مبادرة عبدالله أوجلان وصدام القوميات الأربع الكبرى
محمد سيد رصاص
لم ينجح حل الدولة القومية في تركيا الأتاتوركية وإيران آل بهلوي وفي الجمهوريتين البعثيتين في سوريا والعراق، كما فشلت الجمهورية الإسلامية الايرانية في حل مسألة القوميات مع وجود هيمنة للقومية الفارسية في نظامها. ومع هذه التجارب الخمس برزت شروخ تصادمية بين القوميات الأربع الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، أي العرب والترك والكرد والفرس، والآن تعيش ثلاث من هذه الدول حالات اهتزازية بنيوية، والرابعة التي هي إيران يوجد بها كوامن لحصول هذا الاهتزاز البنيوي.
يمكن تشبيه مرحلة قوميات الشرق الأوسط، مع بدء مصطفى كمال بتجربته القومية في الجمهورية التركية الوليدة عام 1923، بمثال أوروبا الغربية مع قيام دولة الوحدة الألمانية عام 1871 التي قامت إثر هزيمة الجيش البروسي (الألماني) للجيش الفرنسي في معركة سيدان، وما أنتجته برلين من اضطراب في القارة العجوز كان من مظاهره نشوب الحربين العالميتين، وهما عملياً صراع بين القوميتين الألمانية والفرنسية تداخلت فيه بريطانيا وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وهو ما تداخل مع انفجار البنية القومية الفسيفسائية في الامبراطورية النمساوية- الهنغارية التي كانت حليفة للألمان قبيل وأثناء الحرب العالمية الأولى.
كانت مبادرة زعيم المقاومة الفرنسية للاحتلال الألماني، الجنرال شارل ديغول، للمصالحة مع الألمان عندما أصبح رئيساً فرنسياً 1958-1969، عبر حلفه الجديد مع مستشار ألمانيا الغربية كونراد أديناور، بداية لدخول أوروبا في عصر ما بعد القوميات، وهو ما ساهم في الانتقال من تجربة «السوق الأوروبية المشتركة» في الخمسينيات نحو تجربة «الاتحاد الأوروبي» في التسعينيات.
هنا، يمكن القول بأن السيد عبدالله أوجلان، ومن سجنه في جزيرة إيمرالي منذ عام 1999، هو الشخص الشرق أوسطي الأول الذي أشار إلى فشل حل الدولة القومية في المنطقة، عندما، مع تركه لبرنامج الحل القومي الذي كان يتبناه منذ نشأته عام 1978 حزب العمال الكردستاني، طرح برنامج قائم على الأمة الواحدة المكونة من شعوب متعددة، التي تقوم فكرتها على المساواة والحرية لمواطني الرقعة الجغرافية المحددة بحدود الدولة المعنية في عبور لتحديدات القومية والأثنية والدين والطائفة والجنس والمذهب السياسي مع حريتهم في التساوي بالتعبير عن هوياتهم الثقافية والقومية والأثنية والدينية والطائفية، هذا الحل المشروح في النص التالي:
«الأمة الديمقراطية المتألفة من الأفراد الذين يتشاطرون حقوقهم وحرياتهم الرئيسية بالتساوي، بقدر ما تتألف من شتى أنواع الثقافات والإثنيات والأديان (مفهوم الهوية المرنة والمنفتحة الأطراف)، والمستندة بالتالي إلى دعامة وحدة الحقوق الفردية والجامعية».
هذا التعريف يتحلى بالقدرة على تأمين التكامل الأشمل ضمن تناغم مع تعريف الوطن المشترك الذي ينبغي تعريفه على أنه المكان الذي يعيش فيه الأفراد الأحرار كمواطنين ديمقراطيين، دون عزوه إلى أية مجموعة إثنية أو دينية، ودون اللجوء إلى إقصاء أي منها «(عبد الله أوجلان: خريطة الطريق – قضايا الدمقرطة في تركيا، نماذج الحل في كردستان» – ص 109-110).
لا نجد مقولة «المُكًوِن» في عملية بنينة هذا التعريف الأوجلاني لمفهوم «الأمة» بل مقولة «المواطن» الذي من خلال «تشاطره» الحرية والمساواة مع المواطنين الآخرين يتم تكوين «الأمة الديمقراطية» ككيان دستوري- قانوني- سياسي في البقعة الجغرافية المحددة عليها الدولة، أما «تشاطرهم» حرياتهم التعبيرية عن ثقافاتهم وإثنياتهم وأديانهم فهذا غصن من أغصان شجرة «الأمة الديمقراطية»، وليس الشجرة، حيث أن شجرة هذه الأمة تقوم على حرية ومساواة المواطنين في الوطن المشترك العابر للتحديدات القومية- الأثنية- الدينية- الطائفية – العقيدية السياسية وليس معزواً أومسمى بأي منها.
أيضاً من خلال المفهوم الأوجلاني للأمة، لا نجد أوجلان، يفكر من خلال منطق الأقلية الكردية أمام الأكثرية التركية، ولا في تحالف الأقليات بالجمهورية التركية لعام 1923 ضد الترك، بل يرى أن يكون الحل لمأزق جمهورية مصطفى كمال من خلال «التسوية الديمقراطية».
في يوم 27 شباط/ فبراير 2025 قدم أوجلان مبادرته لـ«التسوية» التي يرى أنها هي «الطريقة الأساسية» حيث «لن يكون القرن الثاني من عمر الجمهورية استمرارية دائمة وأخوية إلا عندما يتوج بالديمقراطية».
وبالتأكيد أن هذه السيرورة من جانب الحزب ستبنى على مسار تفاوضي قادم وتنازلات مقابلة من طرف الدولة التركية والسلطة الحاكمة في أنقرة، من أجل نقل الجمهورية التركية من دولة قومية إلى «وطن مشترك». وعلى الأرجح، أن السيد أوجلان في مبادرته ينطلق ليس فقط من محاولة علاج المأزق التاريخي لجمهورية أتاتورك التي انبنت على سيطرة قومية واحدة وإنما أيضاً من قراءة للضعف التركي الراهن، الذي بالتأكيد هو الذي دفع دولت بهجلي، وبصمت راضي من أردوغان، إلى مد اليد في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2024 للسيد أوجلان، أي بهجلي الذي هو رئيس حزب الحركة القومية، هذا الضعف التركي الذي انكشف في شرق أوسط ما بعد 7 أكتوبر، ولم ولن تحله ما تراه أنقرة من مكاسب لها في دمشق ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.