المركز الكردي للدراسات
يتأرجح الشرق الأوسط بين مخاطر وفرص متقاربة في إمكانية تحقيقها لم تكن موجودة عندما تولى دونالد ترامب منصبه لأول مرة قبل ثماني سنوات. تكمن أخطر التهديدات وفق المقاربة الأميركية في امتلاك إيران أسلحة نووية وانخراطها النشط في تحالف مع الصين وروسيا. أما أفضل الفرص، فنشأت من هزم إسرائيل لحزب الله وحماس وهجومها على إيران وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا.
تناول الأكاديمي الأميركي إليوت أبرامز، الذي عمل على ملفات الشرق الأوسط في إدارات أميركية عديدة، هذه الفرص والمخاطر في مقال مطول نشره في دورية «فورين أفيرز» تحت عنوان: «تحول جذري في الشرق الأوسط».
يقول أبرامز إن الشرق الأوسط لم يشهد منذ زمن طويل بيئة مواتية بهذا الشكل للمصالح الأميركية. فقبل عام ونصف، كان من الممكن اعتبار السياسة الخارجية الإيرانية ناجحة بشكل هائل. فقد كان برنامجها النووي يحقق تقدماً ثابتاً في تخصيب اليورانيوم. وبحلول عام 2024، امتلكت إيران ما يكفي لصنع عدة قنابل. كما أن واشنطن لم تكن تفرض عقوباتها على إيران بشكل صارم، وكانت الصين تشتري حوالي 90% من النفط الإيراني، ما حسّن الوضع المالي للنظام بشكل كبير. في الوقت ذاته، كانت العلاقات السياسية والعسكرية مع الصين وروسيا تزداد قوة، حيث ضمنت إيران حمايتهما ضد أي تحرك في مجلس الأمن الدولي وكسبت أموالاً وامتناناً من خلال شحنات الأسلحة إلى موسكو. أما «حلقة النار» التي شكلتها إيران من وكلائها وحلفائها: حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني في غزة، والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، والحوثيون في اليمن، فكانت تبدو مشكلة تعجز إسرائيل عن حلها.
لكن منذ ذلك الحين، قلبت إسرائيل الطاولة واستطاعت تحييد «الجبهات السبع» التي كانت تشن عليها الهجمات منذ 7 أكتوبر.
يمكن لترامب الاستفادة من هذا الوضع، وفق أبرامز، ولكن فقط إذا كانت إدارته مستعدة للتخلي عن الهدف التقليدي لواشنطن في الشرق الأوسط وهو «الاستقرار»، وأن تضغط بدلاً من ذلك من أجل تغييرات جذرية تعزز أمن الولايات المتحدة وحلفائها.
فعلى مدى العقدين الماضيين، كان ما يسميه صناع السياسة الأميركيون «الاستقرار» يعني في الواقع الإبقاء على وضع كانت فيه غزة تحت سيطرة حركة حماس بالكامل. وكان حزب الله يهيمن على لبنان، فيما تواصل إيران تطوير برنامجها النووي. يمكن القول إن التسمية الأكثر دقة لذلك الوضع هي «التآكل»، حيث كانت النفوذ الأميركي يتراجع بشكل مطرد، وأصبحت واشنطن أقل قدرة على حماية حلفائها. لكن الآن، لدى الولايات المتحدة فرصة لوقف هذا التراجع واستبداله بما يمكن تسميته «التمكين»، أي دعم مصالحها وحلفائها وإضعاف خصومها بشكل فعال. والنتيجة ستكون منطقة تتضاءل فيها التهديدات وتزداد فيها قوة التحالفات الأميركية.
ويقول أبرامز إن العقبة الرئيسية أمام ظهور شرق أوسط أكثر استقراراً هي سعي إيران لامتلاك سلاح نووي. وصرّح ترامب بوضوح بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالنجاح في ذلك. يبلغ المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الآن 85 عاماً. وبينما يتأمل السنوات الأربع المقبلة، سيواجه إغراءً ونصيحة تدفعه للإسراع في امتلاك قنبلة نووية باعتبارها الطريقة الوحيدة لضمان بقاء نظامه بعد رحيله. ولكن ترامب أوضح أن مثل هذه الخطوة ستكون أكبر تهديد للنظام الإيراني نفسه، لأنها ستؤدي إلى عزلة دولية متزايدة، وربما إلى هجوم عسكري أميركي إذا لزم الأمر. ولجعل هذا التهديد أكثر مصداقية مما كان عليه في السنوات الأخيرة، ينبغي على واشنطن أن تبدأ علناً في التخطيط لمثل هذا الهجوم والاستعداد له والتدرب عليه بالتنسيق مع إسرائيل.
لكن هناك حدوداً لما يمكن أن يتوقعه ترامب من السعوديين والدول العربية الأخرى. فلا يزال من غير الواضح، على سبيل المثال، ما إذا كانت السعودية يمكن أن تصبح جزءاً كاملاً من اتفاقيات أبراهام التي توسط فيها ترامب خلال ولايته الأولى، والتي أدت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
عند الحديث عن القضية الفلسطينية، سيكون من الصعب للغاية سدّ الفجوة بين ما يطالب به السعوديون وما يمكن أن يقدمه السياسيون الإسرائيليون. لكن المكسب الحقيقي الذي تسعى إليه السعودية من تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لا يرتبط بالقضية الفلسطينية. ما تريده الرياض أكثر من أي شيء آخر هو اتفاقيات دفاعية مع الولايات المتحدة تضمن تعزيز أمن المملكة بشكل حقيقي.
بما أن أي اتفاق سعودي-إسرائيلي لن يؤثر فقط على الشرق الأوسط ولكن أيضاً على علاقات إسرائيل مع العالم الإسلامي ككل، ينبغي على إدارة ترامب أن تستكشف إلى أي مدى يمكنها دفع هذا المسار قدماً. يجب أن تعمل واشنطن مع أعضاء الحزبين في الكونغرس لمعرفة أي أشكال من الاتفاقيات الدفاعية الأميركية-السعودية قد تنجح في الحصول على الموافقة التشريعية.
أما بخصوص سوريا، يقول أبرامز، إنه لا يزال من المبكر معرفة شكل الحكومة التي ستظهر بعد انهيار نظام الأسد، ولكن من الواضح أن الهدف الأميركي هناك يجب أن يكون دعم تطور حكومة شرعية قائمة على القبول الشعبي تضع حداً للتدخل السوري في لبنان وتسعى إلى السلام مع جميع جيرانها، بما في ذلك إسرائيل. يجب أن يعتمد الدعم الأميركي لأي حكومة سورية جديدة على أفعالها وليس على خطابات الرئيس أحمد الشرع أو ملابسه العصرية. فهل ستقوم سوريا بإنهاء أو تقليص حجم وطبيعة الوجود الروسي في القاعدتين العسكريتين الرئيسيتين لموسكو في سوريا؟ كيف ستتعامل حكومة الشراع مع المكونات السورية، لا سيما الكرد وقوات سوريا الديمقراطية التي دعمتها الولايات المتحدة لفترة طويلة؟ يجب أن يكون نهج ترامب مستنداً إلى الإجابات عن هذه الأسئلة.
يضيف أبرامز أنه سيكون من الحماقة أن يقوم ترامب بسحب القوات الأميركية البالغ عددها نحو 2000 جندي من سوريا. فوجودهم هناك ضروري لمحاربة تنظيم داعش والإبقاء على عشرات الآلاف من مقاتلي التنظيم السابقين قيد الاحتجاز. ويشير إلى أنه ينبغي أن تكون السياسة الأميركية قائمة على الاستمرار في دعم الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية حتى يتم تأمين وضعهم سواء كقوة مستقلة أو كقوة دفاع ذاتية ضمن الجيش السوري وضمان مستقبلها وأمنها.
يختتم أبرامز بالقول إنه يجب ألا تتراجع الولايات المتحدة عن وجودها العسكري في المنطقة، بل ينبغي على ترامب استغلال جميع المزايا الاستراتيجية التي أتاحتها له التحركات الإسرائيلية. وبذلك، يمكن له بعد أربع سنوات أن يترك وراءه شرق أوسط يكون أصدقاء واشنطن فيه أقوى من أي وقت مضى وأعداؤها أضعف من أي وقت مضى.