» أرجأ أحد أعضاء اللجنة، القاضي عبدالحميد العوّاك، أمر التسمية إلى اعتماد الاسم الذي كانت عليه سوريا عام 1920، قاصداً ما جاء في دستور الملك فيصل بن الحسين، حين كانت سوريا مملكة، ولم تكن جمهورية بعد، ولم تكن المناطق الكردية في الجزيرة العليا ملحقة بهذه البلد أو جزءاً واضح المعالم من الخريطة السورية، وعلى أيّ حال اختارت اللجنة التسمية لكنها أهملت بقية مواد الدستور الفيصلي حيث سوريا دولة لا مركزية و«علمانية» على ما قالته المواده المؤسسة لهذا الكيان، في حين آثر القاضي أن يشرح أن اسم الجمهورية العربية السورية هو وليد سياسة حكومة الانفصال (1961-1963) حين زايد سوريّون على قوميّة جمال عبد الناصر لإثبات أن الانفصاليين لا يكنّون مشاعر عداء لفكرة العروبة.

وعليه، فإن إضافة كلمة «العربية» في زمن الجمهورية الثانية التي استمرت حتى يوم سقوط بشار الأسد، هي وليدة مسألتين يمكن الوقف عليهما: الأولى أن اللجنة نزلت عند رغبة تركيا، حيث صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قبل نحو شهر من الآن بأن اسم جارته هو «الجمهورية العربية السورية» وكرّر الأمر مراراً، ومعنى ذلك أنه لا يريد لأي تغيير في سوريا أن ينعكس على أحوال بلاده، ويجب أن تُصادر الأكثرية اسم البلد وهويتها لصالحها، وعليه فقد كان الوزير التركي هو ثامن أعضاء لجنة كتابة الإعلان وثبّت ما قاله في المادة الثانية من الباب الأول المخصص للأحكام العامّة. فيما المسألة الثانية مرتبطة بنفوذ أعداء المجتمع التعدّدي المسكونين بالنوستالجيا البعثية الشوفينية التي تعالج مسائل التنوّع الإثني بالإنكار والإقصاء.

إلى ذلك، لم يكد حبر الاتفاق بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والرئيس المؤقت أحمد الشرع أن يجفّ حتى نكل حكّام دمشق عن أهم بند في اتفاقيتهم الموقعة يوم 10 آذار/مارس الماضي حين نصّت في متنها المعلن على ضمان حقوق الكرد في المواطنة والحقوق الدستورية، ولعل هذا النكول والارتكاس عن الاتفاق يضيف طبقة من عدم الثقة على علاقة الكرد سوريا بدمشق، وأن جولة المطالبة بالحقوق الدستورية ستبقى مفتوحة حتى يعدُل «الرئيس» عن بعض مواد دستوره التي تكرّس اللون واللغة والهوية العربية للدولة، إذ إن المادة (50) تبيح تعديل الإعلان بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب بناءً على اقتراح الرئيس.

واقعياً ضيّع الشرع ومن فصّلوا الدستور على السوريين فرصة أن تكون سوريا دولة حيادية تجاه مواطنيها لخمسة سنوات مقبلة، فمعضلة اعتماد الفقه الإسلامي واعتباره المصدر الرئيس للتشريع، وإنكار وجود الكرد وبقية الإثنيات السورية حطمتا أهم مبادئ الإنصاف والعدالة والمساواة المسمّى «حيادية الدولة»، بل إن «سوريا الشرع» غدت طاردة أكثر لمكوّنات البلد وناسفة لمبدأ المواطنة المتساوية عبر منح حقوق التفضيل للبعض وحرمان الآخرين من المساواة والشراكة، وهو ما يعني الإمعان في تفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي والجهوي للبلاد، وما احتجاجات الكرد ورفض الدروز لمواد الإعلان المتزامنة مع المجازر بحق العلويين سوى تماثلات حيّة لصورة سوريا الهشّة والمنقسمة التي أهدر حكّامها بمزيج من الغلوّ والجهل فرصة إعادة تركيب البلاد بعد عقود من الديكتاتورية والتسلّط، ومن يقرأ الإعلان الدستوري بعين فاحصة سيجد حجم التناقضات وتكريس حكم الرجل الواحد، وبتعبير أشد قتامة: وضع الإعلان الدستوري البلاد على طريق الاستبداد والفاشية.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد